-٣-
هل كان للعرب في حياتهم قبل الأسلام وبعده ، سياسة مائية كانوا يتعاهدونها بالتقويم والتنظيم ؟
وهل كان توصلهم الى تفجير المياه من اعماق الصخور وبطون الرمال واسالتها الى مدنهم وأخيافهم وقراهم ، نتيجة خبرة وتجارب عملية ؟ (١)أم هل كان للمصادفة النصيب الأوفر حيال وصولهم الى ذلك ؟
هذه اسئلة رأينا ان نثيرها للمناسبة القائمة ، مناسبة بحثنا عن العيون وايماننا الى ان البحث يجري جول سياستنا التاريخية للماء ..وقد رأينا ان
نثيرها بهذا الشكل ليعلم مدى أهمية تنظيم السياسة المائية في رفع مستوى الحضارات ودعم اركانها .
ونحن لا يعترينا الشك في انه كان للعرب سياسة مائية عريقة ، فهم أمة لا تعوزهم دقة الملاحظة ، ولا يحتضنهم الكسل ، والحاجة أم الاختراع ، وهم قد درسوا حالة بلادهم الاصلية وشاهدوا كيف خلت مما يتمتع به جيرانهم من نعم الانهار المتدفقة التى تنشر الرخاء والنعيم حينما سارت . وقد ساقتهم هذه العوامل الى البحث والتنقيب عن افضل الوسائل الممكنة اذ ذاك لتوفير المياه اللازمة لحيواتهم ، وتوصلوا بنتيجة البحث والدراسة والاقتباس الى اجراء هذه " النهيرات " المصطنعة " العيون " . وتعاهدوها بالأصلاح والتعمير والترميم ، فهي حفيلة بالجريان ، آنافي عمق بعيد ، وأنا فى عمق قريب . وطورا فى قوة وانهمار ، وآخر فى ضعف وانسياب .
وعلى اعمدة من هذه السياحة المائية شاد العرب حضارائهم الأقليمية في ايام الجاهلية ، وكانت مقومات هذه السياسة الرشيدة قائمة على امرين :
١ - حفظ مياه الامطار قبل هبوطها عن سطح الارض من الضياع : ٢ - استخراج هذه المياه من الأعماق حينما تكون قد هبطت اليها .
وقد بنوا الخزانات ، واحكموا وضع السدود في مجاري السيول بين الجبال فحفظت لهم الخزانات والسدود كميات من مياه الامطار كانت تذهب سدى لو لا هذا الترتيب المحكم الذي قد يكون مقتبسا من الأمم المجاورة .
واحتفروا الآبار فى اعماق الارض ، واوصلوا بعضها ببعض في الاماكن الغزيرة المياه ، وشقوا باطن الارض وفتتوا الصخور ، فتكونت الآبار الثرة وجرت العيون من مياه التوأب " تروى الناس وتنشر النعيم والرفاهية فأفادوا من هذا الصنع الحكيم الذي قد يكون لهم فيه فضل التحسين ان لم يكن لهم فيه شئ من فضل الابتكار بحكم الحاجة والاضطرار .
ومن رأينا ان تنظيم السياسة المائية لأية أمة هو من موجبات ازدهار حضارتها وتقدمها ، وانت اذا طبقت هذه النظرية على العرب في جاهلتهم تجد ان حضارتهم اذ ذاك كانت تحوم حول هذه السياسية ، قوة وضعفا ، وقد تركزت تلك الحضارة بشكل رائع فى الاماكن التى عين فيها بتطبيق السياسة المائية تطبيقا رشيدا منظما .
ونستطيع ان نستوعب اهم تلك الاماكن فى الجزيرة ، وان نحصرها فى الجنوب والشرق والشمال وفي بعض مواطن فى داخل الجزيرة العربية .
ففي الجنوب ازدهرت حضارة المينين والسئيين والحميريين ازدهار اصبح مضرب الامثال(٢ )
وفي الشرق سمت حضارة طسيم وجديس والحيريين سموا رائعا . وفى الشمال نهضت حضارة الصفويين والتدمريين والغساسنة نهضة فائقة
وجميع هذه الحضارات شيدت على أسس رائعة فنية من تنظيم السياسة المائية والعناية بها كل العناية .
وشاء الله ان تحدث كارثة سيل العرم في اهم الجهات التى ارتقي بها نهم الحضارة العربية ، الا وهي جهة الجنوب ، فانهدم ذلك السد الغني العجيب سد سبأ الذي شاده اوائك العرب الاقحاح فقوض ذلك صرح حضارتهم تقويضا هائلا حدثنا عنه القرآن الكريم حديثا ملؤه العبرة للمعتبرين وبذت اختل توازن السياسة المائية لديهم اختلالاا مروعا فتدفقت جموع منهم كثيفة الى شتى انحاء الجزيرة ، فكان منهم من سعد حظه فنعم بالحصول على بقاع صالحة لاقامة دعائم السياسية لمائية بها فأقاموا وثمروا وعمروا ، وكان منهم طوائف سيقت الى بلاقع وصحارى فصاروا بدوا مع البدو .
كذلك كان شأن العرب في الجاهلية ، ولما انتشرت اضواء الاسلام في ربوعهم وجدوا تأييدا وطيدا من الدين الاسلامى الحنيف ، لسياستهم المائية العتيدة ، فساروا بها قدما الى الامام . وقد حفرت آبار وشقت عيون واصلحت بمكة والمدينة وبغيرهما فى صدر الاسلام ونظم الرسولصل الله عليه وسلم توزيع بعض المياه فى المدينة على بعض المزارعين توزيعه العدل والحكمة والصواب .
وجاء عهد الاستقرار وكان معاوية رضي الله عنه من اعظم من قدروا هذه السياسة الرشيدة قدرها فامر باجراء العيون بالحرمين الشريفين ففي مكة اجرى عيونه العشر على ما سبق ان رويناه فى المقال السابق . وفي المدينة امر باجراء عين الكظامة ولما كانت بعيدة عن المدينة عاد فأمر ابن عمة وعامله على المدينة " مروان بن الحكم " بان يجرى الى قلب المدينة عينا اخرى اغدق واقرب مورذا . وقد احتفل هذا بانفاذ هذا الامر احتفالا دلنا على مبلغ اخلاصه لهذا المشروع فاستقدم المهندسين والخبراء المائيين ، واجتمع هؤلاء
وبحثوا عن الموقع الذي يصلح لان يكون منبع العين المزمع اجراؤها وشاهدوا ان اغلب العيون التى تجرى بالمدينة اذ داك انما تأتي من المالية وهي ملحة الطعم ، بسبب ملوحة منابعها وما تمر عليه من اراض اثناء جريانها فاعتزموا تجنب هذا الامر لأن الماء المخلوط بالملوحة لن تستسيغه اذواق الشاربين ، فلا بد إذن من ان تكون العين المستطلعة عذبة حلوة ، ولا بد ان تصل الى داخل البلد وهي عذبة وهذا ما يقتضي ان يكون المنبع ، او المنابع على الاصح ذات تربة فى غاية من الحلاوة حتى اذا جرت منها العين مارة باماكن تحمل بعض عناصر الملوحة لا تتأثر بها التأثر الذي يفقدها أهم مزايا ، وهي العذوبة والصفاء . وهنا كان البحث جديا ، وهنا كانت التجارب رائعة وهنا كانت الملاحظة دقيقة ، فان اى اختلال فى الوان البحث والتجارب والملاحظة يفقد المشروع أهم المقاصد التى عني به لأجلها . . واتفقت الكلمة واجمع الرأي على ان تحفر البئر الاساسية للعين فى موضع " قباء " فى الضاحية الجنوبية للمدينة ، بما يبعد عنها زهاء نصف ساعة بسير الاقدام المتوسط ، حيث كانت التربة طينة حلوة تحيط بها الحرار من ثلاث جهاتها ، وتكتفها الارض الحلوة فى الجهة الرابعة ، واعملت الرفوش والمساحي ، وبأسم الله حفرت بئر الازرق قريبا من بئر اريس وقريبا من مسجد قباء . واضيفت اليها بعض الابار بعد ذلك من اهمها بئر اريس نفسها ، وشقت المجارى تحت سطح الأرض . وبحكم ارتفاع موقع قباء عن موقع المدينة ارتفاعا ملموسا كبيرا ؛ جرت المياه من مجموعة الآبار التى هى منابع " عين الازرق " وهبطت الى المجارى المجوفة العميقة بعض العمق حيث كانت " المناهل " بالمدينة تنتظر قدومها فى لهفة وشوق ، وحيث كان السكان متجمعين على المناهل ينتظرون هذا القدوم الميمون بلهفة وشوق .
هكذا تطورت حياة أهل المدينة بقدوم هذه العين الى داخل بلدهم فقد كانوا من قبلها لا يهدؤون ولا ينعمون بمياه غدقة فياضة عذبة كهذه مجرى بين ايديهم ، وفي شوارعهم وازقتهم . كانوا من قبلها دائمي الاضطراب رجالا
ونساء واطفالا ، الى هذه الآبار النائية التى تغور مياهيا حينا وتقل حينا آخر يرمون فيها بالدلاء ويملؤون بها القرب والركاوي في شئ من المشقة والعناه ثم ينقلبون الى اهليهم فيتكلفون في حملها مملوءة وإيصالها من العناء والمشقة اضعاف ما تحملوه فى الوصول اليها والاستقاء منها .
لقد رسمت الخطة العملية الحكيمة لاستقرار سياسة الماء في المدينة بذلك العهد الناضر : . وفي اواخر منتصف القرن الاول الهجرى ...رسمها معاوية وعماله وخبراؤه ، وطبقت تلك السياسة الحكيمة الخالدة في اوائل النصف الثاني من ذلك القرن نفسه ، وفي عهد معاوية نفسه . فيالها من نهضة مجيدة خالدة استمرت فوائدها ونتائجها بانتظام الفا وثلاثمائة عام .
لم يومئ مؤرخو المدينة... كدأبهم فى مثل هذه المواقف- الى تبيان اى شىء حول تعميم اجراء هذه العين . وقد اغنانا البحث العلمى عن ايمانهم واغنانا عن تصريحهم ، فمن المعلوم ان اغلب العيون في هذه البلاد انما تجري على نمط واحد ، وانما تنشا على ترتيب واحد ، ينظر في الموقع الذي يختزن كميات من مياه الامطار لا يخفاضه وارتفاع ما عداه ، فتحفر به الآبار المتصل بعضها ببعض ، فاذا كان الماء الذي يستنبطنه ذلك الموضع ثرة سلطت بعض الآبار على بعض واحتفر مجرى مساحتها فى جوف الارض وبذلك يجرى الماء بشكل نهير هو نفس العين وحقيقة أمرها .
كذلك كان الشأن فى عين زبيدة بمكة . وكذلك كان الشأن فى عين الازرق بالمدينة . وكذلك كان الشأن فى عين شبري بالطائف ، وكذلك كان الشأن فى عين الوزيرية بجدة
الاصلاحات بعين اللازرق
العيون المصطنعة لا يستديم جريانها الا باستدامة تعاهدها والاستدامة اصلاحها . وقد لاقت عين الازرق كغيرها من العيون القديمة اقبالا وادبارا وصادفت اصلاحا واهمالا وهي تساير الحالين معا فى القوة والضعف . ولم
يحدثنا المؤرخون انها توقفت طيلة هذه القرون الامرة واحدة ، مرة واحدة فى القرن التاسع الهجري حيث عم شح السحاب بالامطار هذه البلاد ، وتدارك الله الامر بالسلطان سليمان فامر باصلاحها ومن ثم عادت الى سابق عادتها في الجريان . وقد توالت عليها اصلاحات سلاطين آل عثمان من ذلك الحين حتى اوائل هذا القرن الرابع عشر الهجري . وفيه ألفت لها هيئة خاصة لتدعيمها واستدامة اجراء الاصلاحات بها مما تجمعه هذه الهيئة من التبرعات باسمها وقد عرفنا رئيس هذه الهيئة في الثلاثة العهود : عهد الدولة العثمانية والهاشمية وعهد هذه الحكومة السيد زين العابدين مدني رحمه الله ، فكانت الهيئة تقوم بواجياتها تحت اشرافه وقد أيدت هذه الهيئة من قبل حكومة جلالة الملك المعظم ونظمت امورها على غرار خير من ذى قبل فابتني رئيسها المذكور دارا لادارة شؤونها قحمة فى اجمل موقع بالمدينة
ومن آثار اللجنة تعميم الكباسات بالمدينة حتى زادت عن الخمسين وإيصال ماء العين الي ضواحي المدينة النائية بواسطة الانابيب الحديدية وجر مياهها بالانابيب الحديدية الى بعض الدور .
هذا تطور حميد بالعين ونرجو أن يتلوه تطور آخر احمد بان ينشأ خزان فنى عظيم لمياه العين بمقربة من منابعها وتمد منه انابيب الحديد الى المدينة وفق ما سبق ان اقترحته ادارة الصحة العامة . ويوم يتم هذا المشروع يبلغ اصلاح السياسة المائية لهذه العين التاريخية الى القمة ونرحو ان يكون ذلك اليوم قريبا .

