فى عدد جانفى من مجلة الفكر الفيحاء طالعنا كقراء سؤالا للاستاذ حلمي الهاشمى حول تشابه قصيدة مأساة الشيخ مصطفى للاستاذ نور الدين صمود وقصيدة عبد الصبور " الناس فى بلادى " وقد تناول المعنى بالامر الرد عن السؤال ، لكن - رغم تقديرى لصمود - لم يكن جوابه ضافيا وانما كان مجموعة من التمتمات والهينمات مع أكداس من الاقنعة الجوفاء وانا عند ما أخذت قلمي للرد أو الجواب لست أناصر الهاشمي ولا صمود . . أبدا اذ أن اقوال صمود تسترعى الانتباه فجوابه كان منعرجات وطرقا ملتوية يحاول اثناءها الاستاذ ان يركن الى جذع شجرة نخرة اعترضته في طريقه وهذا الركون أولد حججا على صمود لا له فمثلا ذكره لقصيد نزار قباني " مع جريدة " التى تأثر فيها نزار بقصيدة جاك بريفير : " افطار الصباح اذ أن هذا الذكر يستخلص منه الاستاذ صمود المتأثر ، غير أن نزار قد خلف الجريدة وخرج وجاك ذهب فى المطر وترك الفتاة تبكى لذهابه أو ليس هذا هو الفارق بالضبط بين " الناس فى بلادى " و " مأساة الشيخ مصطفى اذ أن مصطفى الاول رجل يقص القصص الدينية وكلها فى الخلود والموت ودوام الله وحده ومصطفى الثانى يعد الجنازات ثم يموت كما مات الاول ولذلك لا يبقى الا الله وكما قصد الاول قصد الثاني
صلاح عبد الصبور صور بعضا من بلاده ونور الدين صمود تكلم أيضا عن رجل المقبرة فى بلاده . أما المنعرجات التى خلقها صمود فى جوابه فان منها ذكره لابيات ميخائيل التى لا تتماشى الا وزنا مع ابيات الشاب وهذا خلاف ما جرى بين عبد الصبور وصمود اذ المعاني الموجودة عند الاول نكاد توجد كلها عند الثاني ، فعبد الصبور يقول :
. . وعند باب قريتى يجلس عمى مصطفى . وبما أن صمود تونسي وقرانا فى تونس لا سور حولها ، أو قل أن عبد الصبور ذكر القرية إذن فما بقى لصمود أن يقول : ٠٠ والشيخ مصطفى الضرير يقيم عند باب المقبرة
ولا فرق - على كل حال - بين أن يقيم الرجل عند باب القرية أو المقبرة أو أن يكون ذا عينين أو ضريرا ولكن المهم فى مقصد الشاعر
ولنتساءل هل من الصدفة - وما أغربها آنذاك - أن يتفق الشاعران على البحر واسم الشيخ مصطفى والمعنى الاساسى الذى تدور حوله القصيدة وهنا وجب تذكر قصيدة " الاصنام والسنابل " لصمود وموجة الانتقاد التى احدثته اذ أن بعضهم قال عنها انها مستوحاة من قصيدة لنزار قبانى تحمل نفس المعنى ، ولا داعي الآن لاثارة نفس الموضوع وقد كان لصفحات جريدة العمل فضل نشره .
ان هذه الحوادث التى نحفظها فى أدراج المكتب ولا نقول عنها الا كلمة واحدة فقط " انها الصدفة " هي التى جعل ادبنا التونسى يتمشرق حينا ويتمغرب حينا آخر ولا يأوى الى وطنه الحبيب الا نادرا . أو عن طريقة مزيفة . وعملية المد والجزر والرتابة انما هى قفة عرفناها فى سوق الفن عامة .
ورغم هذا كله فانى شخصيا استحسن تأثر صمود بقبانى أو عبد الصبور ولست باستحسانى ادعو اليه . ولكن أرى ان يقر الشاعر بتأثره وان يترنح فى الجواب خوفا على سمعته عند القراء . . فأنا أعده أن الفن يحتم عليه ذلك الصدق وأن قراءه والمعجبين به سيظلون من مناصريه وربما رأيت الشبان يدخلون الى حزب صمود أفواجا . فنحن لا ننكر على شاعرنا شاعريته فألحانه باقية بقاء الاثر . وأرجو أن يعذرني الاخ حلمي الهاشمي ان توليت عوضه القول والرد

