الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

حول سياستنا التاريخية للماء, عين زبيدة

Share

١

يتمثل المعيار الذي تقاس به عظمة العظماء ، فيما يقدمونه من اعمال صالحة واصلاحات رائعة فى مختلف شؤون الحياة. وبقدر سمو اعمال العظيم وبروز آثاره ونصوعها وشمول نفعها للمجتمع ترتفع درجته بين مراتب العظماء ، ويصير ممن يشار اليهم بالبنان

وفى هذا الميدان يتسابق النوعان . والرجحان فيه للسابق المجلى فى الميدان أيا كان. فالعبرة هنا بشاخص العمل لا بشخص العامل ، وبحاضر الموضوع لا بماضى الواضع .

وهذه زبيدة زوج امير المؤمنين هارون الرشيد استطاعت ان تلبس مفرقها تاج العظمة ، وان يشاد باسمها فى سجلات العظماء بما قدمته للانسانية فى متوالى الحقب من خير عميم ونفع جسيم ، فقد عنيت بتدعيم السياسة المائية فى مكة خاصة فأجرت عينها الخالدة التى نقلت حياة سكان البلد الامين من طور الاضطراب الى طور الاستقرار ، واحلت السرور والرفاهية في نفوس الملايين من المسلمين ، موطن الجهد والعناء ، فى اهم شئ يبعث الى النفوس السرور والهناء ، الا وهو الماء الذي يقول الله جل شانه فيه : ( وجعلنا من الماء كل شئ حي ) .

وما يزال أثرها هذا الجليل النافع جاريا دفاقا ينشر المتعة والسرور والرفاهية طيلة قرون .

مكة قبل العين وبعدها

لم تكن مكة قبل اجراء هذه العين ذات سياسة مائية مستقرة . فقد كانت بها بعض الإبار وكانت بها بعض العيون ، وكانت الآبار غير غزيرة المياه وكانت العيون غير ثرة المنابع ، فكم طمت تلك وغاضت هذه ، وكم حدثت الأزمات المائية التى طالما قوضت راحة القاطنين والوافدين

ومن الحق أن نقول انه قد كان لمعاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه موقف مشرف في رسم الخطوط الأولية للسياسة المائية العتيدة فى هذه البلاد ، فقد أجرى بالمدينة عين " الكظامة " ثم أمر عامله على المدينة مروان بن الحكم فاجري عينا اخرى كان لها الاثر الاهم فى توطيد السياسة المائية بالمدينة حتى الآن .

وهذه العين هي " عين الازرق " كما يسميها التاريخ ، و " العين الزرقاء " كما يدعوها المعاصرون . وعلى تلك الوتيرة نبث معاوية العيون بمكة أيضا فأجرى منها عشرا . وكما اتخذ بالمدينة مناهل ، اتخذ بمكة حياضا تملؤها عيونه العشر فيرتوي من مائها الاهلون فى مكة والحجيج بعرفة في سهولة ويسر

على ان ارض المدينة غزيرة المياه ، وقد كفلت غزارة مياهها استمرار جريان عينها . فاما العيون التى انشئت بمكة قبل عين زبيدة فقد كانت منابعها شحيحة المياه ، ولذلك سرعان ما تغيض اذا تأخر هطول الأمطار ) ١ ( أمدا مديدا كما هو دائم الحصول فى هذه البلاد

ولذلك كانت مكة تقاسى المتاعب اذا انقطعت عنها العيون على حاجتها الملحة فى أغلب أوقاتها الى الماء لشدة الحرور بها فى أكثر فصول العام .

وقد حصلت حوادث مروعة من هذا القبيل وبلغت تلك الحوادث مسامع زبيدة فازمعت وضع حد لقلاقل الظما فى هذا البلد ، وما عاقها عن تحقيق فكرتها ضخامة ما يقتضيه هذا المشروع من اعتمادات مالية هائلة ، فامرت فى أخريات القرن الثاني الهجرى بالبدء فى عملية اكتشاف المنابع الثرة ووقع النظر على منابع وادى حنين ) ١ ( اولا فاجرت منها الماء الى مكة ، ثم نظرت نظرتها الثانية فاذا عرفات خالية من الماء الكافي لآلاف المسلمين من الحجيج فاتجهت الى هذه الناحية وبعثت المهندسين والبنائين مع أموال عظيمة وكشفوا فاستقر رايهم على وجود مياه غزيرة فى منطقة " وادى نعمان " الذي يبعد

عن مكة زهاء " ٣٠ " ميلا فى الجنوب الشرقي وقد تكونت بحيرة المياه فى هذه البقعة من المياه المندفقة اليها من أعالي الوادي ومن الوديان المجاورة لها مما يكفل للعين التى تنبعث منها ان يستمر فيضانها مهما تاخر نزول الامطار عنها ، وإذ ذاك شرعوا فى الحفريات حتى نزلوا عن مستوى الماء فجرى الماء الى الآبار المنخفضة عن مستواه منحدرا متدفقا ومدت له القنوات فسار فيها بانتظام ، ووصلت بالقنوات الى عرفة ثم الى قرب منى وتوقف مجهود زبيدة هنا لشدة صلابة الأرض وتعسر نقرها عما كان معروفا اذ ذاك من الوسائل والآلات .

وأنفقت زبيدة ما يعادل مليونا وسبعمائة الف دينار ذهبا فى مشروعها العظيم وقد اعتور الخراب والاصلاح هذه العين بعد ذلك ، اذا عمرتها السيول أو غمرها الأهمال تهدمت بعض قنواتها فيتوقف الماء ، فاذا امتدت اليها يد الاصلاح جرى الماء على قدر مقدور من العناية والاصلاح ، وكان لملوك المسلمين وأمرائهم عناية باصلاحاتها وهكذا دواليك الى النصف الثاني من القرن

الهجرى حيث توقفت الامطار عن هذه البلاد فيبست العيون ، وقد لاحظنا ان هذا الانقطاع شمل منطقة المدينة ايضا فى ذلك الظرف ، فقد سجل المؤرخون ذلك ) ١ ( وعرض حال العيون على السلطان سليمان بن سليم العثماني وعلمت بالامر شقيقته فاطمه خانم فازمعت ان تقوم بمشروعين هامين :

أحدهما - : اصلاح قنوات عين زبيدة من أولها إلى آخرها . وثانيهما - : مد القنوات من منى حيث انتهى عمل زبيدة - الى مكة - وبذلك تكمل الحلقة الثانية الهامة من هذا المشروع العظيم ، وقد تقدم الفن المعمارى عن ذى قبل فاقدمت فاطمة خانم على انجاز مشروعها واتخذت له الترتيبات اللازمة واستمر العمل يجرى فى اعماق الارض الوعرة ذات الحجارة الصوان والصخور الصلبة نقرأ وقطعا وتخديدا فى عمق ينزل عن سطح الارض ٢٧ مترا ، زهاء عشرة أعوام ، وقد أشعلت آلاف الأحمال من الحطب على مواضع العمل لتسهيل كسر الحجارة وتفتيتها حتى نفد الحطب او كاد من منطقة مكة وما يقرب منها ، وعملت الرفوش والمساحي عملها المتواصل وبعد الجهد الجهيد نجح المشروع فتفجرت مياه العين فى محلات مكة فى احد ايام ذى القعدة عام ٩٧٩ ه فكان يوما مشهودا

أما نفقات هذا العمل فقد قدرت بنحو نصف مليون جنيه ذهبا ) ٢ ( وتوالى العمران على العين بعد ذلك من قبل سلاطين آل عثمان .

بداية عهد جديد

وقد ألفت لجنة لرؤية أمور العين بعام ١٢٩٥ ه وكانت تأخذ التبرعات من المحسنين وتصلح بها العين ، وكانت تستنهض همم المسلمين الى المساهمة فى هذا العمل الخيرى الجليل واستمر عملها حتى جاء عهد حكومة صاحب الجلالة

الملك * ) عبد العزيز آل سعود ( فاولى عنايته الخاصة ، هذه العين وأيد الهيئة القائمة بأمرها واوصاها بالحرص على تنظيمها وتعميم النفع بها ، وبذلت الهيئة مساعيها فى هذا السبيل حتى كان عام ١٣٥٣ ه فاناط أمر ادارتها والاشراف على شؤونها الى الرجلين الخبيرين العاملين : الشيخ عبد الله الدهلوى والشيخ محمد عابدين خوجه " الاول مشرف والثاني مدير " فنهضت اللجنة بالعين تحت اشرافهما وبارشادهما نهضة حميدة ووصلت المياه ثرة الى كل ناحية بمكة بما لم يعهد له مثيل من قبل وانس الناس بنعمة الري الدائم الرتيب . وقد بلغ عدد مناهل العين الان . ) ١٢٨ ( منهلا ، وامتدت المياه الى ضواحي مكة ، واشترت الأدارة عقارا باسم العين فى مكة فهي تستغله لمصالحها واصلاحاتها . وهذا مورد ثابت يضاف الى المورد الغير الثابت : مورد التبرعات . وقد حدثنا المشرف على أمور الأدارة وحدثتنا تقارير المهندسين المصريين بزيادة منسوب الماء عما كان عليه سابقا زيادة كبيرة . وقد بلغت هذه الزيادة الى حد اضطرت معه الادارة اخيرا الى تعلية جدران القنوات التى هى بقرب المنبع الاساسي بوادى نعمان ، محافظة على الماء المتزايد الانهمار وحفظا له من أن يطغي ويطفح ويرتفع بقوة تكاثفه واندفاعه فوق المجارى فيجرى فى الأودية والبرارى والقفار

مراجع هذا المقال

أخبار مكة للازرقي . تعليقات الأستاذ المحقق رشدى بك الصالح ملحس على أخبار مكة . الارتسامات اللطاف للأمير شكيب ارسلان فى منزل الوحى للدكتور هيكل باشا . رسالة السيد محمد صالح الزواوى عن العين رسالة اللجنة عن العين حديث المشرف والرئيس عن العين آثار المدينة المنورة .

اشترك في نشرتنا البريدية