-١-
" بحث علمي ممتع ، فى موضوع شائق ، كتبه صديقنا الخطاط المتفنن ، والأديب الباحث المتقن . الأستاذ محمد طاهر كردى أستاذ الخطوط العربية بالمعارف العامة ننشره معجبين بهذه الروح العلمية الوثابة التى يساهم بها الاستاذ ببحثه هذا فى مجهود ثقافى عام " .
اطلعنا على ما خصصه " مجمع فؤاد الأول " للغة العربية بمصر القاهرة من الجائزة التى مقدارها ألف جنيه مصرى لأحسن اقتراح في تيسير الكتابة العربية - وقد تحدد آخر موعد لقبول المقترحات نهاية شهر اكتوبر عام ١٩٤٦ م الموافق ٦ ذي الحجة عام ١٣٦٥ ه حسبما نشر ذلك فى مجلة الرسالة بعدد ٦٤٩ بتاريخ ٥ المحرم سنة ١٣٦٥ الموافق ١٠ ديسمبر سنة ١٩٤٥
كما اطلعنا على نبذ من الآراء التى تشكو من صعوبة قراءة الكتابة العربية على الوجه الصحيح والتى ترمى الى هدف واحد وهو نبذ الكتابة العربية بشكلها المعروف من قديم الزمان الى شكل اخر يكون ايسر في القراءة واسهل
ونحن مع احترامنا لأصحاب هذه الآراء وتقديرنا العظيم لمجمع فؤاد الاول بمصر الذي يعمل بجهود جبارة فى رفع مستوى العلم بخدمة اللغة العربية ؛ نعرض على أنظارهم الكريمة ما تكون لدينا فى هذا الصدد ونرجو من حضراتهم الاصغاء ودقة النظر فيه ثم العمل على ما تقتضيه المصلحة العامة من غير تحيز الى الرغبات الشخصية فنقول :
كان العرب الفصحاء يقرؤون كتاباتهم قراءة صحيحة بالغريزة والفطر ذلك ما كانوا فى حاجة إلى استعمال النقط والحركات فى كتاباتهم فلما انتشر الاسلام وحصل اختلاطهم بالعجم ظهر اللحن فى القراءة وبدا الاشتباه فى الخط ففزع بعضهم الى ابتكار علامات تمنع الغلط وتدفع الايهام فاخترعوا النقط فاعجموا بعض الحروف كالباء والتاء واهملوا بعضها كالالف والحاء ، واخترعوا الحركات " الضمة والفتحة والكسرة " ووضعوا كل ذلك اما فوق الحرف او تحته
فاندفع بذلك ما كانوا يقعون فيه من الاشكال وعم انتشار هذا الاختراع جميع الاقطار حتى وصل الينا كما هو من غير تحريف ولا تبديل وقد بينا فى كتابنا المطبوع " تاريخ الخط العربي وآدابه " سبب اختراع هذه الأشياء وصورها واسم مخترعها بتفصيل تام فليرجع اليه من شاء .
ومن الحكمة الالهية الباهرة أن جعل لسان كل امة غير لسان اختها لتتباين الشعوب وتتميز القبائل بعضها عن بعض قال تعالى " ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف السنتكم وألوانكم ان في ذلك لايات للعالمين
فكان من أبرز ألسنة العالم وأبينها نطقا وأفصحها بيانا اللسان العربى الذي اختص الله له ثمانية وعشرين حرفا لا تزيد ولا تنقص تخرج من المخارج السبعة عشر من كل مخرج حروف مخصوصة كما يعلم ذلك من علم التجويد ، فاللسان العربى المبين أقل الألسنة حروفا لكنه اتمها عرضا واظهرها نطقا واسماها شرفا فهو لغة القرآن ولغة اهل الجنة ولغة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
ولما كانت مصر العزيزة منبع العلم ومركز الثقافة ومهد الحضارة ومصدر كل طارف وتليد نشات فى عصرنا الحاضر عند بعض المثقفين منهم فكرة تغيير الحركات القديمة واختراع حروف تؤدي الى سهولة القراءة بدعوى ان الحروف القديمة اذا تجردت عن الحركات لا يتمكن الانسان من قراءتها قراءة صحيحة الا اذا كان عالما بقواعد اللغة العربية فهذه الفكرة هى الفكرة الاولى قبل حدوث الحركات منذ اربعة قرنا بل هذه الفكرة سبقهم بها جماعة ) منهم ( البرنس ملكوم خان سفير ايران فى لندن فانه اشتغل بها مدة طويلة وانفق فى سبيلها مبلغا كبيرا من المال حتى انه طبع فى سنة ١٨٨٢ الميلادي بالحروف التي اخترعها بعض الكتب بالعربية والفارسية ) ومنهم ( الدكتور اسماعيل حقى بك الميلاسى فقد الف كتابا سماه الخط الجديد وهو عبارة عن اصلاح فى الكتابة العربية بحروف منفصلة .
) ومنهم ( رجل بمصر اخترع حروفا منفصلة سماها حروف اديب نسبة الى نفسه ( يزعم ان قضى فى دراستها تسع سنوات وقد اعلن عنها فى جريدة المقطم بتاريخ ١٩ إبريل عام ١٩٣٦ الميلادي - وقد ذكرنا هؤلاء فى كتابنا ) تاريخ الخط العربي وآدابه (
بل تألفت جمعية خاصة سميت " جمعية اصلاح الحروف " تشكلت فى الآستانة ونظرت فى الحروف التى اخترعها الدكتور إسماعيل حقى المذكور ووافقت على استعمالها وباشرت بالفعل تدريسها فى بعض المدارس الخصوصية كما طبعت بها بعض الكتب والرسائل وفى دليل الاستانة نبذة صغيرة من هذه الكتابة التى لا يستسيغها أحد فأين ذهبت اعمال هؤلاء ومجهوداتهم واموالهم التى صرفت فى هذا السبيل ولقد اطلعنا منذ سنتين على الحروف والحركات التى اخترعها عندنا بالحجاز الدكتور المحترم ابو فاضل محمد خيرى بك القبانى طبيب العيون فاذا هى تشبه الحروف التى اخترعها الدكتور اسماعيل حقى بك من حيث النظرية وان اختلفت صورها واطلعنا ايضا على كتاب " ألف باء فاروق " فاذا هو كتاب لا يصح ان يقال عنه انه تأليف فى اصلاح الكتابة العربية وانما يمكن ان نقول عنه انه كتاب مطبوع بخط جديد مبتكر والخط العربى لم تكن له صورة واحدة فقط بل له انواع كثيرة كالثلث والنسخ والرقعة والفارسي والديوانى والكوفى وغيرها ولاحجر على احد فى اختراع بأي شكل كان مادام لا يمس جوهر الحروف بما يخرجها عن الخط العربي فرأينا فى هذا الكتاب نوعا من الخط العربى المتناسق الوضع المنسجم الحروف ولا بأس ان ادرجناه ضمن انواع الخطوط العربية كالثلث والنسخ وغيرهما لكن مع الفارق لأن قاعدة هذه الكتابه انفصال الحروف من الكلمات بخلاف ساتر الخطوط العربية المعروفة فانها لا تمس قواعد الكتابة اصلا وانما كان تنوعها من حيث جمال الصورة والشكل فقط ثم ان كل هذه الحروف والحركات المخترعة من اصحابها لا جمال لصورتها ولا بهجة لهيئتها كما يعلم ذلك من اول نظرة اليها واين هى من الاصل الذى وصل الينا فان فى تلك الحروف والحركات القديمة من الرشاقة ودقة الذوق وحسن المنظر ما يأخذ بأبصار الناظرين ويستهوى افئدة ارباب الفن والهندسة ولو اسعفتنا مطابعنا لوضعنا كثير من ارسم الحروف والحركات المخترعة ليقارن المطلع بين القديمة والحديثة . ولكن لا بأس ان نرسم ثلاث كلمات مشكولة كل كلمة بطريقة صاحب الاختراع للعلم بها فى الجملة فمثلا
كلمة ) شرب ( تكتب على طريقة الدكتور محمد خيرى القبانى هكذا
وتكتب على طريقة الدكتور اسماعيل حقى
هكذا
وتكتب على طريقة الاستاذ الياس
عكاوى مؤلف كتاب الف باء فاروق هكذا
وبالمقارنة بين ما نستعمله من الحروف والحركات العربية القدية منذ الف وثلاثمائة سنة واكثر وبين هذه الصور المخترعة نجد الفرق واضحا جليا لا يحتاج الى مناقشة فكل صورة من هذه الصور عنوان على نفسها بنفسها وكان الحركات فيها حروف اخرى ولا يخفى ان القاعدة فى كتابة هذه الحروف والحركات المخترعة ان لا تتصل الحروف بعضها ببعض بل يجب فصلها وهذا نشأ من وضع الحركات بجانب الحروف بخلاف قاعدة الحروف القديمة فانها تكون متصله ماعدا حروف الانفصال ومن هنا يجب ان نقر ونعترف بفضل ابى الاسود الدؤلي مخترع الحركات الضمة والفتحة والكسرة فى وضعها فوق الحرف او تحته على ان لو اتبعنا الطريقة المخترعة نكون قد قطعنا الصلة بين الماضى وبين المستقبل وتكون الكتابات والمؤلفات القديمة فى العصور الاتية رمزا من الرموز التى تحتاج الى من يحلها كما سنوضحه ثم لو اردنا كتابة القرآن الكريم بالخط الذى لا تتصل حروف كلماته نضطر الى مخالفة رسم المصحف العثمانى اضطرارا إذ فيه بعض الكلمات يجب وصلها وبعضها يجب فصلها فمثلا قوله تعالى " لكيلا تأسوا على ما فاتكم " بسورة الحديد نجد هنا كلمة " لكيلا " متصلة فى الرسم العثمانى ولا يمكن كتابتها متصلة بهذه الخطوط اذ القاعدة فيها عدم اتصال الحروف مطلقا فلو كتبناها منفصلة فى القرآن نكون قد خالفنا الرسم العثمانى وهذا لا يجوز باتفاق العلماء كما بينا ذلك فى كتابنا تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه الذى سيطبع قريبا ان شاء الله تعالى
( يتبع (

