-٣-
الى هنا قد استوفينا البحث فى الناحية المذكورة وبقى علينا الالتفات الى ناحية نداء حضرات الفضلاء المفكرين لاصلاح الكتابة العربية فربما كشف لهم ما لم يكشف لنا وربما عرفنا شيئا وغابت عنا اشياء واننا مع احتزامنا لشخصياتهم البارزة وآرائهم الثاقبة الناضجة فى شتى المواضيع نرجو عدم مؤاخذتنا فى هذا المبحث العلمي الفني الخطير وليلتمسوا لنا من عدم وجودنا بين اظهرهم عذرا ببرر موقفنا واقدامنا على الكتابة فما غرضنا الا اعطاء البحث حقه والوقوف على ثمرة دعوتهم وندائهم فنقول :
ماذا يريد المفكرون بندائهم لاصلاح الكتابة العربية ؟ هل يريدون حذف الحركات بتاتا من الحروف ، ام يريدون تغيير صورها بشكل اخر ) فان كان ( غرضهم هو الاول مع تعديل فى نفس الحروف لترمز الى نوع الحركة المحذوفة فلنافيه رأى سنبينه " وان كان " غرضهم هو الثاني فكانهم لم يعملوا شيئا سوى تغيير صورة باخرى - فلا فائدة اذا فى ذلك لأن العلة التى يشكون منها لم تزل موجودة . فالأولى ابقاء القديم على قدمه كما هو القاعدة العلمية " يغتفر فى الدوام ما لا يغتفر فى الابتداء " على انه مع فرض تقرير ادماج الحركات فى الحروف فان هذه الطريقة ايضا تحتاج إلى معرفة القواعد والا فتحصل نفس الاخطاء التى استدعت هذا التغيير الجديد ايضا اذا كتب بالحروف الجديدة من يجهل القواعد العربية وبذلك نكون لم نعمل شيئا مفيدا فى هذا الميدان اصلا
وسواء كان هذا او ذاك فانه موضوع مهم خطير لان قلب كتابة امة من صورتها الأصلية إلى صورة اخرى يؤدى الى قطع صلة العلوم القديمة بما يأتي
من الاجيال وبقاء كتاباتنا الحالية رمزا من الرموز الغامضة يحتاج الى من يحله ويفك طلاسمه فى المستقبل
ثم كيف يمكن لمن لا يعرف الكتابة العربية القديمة أن يراجع المؤلفات فى دور الكتب " الكتبخانات " فى اقطار الأرض ، فهل يضمن لنا من يريد تغيير كتاباتنا نقل جميع الكتب والرسائل التى تعد بالملايين من قديم الزمان الى عصرنا الحاضر المطبوعة منها وغير المطبوعة الى هذه الحروف الجديدة
وايضا اذا استعملنا حروفا وحركات جديدة نقطع الصلة بيننا وبين أنواع الخطوط الجميلة التى وصلت فى جمالها وحسنها الى ارقى درجة الكمال كالثلث والنسخ والرقعه والفارسي بانواعه والديوانى بانواعه والكوفي بانواعه لأنه لا يمكن ادخال الحركات الجديدة فى اى نوع من هذه الانواع مطلقا فلو ادخلت تشوهت صور هذه الخطوط وظهرت فى اقبح شكل حيث ان الحركات الجديدة تابعة الحروف الجديدة لا تتلام مع غيرها فأذن تصبح جميع الكتب المنسوخة بايدي مهرة الخطاطين بانواع هذه الخطوط البديعة والمحفوظة كتحفة اثرية فنية في دور الكتب رمزا من الرموز ايضا لا تقرأ ولا تفهم ولا تستعمل هذه نظرية لا نشك فى تسليمها بأدنى تأمل .
فان كان ولابد من ابراز هذه الفكرة الى عالم الوجود فيحب النظر الى أربعة امور والأمران الاولان منها أساسيان لا مناص عنهما
" الأمر الأول " لا يخفى ان الذين يكتبون بالخط العربي يعدون بالملايين من امم مختلفه وكلهم لهم الحق فى ابداء رايهم واخذ موافقتهم فى هذا الموضوع الجليل - إذا يجب دعوة كل امة من الامم التى تكتب بالخط العربى لمؤتمر خاص بهذا المشروع ، ليتخذوا التدابير الحاسمة فى تنفيذ قرار الهيئة التى تتكون لانتخاب الحروف المبتكرة فى نشرها وتعليمها فى جميع المدارس الاميرية والأهلية على السواء - فان للقوات الحكومية مفعولا غير مفعول الاقتناع بصحة الرأي العلمي والفني ، وان قيام الافراد بابطال ما ألفته الامم
المختلفة منذ عشرات القرون لا ينتج شيئا مهما حاولوا كما حدث ذلك لجمعية اصلاح الحروف بالآستانة .
اما لو استبدلت دولة دون اخرى الحروف القديمة بالحروف الحديثة التى ستخترع اصبحت بعد عام او عامين مؤلفاتها ومخاطباتها مع زميلاتها من الدول التى تكتب بالخط العربى كحروف لغة اجنبية يلزم من يقوم بترجمتها ، وهذا مما يؤدى بلا شك الى قطع صلة الثقافة والعلم بين الطرفين في اقرب وقت وبالأحرى قطع ذلك بالعصر الماضى وما عهد الاتراك من هذا الامر عنا ببعيد .
) والأمر الثاني ( بما أن الحروف العربية ملك مشاع لجميع الأمم والشعوب التى تستعملها فيحب انتخات هيئة فنية من كل مملكة من الممالك الى تكتب بالخط العربى ، وتكون هذه الهيئة معترفا بها رسميا من جميع الحكومات . ومهمة هذه الهيئة الفنية ابتكار صور للتشكيل الجديد واتفاقهم على رسم واحد - ويشترط فى هذه الهيئة ان يكون اعضاؤها من اهل الفن من الخطاطين والرسامين والنقاشين وذوى الخبرة الواسعة ففي المثل " اعط القوس باريها
هذا الأمر وما قبله اساسيان لا يمكن تنفيذ الفكرة بدونهما ففي الامر الأول تنفيذ قهرى وفى الأمر الثاني اخراج فنى بديع
) والأمر الثالث ( ينتخب من اعضاء الهيئة الفنية بضعة اشخاص للتحكيم في اختيار اجمل صورة وادق رسم للحروف التى يخترعها الهيئة الفنية ، ويجب ان يكون اجتماعها فى مكان واحد وفى وقت مخصوص حتى ينتهوا من امرهم
) والأمر الرابع ( يجب اعطاء كل عضو من اعضاء الهيئة الفنية جائزة كبيرة مناسبة لهذا المشروع العظيم الذي يعم استعماله جميع الاقطار العربية والاسلامية ليكون ذلك اعظم مشجع على الاصلاح المنشود .
" وختاما " نوجه رجاءنا إلى من يهمه تيسير الكتاب العربية ان يتريث فى الموضوع ولا يتعجل لان الموضوع في حد ذاته هام وعام وملك لجميع الامم العربية والاسلامية التى تكتب بهذه الحروف وتطبيق اى تغيير فى جوهرها من حقوقهم جميعا ولا يمكن ان يشيع بينهم شئ من ذلك ما لم يحز
موافقتهم لذلك يحسن التريث فى هذا الشأن وان ينظر فى الترتيب الصالح الكفيل بقبول الامة العربية والإسلامية تنفيذ المشروع قبل تقريره وقبل اظهاره الى حيز الوجود لان فى هذا الصنيع الفائدة المنشودة والا ضاعت الجهود الاخيرة كما ضاعت جهود سبقتها . اما إذا نفذت الفكرة مثلا فى جهة ما بدون موافقة الآخرين فيحصل بذلك الانقسام البغيض بين اجزاء الجسم الواحد الذى وحده الاسلام من قبل الف عام واكثر وفي ذلك عبرة لأولى الأبصار .

