الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

حول شاعرية الشابي

Share

لقد عرف أبو القاسم الشابى ، من ألوان العناية والاهتمام ، ما لم يحظ بها غيره من ابناء جيله ومعاصريه ، من شعراء العربية الا فى أحوال نادرة محدودة ، فقد وضعت عنه دراسات كثيرة ، تنوعت مناسباتها واغراضها ، وأختلفت مناهجها ، قديمة وجديدة ومستجدة ، واحتفل به النقاد ايما احتفال ، فابرزوا خصائص فنه الشعرى ، وما امتاز به من طرافة وجدة واحكام ، وحللوا جوانب حياته القصيرة ، العاصفة بالالم والحزن والشجن ، وما لها من انعكاس قوي على جوهر رؤيته للحياة والناس والوجود ، وتوقفوا طويلا عند منابعه الثقافية ، ومصادر الفن والرأى التى قد تكون اثرت فى تكوينه ، ووجهته هذه الوجهة المحددة ، التى تعكسها اشعاره بصفة خاصة .

فنحن اذن أمام ظاهرة شعرية مكتملة ، تكاد تتفق آراء الدارسين والنقاد - طيلة خمسين سنة منذ وفاة الشابى - على أهميتها وتميزها ونبوغها   العجيب ، بيد ان بعض الدارسين طلع علينا بآراء مغايرة جريئة ، تزعم   لنفسها الصواب والنفاذ ، والقدرة على تمييز وجه الحقيقة والخيال ، فيما   كتب وقيل عن الشابى ، من آراء واحكام ، وبالتالى تنزيله منزلة أخرى ، غير   تلك التى رفعته اليها دراسات ، لم تكن دقيقة ولا محكمة ، حظ الخيال   والعاطفة الجامحة فيها أكثر من الدرس الجاد لواقع النصوص المدروسة ، وما   تعلن عنه المقارنة المنهجية مع نصوص شعرية لشعراء آخرين !!! فهذا الدكتور   محمد مصطفى هدارة ، أستاذ الادب العربى بكلية آداب جامعة الاسكندرية ،   يكتب فصلا فى كتابه (( دراسات فى الشعر العربى )) ( 1 ) بعنوان (( الشابى بين

الحقيقة والخيال )) يقرر فيه : (( ان الشابى لم ينضج النضج الكافى للحكم عليه بوصفه شاعرا متكاملا ، فهو يكرر نفسه فى قصائده ، وانه ضحل الافكار ، محدود الموضوعات ، التى يمكن ان تكون مادة حية للشعر ، ثم ان اسلوبه متصنع فى أكثر مواطنه ، كثير الزخارف والتهاويل والطلاء ... واذا قسنا شعر الشابى بمقاييس الالفاظ والتراكيب القاعدية ، وجدناه لا يخلو من هزال وهلهلة )) ( 2 ) ، وقد مهد الدكتور هدارة لهذه الاحكام الباتة ، بعقد نوع من المقارنة ، بين الشابى وجبران ، وشعراء المهجر بصفة عامة ، تناولت تقريبا جملة الموضوعات التى أدار عليها الشابى شعره ، ولم تكن فى الحقيقة - حسب رأيه - الا تأثرا ومحاكاة لشعراء المهجر .

وأحب فى هذا الحديث ، ان أتوقف عند بعض القضايا التى أثارتها مقارنات الدكتور هدارة ، محاولا توضيح بعض الجوانب التى قد تكون فاتته ، أو لم يكترث لها وهو يسرع لاعلان رأيه الجديد فى الشابى ، أول هذه القضايا (( رومانسية الشابى )) ما هو مصدرها ؟ هل هى نابعة من نفسه المحكومة بظروفه الوجدانية ، وبملابسات الحياة فى تونس ، أم هو التأثر القوي بشعر المهجر كما يرى صاحبنا الدكتور ؟ قد يكون الشابى قرأ شعر المهجريين وتأثر بما يرد فيه من صور رومانسية ، ولكن هل هذا يكفى لتفسير النزعة الرومانسية القوية لدى الشابى ؟ لا أعتقد ذلك ، لان الرومانسية لم تكن حكرا على شعراء المهجر فى الزمن الذى ظهرت فيه فى المشرق العربى ، فقد كانت ظاهرة فكرية وأدبية شائعة فى مصر وفى غير مصر ، عرفت مفرداتها فى نقد العقاد ، وفى اشعار عبد الرحمن شكرى والمازنى ، وفى جماعة أبوللو بزعامة مطران وأبى شادي ، تقريبا فى نفس الفترة التى ظهرت فى اشعار المهجريين ، ومقدمة العقاد لغربال ميخائيل نعيمة ، تؤكد هذا ، وتؤكد شيئا آخر ، وهو ان التجديد الادبى ، كان نابعا من حركة مجتمعنا العربى الداخلية ، وسعيه القوي لتحديث حياته ، فى كل أوجهها الاجتماعية والثقافية والادبية ، يعلل ذلك الترجمات المختلفة لعدد كبير من رموز الرومانسية فى أوربا ، كفوته ولامارتين ودي موسيه ، وكل الظروف المحيطة بالشابى فى تلك الفترة البعيدة ، تدعوه الى هذا الاتجاه الرومانسى ، فالاستعمار الفرنسى يشدد قبضته على تونس ، ويحرمها من كل حقوقها الطبيعية والاجتماعية والسياسية ، ويفرض عليها غطاء من التغريب الحضارى الاوربى ، كاد يعزلها عزلا تاما عن

مجالها التاريخى والحضارى ، ويحولها الى أرض فرنسية بلا تاريخ ، وكانت أوضاع سن الشابى وأحواله الصحية ، وظروف نشأته وعدم استقراره فى مدينة واحدة من مدن تونس ، كل ذلك يهيئه لاستيعاب هذا المناخ الرومانسى ، والانفعال بما يحدث قريبا وبعيدا ، من احداث تصيب الوطن ، أو أحوال نفسية تخلقها طبيعة الظروف الحياتية ، التى كان الشابى يعيشها ويتمرس بها ، منذ ان بدا يعي دوره فى العائلة والمجتمع والحياة .

كان الشابى أحادي اللغة ، لا يقرأ الا بالعربية ، ولكنه كان مثقفا ثقافة جيدة ، ولولا تفاصيل حياته المعروفة ، لاعتقد الكثيرون انه خريج احدى الجامعات الاوربية ، وقد اندهش الدكتور محمد مندور فى كتابه (( الشعر المصرى بعد شوقي )) لهذه الظاهرة ، واعتبرها نمطا فريدا فى حياتنا الثقافية العربية ، وقراءاته المتنوعة - كما تدل على ذلك مذكراته وهى منشورة - تدل دلالة واضحة على المستوى الفكرى والادبى الذى كان يتوفر عليه ، وهو ينشئ شعره ونثره ، فقد كان يقرأ لاعلام الشعر العباسى ، المعرى ، وابن الرومى ، والمتنبي ، والشريف الرضى ، ويقرأ لشعراء عصره ، من شعراء الديوان وأبوللو ، ويقرأ لجبران خليل جبران ولشعراء المهجر بعامة ، ويطلع اطلاعا حسنا على ما تخرجه المطابع من ترجمات لادباء وشعراء أوربا كنيتشة وغوستاف لوبون ، وغيرهما مما ذكرت منذ قليل ، ورجل له مثل هذا النزوع الثقافى المعرفى ، الذى رأينا انه يمتد شرقا وغربا ، لا يمكن بحال ان نعلل نزعته الرومانسية بخضوعه الشديد لرومانسية جبران ونعيمه وغيرهما من المهجريين فى الشمال والجنوب ، وانما الاقرب الى الصحة والواقع ، ان الشابى تمثل الفكر الرومانسى ، نظريا فيما قرأ عنه من دراسات وتفاسير ، وتطبيقيا من خلال النماذج العديدة التى كانت سائدة فى ذلك الوقت ، فى مصر وفى المهجر على السواء وانه من خلال منظوره الخاص ، ورؤيته الفردية صاغ اشعاره ، معبرا بها عن تجربة معينة ، أو موقف معين ، يمكن ارجاعهما بسهولة - عند الذين تعمقوا دراسة حياته وشعره - الى مناسباتها فى نفسه وفى الواقع الذى من حوله ، والاهم من كل ذلك ، ان رومانسية الشابى واقعية ، ايجابية فى تعاملها مع الظواهر الاجتماعية والأحوال النفسية ، بينما رومانسية جبران روحانية ، حظ التأمل والتصوف فيها أكثر من أى شئ آخر ، فاذا كان جبران يائسا أو كاليائس من كل اصلاح وتطور وتقدم ، فان الشابى متفاعل ، رغم القيود والصعاب والاهوال والمحن ، يتوقع دوما لشعبه ان يتغير ويتطور ، لان من سنن الحياة التطور والتغير ، وكل قعود عن مجاراتها يؤدي - كما يقول - الى الموت والاندثار .

لقد تميز الشابى بين شعراء عصره ، فى تونس على الاقل ، بصوته الوطنى القوي ، وموقفه الصريح القاطع من الاستبداد والاحتلال الاجنبى ، ورفضه التام لكل أنواع الهيمنة والاستلاب ، وايمانه العميق بحريه الانسان والـــوطن والارض انطلاقا لاعادة بناء الحياة الجديدة ، وثقة منه بأن الارادة الصادقة ، لابد أن تكتسح كل أنواع العقبات التى يحاول أعداء الشعوب اقامتها فى طريق محبي الحياة والتحرر ، غير ان الدكتور محمد مصطفى هدارة ، يرى أن (( وطنية الشبابى )) كما تتجلى فى شعره ، هى صدى واحتذاء وتأثر بمفهوم الوطنية والوطن عند شعراء المهجر ، الذى يكون جزءا من حبهم للانسانية ( 3 ) ويأتى بنماذج من شعر الشابى - محدودة جدا - للتدليل على صحه دعواه ، دون أن يأتى بنماذج شعرية مهجرية تقابلها ، وهى نقطة ضعف اساسية فى ادعاء الدكتور ، اذ لا يمكن اثبات مدى تأثر هذا الشاعر بذاك ، الا من خلال المقارنة بين النصوص .

والحق ان وطنية الشابى - كما تتجلى فى شعره - هى وطنية واقعية ، انبتتها تربة أرض تونس ، وخلقتها ظروف الحياة الاستعمارية التى كان يحياها الشعب التونسى ، وهى ضرب من المشاركة الوجدانية ، مع ملابسات الاحداث اليومية ، كان لا بد للشابى وهو الحساس المرهف ، ان ينفعل بها ، وان يتسامى بها الى مستوى القضية والموقف وان يكون بالتالى اللسان المعبر عن وجدان الشعب المقهور ، المكبل باضاليل الخرافة والوهم - من أمس أمس - وهى وطنية أبعد ما تكون عن حنين جارف أو غير جارف ، للوطن وأهله ، كما تعكسها أشعار المهجريين ، شتان بين وطنية جبران وزملائه القائمة على الغربة والابتعاد والحنين ، النائحة بما يشبه الرثاء على أحوال الجائعين المستضعفين ، وبين وطنية الشابى ، الذى يزأر زئير العاصفة :

فيا ايها الظالم المصعر خده     رويدك ان الدهر يبني ويهدم

سيثار للعز المحطم تاجه       رجال اذا جاش الردى فهم هم

رجال يرون الذل عارا وسبة   ولا يرهبون الموت والموت مقدم

وهل تعتلي الا نفوس أبية    تصدع اغلال الهوان وتحطم ( 1 )

ولو تتبعنا الخط البيانى لقصائد الشابى الوطنية ، لوجدنا انها تدور حول محورين ، احدهما مواجهة صريحة للاستعمار واعوانه ، والظالمين بكل أرض ، وثانيهما نداء حار لابناء الشعب ، بالنهوض واليقظة والوعي ، وهما محوران قد يستقلان مرة ، وقد بندمجان مرة أخرى فى القصيدة الواحدة ، نعم قد يتطرف الشابى فى بعض الاحيان ، فينقم ويسخر ويهاجم ويهدد الشعب ، ولكنا نستشف من ورائه دائما حبا جارفا لتونس ولأهلها ولتاريخها وحضارتها الكبرى ، فهو مثلا يبدأ قصيدته المشهورة - تونس الجميلة - بالتنديد بالوضع الاجتماعى ، الذى كان يضطهد المصلحين والمفكرين والمخلصين ، ولكنه لا يعتم ان يكشف عن عميق حبه لبلاده ، واخلاصه الذى لا ينتهى الا بالتضحية والفداء :

انا يا تونس الجميلة فى لج         الهوى قد سبحت اى سباحه

شرعتي حبك العميق وإني          قد تذوقت مره وقراحه

لست انصاع للواحي ولو مــــ       ــــت وقامت على شبابي المناحه

لا أبالي وإن اريقت دمائي          فدماء العشاق دوما مباحه

وبطول المدى تريك الليالى        صادق الحب والولا وسجاحه

ان ذا عصر ظلمة غير اني         من وراء الظلام شمت صباحه

ضيع الدهر مجد شعبي ولكن    سترد الحياة يوما وشاحه (5)

فهل جبران وزملاؤه ، تغنوا هذا الغناء بلبنان وسوريا ؟

ومما يتصل بوطنية الشابى ، (( شعره فى الطبيعة )) هل هى طبيعة معينة محددة فى بيئات تونس ؟ أم هى مجرد (( مشاركة وجدانية لمظاهر جمال الطبيعة بوجه عام )) ( 6 ) وعلى ذلك فان (( الطبيعة عند الشابى لا تحفل بمشاهدة تونس )) كما يرى الدكتور ، وهو يرجع ذلك الى أمرين :

أولهما : منزع الشابى فى الطبيعة الذى يحاكى شعر المهجريين .   وثانيهما : (( ان الشابى نقل نفسه بدافع التقمص الشعورى الى الحياة الغربية ، التى لم يعرفها ولم يقع بصره على ألوانها ، فالغاب والضباب والراعى النافخ فى نايه ، والثلج أمور كلها لم يعرفها ولم يعش فى دائرتها ، ومع ذلك

كانت أكثر الالفاظ دورانا فى شعره )) ، وهو رأى أخذه الدكتور هدارة من كتاب (( الحركة الفكرية والادبية بتونس )) للشيخ محمد الفاضل بن عاشور ، ورآه يحقق له ما يود تقريره من رأى فى شعر الشابى .

وأود هنا أن أعلن استغرابى ، مرة أخرى ، من ان الدكتور هدارة ، بعد ان ذكر محاكاة الشابى للمهجريين فى طبيعياته ، اكتفى بالقول : (( ولسنا بحاجة الى ذكر أمثلة )) لماذا ؟ هل القضية بدرجة من الوضوح الى مقارنة ، لا أعتقد ذلك ، بل ان الطبيعة فى شعر الشابى تختلف جذريا ، عن الطبيعة فى شعر المهجريين ، بما فى ذلك قصيدة (( النهر المتجمد )) لميخائيل نعيمه ، ولا أدرى من ناحية أخرى ، كيف اتفق للشيخ محمد الفاضل بن عاشور أن يقول : (( ان الشابى نقل نفسه بدافع التقمص الشعورى الى الحياة الغربية )) فان الاشجار والغاب والضباب والثلج والراعى النافخ فى نايه ، على عكس ما قال الاستاذ الشيخ ، أمور معهودة معلومة فى طبيعة تونس ، الصنوبر والزان والسنديان والزيتون والسرو ، أشجار تغطى مساحات شاسعة من غابات تونس ، خاصة فى زغوان وعين دراهم وسواهما من المناطق ، وقد تهيأ للشابى فرصة التنقل مع عائلته - بحكم عمل والده القاضى الشرعى - فتعرف الى الالوان المختلفة من طبيعة تونس ، شمالا وجنوبا وغربا )) فلم تكن واحة فابس كبسائط مجاز الباب يغمرها الحصيد ، ولا هذه كبساتين رأس الجبل ، أو كجبل زغوان يكسوه شجر الصنوبر ، ولم يكن حر فابس كثلوج تالة ، ولا حياة الفلاحين بمجاز الباب ، كحياة صيادى البحر بفابس أو رأس الجبل ، ولا طباع أهل الشمال كطباع أهل الجنوب ))  ( 7 ) ، فليس بدعا أن يرد ذكر الثلج فى شعر الشابى ، أو أن يصف المراعى والشياه والراعى النافخ فى شبابته، فان ذلك من مظاهر الطبيعة العادية فى السهول والجبال الى اليوم ، لقد ذكر شقيق الشاعر ثلوج تالة ، بغرب تونس ، وأنا أضيف ثلوج عين دراهم بالشمال الغربى ، التى كان الشاعر يتردد عليها للاستشفاء ، أين اذن هذه الحياة الاوربية التى نقل الشاعر نفسه اليها بدافع التقمص الشعورى ؟!!

ان اطلاق الاحكام ، سعيا وراء الاثارة ، لا يخدم النقد ولا يفيد القارئ فى شئ ، ولكنه يثير غبارا ودخانا ، سريعا ما ينجلى ، لتبدو الحقيقة واضحة ، لا يحتاج ادراكها الا الى مستوى معين من الصدق والاخلاص.

قضية أخرى يثيرها الدكتور هداره ، لا للتحليل والتعليل والنقاش ، ولكن لابراز مدى تبعية الشابى لشعراء المهجر ، هى قضية (( تقديس الحب والعاطفة الانسانية )) ، لقد كان للمهجريين موقفهم الخاص من المرأة ومن الحب ، اذ (( تخلصوا من الاوصاف الحسية ، التى كانت محور الكلام عن المرأة ، وأصبح شعر الحب عندهم نوعا من العبادة الصامتة والتقديس ... واذا انعمنا النظر فى شعر الحب عند شعراء المهجر ، وجدناه يدور فى الغالب حول الحنين الى رفيقة الصبا ، وما يقترن بذلك من ذكريات عذبة طاهرة )) ( 8 ) هذا الموقف المهجرى من المرأة والحب ، يجده الدكتور هدارة واضحا قويا فى شعر الشابى ، ويأتى ببعض النماذج الشعرية يصور واحد منهما نظرة الشابى السامية الى المرأة ، وهو :

انت ما انت ؟ رسم جميل        عبقري من فن هذا الوجود

فيك ما فيه من غموض وعمق    وجمال مقدس معبود

أين أثر المهجريين فى هذا النموذج القصير جدا ؟

لم يأت الدكتور فى ذلك بجديد ، الا مجرد اشارته السابقة لموقف المهجريين من المرأة ، وبالقطع فان هذا لا يكفى ، اذ الحب الروحى الذى يتسامى فوق رغبات الجسد ، عريق فى شعرنا العربى ، منذ العذريين وغير العذريين ، وهو صدى لاحوال نفسية معينة ، فرضتها ظروف اجتماعية محددة ، فقد كان الشابى فتى حينما انشأ هذه القصيدة بالذات ، يعيش فى بيئة لا مجال فيها للاتصال والاختلاط بالمرأة ، وفجأة - يقول بعض أصدقائه - يجد سائحة أجنبية . تجلس فى مقهى أمامه ، أو تسير متمهلة ، فيؤخذ بروعة جمالها ، وينشئ فيها هذه القصيدة ، دون كلام أو لقاء ، وماذا يستطيع الشابى أن يقول غير هذا ؟ لقد هزه جمالها الفريد ، فاضطربت نفسه ، وامتلأ قلبه شجنا ، بما (( جد فى فؤادى الغريب )) ، ولم يكن ممكنا ان يقول غير الذى كان ، وعموما فالشاب فى كل اشعاره ، يحترم المرأة ، ويقدس جمالها تقديسا رومانسيا لا غبار عليه كما يقولون ، نتيجة للكبت والحرمان من ناحية ، وسموا بالشعر عن واقعية الجسد من ناحية اخرى ، ثم يأتى الدكتور هدارة بنموذج شعرى آخر للشابى يصور نظرته للحب ، وهو :

الحب شعلة نور ساحر هبطت        من السماء فكانت ساطع الفلق

والحب روح إلهى مجنحة             أيامه بضياء الفجر والشفق

يطوف فى هذه الدنيا فيجعلها        نجما جميلا ضحوكا جد مؤتلق

لولاه ما سمعت فى الكون أغنية    ولا تآلف فى الدنيا بنو أفق

ويتساءل فى حسم : (( أليس ذلك هو نفسه معنى إيليا أبى ماضى الذى يقول فيه )) :

أحبب فيغدو الكوخ نيرا             وابغض فيمسي الكوخ سجنا مظلما

ما الكأس لولا الخمر غير زجاجة    والمرء لولا الحب الا اعظما

أخشى أن يكون تساؤل الدكتور ، غير ذى موضوع ، فهناك تفاوت واضح بين الشابى وأبى ماضى فى هذين النموذجين ، اذ الشابى يصور جوهر الحب ، سموا وطهارة ، وأبو ماضى يعظ وينصح ويوجه ، ليبين (( فوائد الحب )) فالمقارنة هنا غير متكافئة ، لا لتفاوت الروح الشعرى بين النصين ، وانما لاختلاف الموضوع كذلك .

ويبدو أن الدكتور هدارة ، لا يريد أن يتوقف ، فى (( حملته )) عن الشابى ، عند حد معين ، فحتى شعر الألم ، الذى يمثل حيزا كبيرا فى تراث الشابى الشعرى ، احتذى صوره من شعراء المهجر ، ويتوقف هذه المرة عند شاعر مهجرى آخر من الجنوب ، هو فوزى المعلوف ، فيذكر لنا بعض أبيات من احدى قصائده :

عشت بين المنى يراود نفسى        خلب من طيوفها وعقام

اقتنيها وفى يدي فؤادي             ثم الوي وفى يدي حطام

اى حلم سبكته ذهبيا               لم تذبه بنارها الأيام ؟

ورجاء حبكته من خيوط النور     لم ينسدل عليه ظلام

اي عود حملته للتلهي           لم تقطع أوتاره الأيام ؟

ثم يأتى بنصين للشابى ، ويدع القارئ وحده يستخلص النتائج ، (( فالصلة بينهما أوضح من ان تحتاج الى تفصيل وبيان )) كما يقول ، وهذا

أسلوب جديد فى النقد الادبى ، يبدو غريبا من باحث فى حجم الدكتور هدارة ، احد نصي الشابى يقول :

لم اجد فى الوجود الا شقاء       سرمديا ولذة مضمحله

وأمانى يغرق الدمع أحلا          ها ويفني يم الزمان صداها

وأناشيد ياكل اللهب الدا        مي مسراتها ويبقى أساها

ورودا تموت فى قبضة الأشــــ    ــواك ما هذه الحياة المملة !؟

وفى مجال المقارنة بين الشابى والمعلوف ، أريد أولا أن أبدي شيئا من الشك فى ظهور المعلوف قبل الشابى ، لان العصبه الاندلسية والمعلوف أحد مؤسسيها ، ظهرت بعد الرابطة القلمية ، بأكثر من عشر سنوات ، أى فى حدود الثلاثين من هذا القرن ، فى هذا الوقت كان الشابى قد اكتملت أدواته الشعرية ، وطارت به الشهرة ، هنا وهناك ، حينئذ فتأثر الشابى بالمعلوف ، بصبح أمرا لا معنى له ، ومع ذلك فانى أود أن أذكر هنا ، ان هذا التشاؤم الذى يبدو فى أبيات الشابى التى أمامنا ، هى صورة من رؤية الشابى للوجود والحياة ، والتى نجدها تتكرر فى أغلب قصائده ، فالوجود شقاء ، ولذته محدودة يعقبها الزوال ، أو كما يقول فى نفس هذه القصيدة ، مما لم يذكره الدكتور هدارة :

سام هذه الحياة معاد      وصباح يكر فى اثر ليل

سام هذه الحياة معاد     ولم تسبح الكواكب حولي

وقوام هذه الرؤية ، ان فجره الازلي ، كان نعيما وضياء ، ثم جاء الوجود فمحا كل شئ :

كنت فى فجرك الموشح بالأحلام        عطرا يرف فوق ورودك

حالما ينهل الضياء ويصغي               لك فى نشوة بوحي نشيدك

ثم جاء الدجى فامسيت أوراقا            بدادا من ذابلات الورود

ومن غير شك ، فان هذه الرؤية ، لها صلة قوية بنظرية المثل الافلاطونية المعروفة ، وهى متجذرة فى تراثنا الفكرى والشعرى ايضا ، أما أبيات فوزى المعلوف ، فهى تتنزل فى اطار ضيق شخصى ، من تجارب الشاعر فى أرض الهجرة والاغتراب ، فيها الشكوى والانين والنظرة السوداء المتشائمة ، ولكنها

لا تكون رؤية عامة للحياة والوجود ، وقبل هذا فان حياة الشابى الشخصية والاجتماعية ، حافلة بكل ألوان التعب والارهاق والشقاء ، فمنذ فجر الشباب أصيب بداء القلب ، وعرف ان حياته فى هذا الوجود ستكون قصيرة ، ولا شك انه كان يفكر - وشعره يدل على ذلك - فيما هو صائر اليه بعد الموت ، مستخلصا الحكمة من وجوده فى هذه الدنيا ، وما لقي فيها من تعب وآلام ، وهنا لا محالة ستلتقى المعرفة والثقافة بالتجربة الشخصية ، لتكونا معا هذه الرؤية الشاملة ، التى يتمخض عنها شعره ونثره ، ان تحليل العناصر الفكرية و الثقافية ، التى تكون نسيج شعر الشابى قد تنتهى بنا الى مصادر متنوعة ، منها ما هو عربى ( المعري مثلا ) فى القديم ، أفكار وصور الرومانسيين فى مصر والمهجر معا ، ومنها ما هو أوربى ، يونانى ( أساطير يونانية ) وفرنسى و ألمانى ( لا مارتين - دى موسيه - جوته - نيتشه ) وربما غير ذلك من قراءات متنوعة ، تقع له من هنا وهناك ، ولكنها جميعا تلتقى التقاء عفويا ، فى بؤرة نفسية وفكرية خاصة ، حددت مواصفاتها البيئة والحياة والتكوين النفسى الخاص ، وفى هذه البؤرة النفسية والفكرية ، انصهرت الافكار والآراء والصور ، ليصدر عنها ذلك الشعر المتميز الذى عرف به الشابى دائما .

يلاحظ قارئ الدكتور هدارة ، فى نقده لأبى القاسم الشابى ، تسرعا غريبا فى اطلاق الاحكام ، كانه يقرر حقائق علمية لا شك فيها ولا جدال ، واطمئنانا أغرب الى قناعته الاساسية التى انطلق منها ، القائمة على تأثر واحتذاء الشابى لجبران ولشعراء المهجر الآخرين معا ، فلم يتخل قط عن هذه القناعة ، وهو يدرس موضوعات شعر الشابى وفكره وفنه ، وقد رأينا فيما سبق من حديث ، نماذج من اسقاطاته واحكامه ، وتعميماته ، التى لم يعطها أبدا حقها من الدقة والتحليل ، وأريد الآن أن أقف بك عند رأى آخر من آرائه فى الشابى .

فقد انطلق من مقولة ، ان شعراء المهجر يمعنون فى الهرب من واقع الحياة الأليم ، ولما كان الشابى تابعا ومتأثرا ومحتذيا لهم ، فلا بد ان يكون مثلهم ، (( فهو يريد ان يهرب الى الغابات والجبال ، أو أى مكان يعصمه من واقع حياته ، كما عصم شعراء المهجر قبله )) ( 9 ) ، ومعنى هذا الكلام ان الشابى يفتقد الموقف الايجابى الحاسم ، من قضايا المجتمع والناس ، ومن قضايا الشعب التونسى بعامة ، الذى كان يخوض - ابان حياة الشابى فى الثلاثينات وبداية الاربعينات - معارك فاصلة حاسمة ، لتوطيد مؤسساته الشعبية ، نقابية وحزبية ، على أسس جديدة من المعرفة والوعى بظروف العصر الجديدة ، من

ناحية ، ولمكافحة الوجه الاستعمارى الفرنسى البشع ، الذى كان يحاول تفتيت البنية الاجتماعية للشعب التونسى ، واحلال نمط اجتماعى جديد ، يرتبط كليا بفرنسا وتاريخها وحضارتها ، من ناحية اخرى ، ولكن التاريخ المقيد لتلك الفترة من حياة الشابى ، يذكر غير هذا ، فقد كان وطنيا عميق الايمان بوطنه وعروبته ، الى حد التطرف ، فقد ذكر بعض اصدقائه ، من مسقط رأسه مدينة توزر ، ان بعض مصورى أحد الافلام الفرنسيين ، استغل زفاف الشابى والعرس التقليدى الذى أقيم بهذه المناسبة ، وأراد التقاط بعض اللقطات السنمائية ، لتوظيفها فى فيلم كان يجري تصويره فى احدى واحات الجنوب التونسى ، ولكن الشابى رفض باصرار ، ودعا أهله وأصدقاءه الى الوقوف فى وجه هذا المتطفل السنمائى ، ولو بالقوة ، ايمانا منه بأن المستعمرين الغلاة ، لا بد أن يستغلوا الامر ، على وجه يؤذي تونس وتقاليدها الاجتماعية والشعبية ، ويذكر التاريخ المقيد كذلك ، ان الشابى كان نصيرا قويا لزعماء حركة التجديد الاجتماعى ، وفى مقدمتهم محمد علي الحامي ، مؤسس أول نقابات تونسية ، والمصلح الكبير الذى وضع هياكل أول تعاونيات اجتماعية واقتصادية فى العالم العربى ، والذى تعرض للمطاردة والاضطهاد ونفي من تونس ، فهاجر الى مصر ثم الى الحجاز ، حيث توفي ودفن ، وللشابى قصائد عديدة ، تشير الى هذه الاحداث الأليمة ، وتستخلص العبرة من فشل حركة محمد علي ، وقعود الكثيرين من التونسيين عن نصرته وتأييده ، بل التعاون مع المستعمر لضرب الحركة الواعدة وصاحبها فى المهد ، ومن المؤكد أن الشابى كان يقصده ويشير اليه حينما قال :

لست ابكى لعسف ليل طويل           أو لربع غدا العفاء مراحه

انما عبرتي لخطب ثقيل                 قد عرانا ولم نجد من أزاحة

كلما قام فى البلاد خطيب            موقظ شعبه يريد صلاحه

البسوا روحه قميص اضطهاد         فاتك شائك يرد جماحه

أخمدوا صوته الالهي بالعســ         ـــــف أماتوا صداحه ونواحه

وتوخوا طرائق العسف والار        هاق توا وما توخوا سماحه

هكذا المخلصون فى كل صو     ب ر شقات الردى إليهم متاحه ( 10 )

وحرى بدارس الشابى - ولعل هذا يفيد الدكتور هدارة - ان بذكر انه كان من أهم العناصر المحركة ، لكثير من المنظمات الثقافية الوطنية ، كالخلدونية ونادى قدماء الصادقية وجمعية الشبان المسلمين ، وغيرها من الانشطة الادبية والصحافية ، من مجلات وجرائد ، فقد كان يقضى أوقاتا طويلة ، مع زملائه فى وضع البرامج والخطط ، للمضي بهذه المشاريع الى غاياتها ، الكفيلة بايقاظ الوعى الوطنى والفكرى فى الانفس الغافية ، وتأصيل فكر وطنى عربى اسلامى ، يتيح للشباب الحفاظ على الاصول والجذور ، قبل أن يأتى المد الاستعمارى فيذهب بكل شئ ، ولا بد أن يذكر الدارس كذلك ، قبل التسرع باصدار الاحكام الباتة ، ان زعماء الحركة الوطنية التونسية ، وعامة مثقفى البلاد ، قد قدروا للشابى كل مواقفه الوطنية والادبية ، وشجاعته الرائعة فى وجه الاستعمار والمتعاونين معه - وما أكثرهم فى كل بلاد نكبت بالاحتلال - فأقامو له بعد وفاته حفلا تأبينيا هاما ، أشرف عليه زعيم وطني بارز هو الاستاذ الطاهر صفر ، عضو الديوان السياسى للحزب الحر الدستورى التونسى ، الذى اكبر روح الشابى الادبية ، ونبوغه الشعري ، وأشار الى الناحية الوطنية والاحساس الفياض ، الذى كان يفيض به عن آمال بلاده وآمالها ، وقد ذكر انه اجتمع مع فقيدنا الشابى فى بلدة طبرقة ، حينما كان الشاعر فى حال شديدة من الألم ، وقد دار اذ ذاك الحديث بين الشاعر والزعيم فى الوطنية ، عما يؤمله للشعب التونسى من التقدم ، ورثى الشاعر لحال الشعب الآن ، وقد عبر عن ذلك فى قطعة شعرية وطنية ، نشرتها جريدة (( العمل )) بعدد 22  (11 ) صورة الشابى اذن فى اذهان معاصريه ، سياسيين ومثقفين ، كانت ايجابية فى مواقفها الوطنية والشعبية ، صحيح انه لم يكن زععيما أو قائدا ، لحزب معين أو جماعة معينة ، ولكنه ايضا لم يكن مثقفا منعزلا عن حركة الشعب والحياة من حوله ، انه ببساطة عرف منزلته والحدود الممكنة ، التى يستطيع التحرك ضمنها ، حسب ظروفه الشخصية ومؤهلاته الاجتماعية ، فجاءت مشاركاته فكرية نظرية ، أكثر منها عملية ميدانية ، ومن خلال ذلك تواترت بياناته الشعرية والفكرية ، نوجه الجماهير وترسم لهم طريق الخلاص من التبعية الاستعمارية ، ومن الجمود الفكرى والاجتماعى ، الذى عطل مسيرة النهضة المنشودة ، ولم يؤثر عنه قط ، أى انخذال أو تراجع ، أمام أى موقف اتخذه وافصح عنه ، فكيف يستقيم قول

الدكتور هدارة انه : (( يريد أن يهرب الى الغابات والجبال ، أو أى مكان يعصمه من واقع حياته )) ؟

ان الدكتور هدارة ، اخذته فكرة تأثر الشابى بجبران وشعراء المهجر ، فأراد تعميمها على كل جوانب حياة الشابى وشعره ، خاصة ان عددا من قصائده يستجيب فعلا لالوان من التأويل والتخريج ، الذى يوحى بالانعزال فى الغاب بين أحضان الطبيعة ، ولكن هذه القصائد - فيما أتصور - لا تقدم الدليل القاطع على (( هروب الشابى من واقع الحياة )) لانها من ناحية ، ليست مبنية على موقف عملى ، اتخذه الشاعر فى مرحلة معينة من حياته ، ولانها من ناحية ثانية ، جاءت تعبيرا عن ازمة نفسية ، لا شك كانت خانقة ، ألمت بالشابى حينما رأى الشعب لاهيا ، وكان عليه ان يكون جادا ، ساكنا وكان عليه ان يتحرك ، متخاذلا وكان عليه أن يتحد ويتجمع وينطلق ، آية ذلك أن جل القصائد التى أشارت الى الغاب وحلاوة العيش فيه ، تضمنت فى القسم الاول منها ، تنديدا بجمود الشعب وانغلاقه على أى دعوة ايجابية ، وأمامنا نموذج قصيدة (( النبي المجهول )) ( 12 ) حيث نجد الشاعر يوازن فيها بين فكرتين جوهريتين ، أو فلنقل عاطفتين أساسيتين ، أولاهما : يندد فيها بالشعب ، ناعيا عليه ردود افعاله الهوجاء من دعوات الاصلاح ، وصمته الرافض لكل تطور :

انت روح غبية تكره النور             وتقضي الدهور فى ليل ملس

انت لا تدرك الحقائق ان طافت     حواليك دون مس وجس

في صباح الحياة ضمخت اكوابي   واترعتها بخمرة نفسي

ثم قدمتها اليك فاهرقت           رحيقي ودست يا شعب كأسي

فتألمت ثم اسكت آلامي         وكفكفت من شعوري وحسي

ثم نضدت من أزاهير قلبي       باقة لم يمسها أي أنسي

ثم قدمتها اليك فمزقت         ورودي ودسستها أي دوس

ثم البستني من الحزن ثوبا      وبشوك الجبال توجت رأسي

وثانيتهما : وهى مؤسسة على الاولى ، ومقابلة لها ، يعلن فى ألم بالغ ، انه يائس أو كاليائس ، حزين حزن الفراق والاغتراب ، مضطر شديد الاضطرار

الى ما سيصير اليه ، ومن ثمة سيلجأ الى احضان الطبيعة ، رمز الطهر والصفاء ، ومهد الراحة من أى بؤس أو شقاء :

اني ذاهب الى الغاب يا شعبي           لأقضي الحياة وحدي بيأس

اني ذاهب الى الغاب علي              فى صميم الغابات أدفن بؤسي

ثم أنساك ما استطعت فما أنت         باهل لخمرتي ولكأسي

والتأمل الجاد فى هذين الجزئين من القصيدة ، ينتهى بنا الى تقرير ان الشاعر كان يصور حالة نفسية قوية ، سيطرت عليه فى بعض مواقف الصراع ، حينما يحاسب المثقف نفسه ، حساب النتيجة والجدوى ، ويكتشف كم كان واهما فى تقديراته ، وكم كان متفائلا الى حد الخديعة ، حين تخيل السفن تجرى الى مرافئها كلما يريد ، وهل معنى هذا أن الشاعر قد نفض يده من الشعب ، واختار الغاب حضنا دافئا ، يقيه شر المجتمع وآثامه ؟ لكن أى اختيار هذا ؟ هل عملى فى منطق الحياة ، ومنطق الاحاسيس والمشاعر ؟ بالنسبة لغير الشابى من الطبيعيين كجان جاك روسو وغيره ، أصحاب نظرية العودة الى الطبيعة ، فى مواجهة زحف المدينة الصناعية ، أمر ممكن بل هو النقيض الموضوعى للتوسع الصناعى وتلوث البيئة ، وما زلنا نجد له آثار امتداد فى أوربا الى اليوم ( جماعات الخضر بالمانيا مثلا ) لكنه بالنسبة الى الشابى وغيره من الرومانسيين العرب ، لا يعدو مجرد صياغة حلم جميل ( انظر قصيدة أحلام شاعر بديوان الشابى) أمام أحداث وخطوب ، وآمال تتحطم وآلام تستشرى، لعلها تثير بعض النفوس فيسعون الى وضع اجتماعى آخر ، أطهر وأنظف وأكمل ، يتخلون عن هذه الحياة البائسة ، التى تلوثت طويلا فى مستنقعات التخلف والجهل والخرافة .

يبدو لى ان فكرة (( اعادة النظر )) فى منزلة الشابى بين شعراء العرب المعاصرين ، قد سيطرت على الدكتور هدارة ، سيطرة لم تؤد به الى التسرع فى اصدار الاحكام ، والمبالغة فى استنتاج أوجه التأثر والتأثير بين الشابى وشعراء المهجر ، وانما الى التناقض كذلك ، فالشابى عنده متأثر بشعراء المهجر (( ولكنه بقي مع ذلك منفردا بأسلوب خاص به ، فيه اشراق وجمال ورهافة حس ، ولا شك ان دراسة الشابى القديمة ، قد تركت أثرا طيبا فى أسلوب شعره ، لا نجده عند شعراء المهجر ، الذين انقطعت الاواصر بينهم وبين دراسة العربية فى مواطنها الاصلية )) هذا الرأى الواضح فى أسلوب شعر الشابى ، سريعا ما يتهاوى متناقضا ، مع رأى آخر جديد ، يثبته الدكتور دون أى حرج ، مؤكدا : ان الشابى يكرر نفسه فى قصائده ، وانه ضحل

الافكار ، محدود الموضوعات التى يمكن أن تكون مادة حية للشعر ، اما اخيلته فى غير ناضحة ولا مكتملة ، اما اسلوب الشابى من الناحية الفنية ، فهو متصنع فى أكثر مواطنه ، كثير الزخارف والتهاويل والطلاء ، واذا قسنا شعره بمقاييس الالفاظ والتراكيب القاعدية ، وجدناه لا يخلو من هزال وهلهلة )) .

كيف نوفق بين رأى يثبت ان هذا الاسلوب الشعرى جميل ومشرق ومرهف الحس ، وبين رأى آخر لنفس الكاتب ، ينفي فيه نفيا باتا كل خصائص الفن والابداع ، وما يمكن أن يكون للاسلوب الشعرى من خيال وفكرة وموضوع ؟ فلنترك هذا التناقض البين ، كما تركنا اشياء أخرى ، ولنتأمل معا هذه الاحكام الصارمة التى نفت عن الشابى كل معانى الجودة الشعرية ، فضلا عن الابداع والروعة والتحليق ، ملفتين النظر ابتداء ، الى ان شعر الشابى الذى يطالعه القارئ فى (( أغانى الحياة )) بعد الطبعة الاولى الصادرة بتونس سنة 1955 ، باشراف شقيقه الاستاذ محمد الامين الشابى ، وهو مثقف ومدرس للادب معروف ، وقد طبع مرارا فى تونس وبيروت ، حفل باضافات شعرية ، قصائد ومقطوعات ، لم تكن فى حسبان الشاعر ، حينما أعد ديوانه للنشر قبل وفاته بقليل ( كان يعتزم نشره بالقاهرة حسب رغبة الدكتور زكي أبو شادي )  بل انه كان يتحدث الى اصدقائه ، بانه استبعد بعض قصائده لانها لا تمثله ، أو لم تصل الى المستوى الذى يراه متحققا فى أغلب قصائده الاخرى ، ومع ذلك فان ناشرى الديوان ، بعد ان أصبح الشاعر تراثا وطنيا عاما ، حرصوا حرصا شديدا على جمع اشعاره المتفرقة ، التى أهملها صاحبها عمدا ، أو وقعت بطريقة ما ، عند هذا أو ذاك من الاصحاب وغير الاصحاب ، وأضافوها الى الديوان فى طبعاته الجديدة ، حرصا منهم ولا شك ، على تقديم واف للشابى ،وتعريف بحركته الشعرية منذ بداياتها الاولى ، الى ان اكتملت فى آخر قصيدة نطق بها ، والحق ان هذه الاضافات الشعرية للديوان لا مبرر لها ، لانها من ناحية لا تحترم رغبة الشاعر ، اذ يقول عنها فى احدى رسائله : (( وان قسما كبيرا مما نشر لى لا أريد نشره ، لاننى أراه لا أهمية له ، إما فى روحه أو فى أسلوبه ، ولاننى أرى فيه سذاجة كسذاجة الاطفال ، ابتسم لها الآن ، واعجب لنفسى كيف سولت لى نشره فى حينه ، ولكن هى الايام )) ( 12 ) ولانها من ناحية أخرى ، بعد أن أضيفت الى الديوان أصبحت وثيقة شعرية ، تخضع للتحليل والنقد ، باعتبارها أثرا من أثار الشاعر ، كما تخضع باقى القصائد الاخرى ، ولا نعدم والحالة هذه ، ان نجد

من يقول ، ان الشابى كان متفاوت الشعر ، جودة ورداءة ، ان الدكتور هدارة لم يذكر قصيدا بالاسم ، ولو ذكر هذه القصائد المضافة ، وهى أكثر من عشر ، لكان لكلامه ولاحكامه معنى آخر ، ولكنه أجمل وعمم ، وهذا هو بيت القصيد كما يقولون ، ولعل عيب الدكتور الذى ظل يتكرر معه طوال حديثه عن الشابى ، هو قفزه فوق النصوص ، وعدم احترامه لمنهجية البحث ، التى ينبغى ان تبتدئ من النص وتنتهى اليه ، فالقول بأن الشابى يكرر نفسه ، وانه ضحل الافكار ، ومحدود الموضوعات .. الخ أشياء تحتاج فى اثباتها الى إحصاء وتدقيق إحصاء للافكار الاساسية التى أدار عليها شعره ، وإحصاء للقصائد التى عبرت عنها ، ومن ثمة إحصاء للقصائد الاخرى التى أتت مستهلكة مكررة ، وتدقيق لهذه الضحالة التى رآها فى شعره ، ما مصدرها ؟ هل مرجعها الى طبيعة الافكار نفسها ، أم أن ذلك متصل بطريقة الصياغة والتعبير ؟ وما دام الدكتور لم يوف بما هو مطالب به نقديا ومنهجيا ، فنحن ما زلنا - وهذا هو رأى أغلب النقاد والدارسين - عند رأينا فى شعر الشابى ، وهو انه شعر متميز فى تجربته النفسية والفنية ، يعكس احوالا نفسية وفكرية صادقة ، استمد حرارتها من واقع الحياة والمجتمع ، وان تماسك قصائده ، واندغام صوره فى حركة خيالية متسقة ، ضمن نسيج فكرى وشعورى يعبر عن موقف معين ، ليشهد له بعفوية الصدور وتلقائية الابداع ، وان فى نظمه لقصائده احوالا تروى ، بين أفراد عائلته والاصدقاء ، فقد روى الاستاذ زين العابدين السنوسى فى كتابه (( أبو القاسم الشابى - حياته وشعره - ))  وأول من نشر اشعار الشابى فى مختاراته (( الادب التونسى فى القرن الرابع عشر )) نقلا عن شقيق الشاعر ، ان عائلة الشاعر تجمعت واجفة حول سرير الشابى ، وهو (( يعتلج فى ضائقة صدرية من ذات القلب ، نوبة دامت ساعتين ، يقلب فيهما وجهه ، ولا ينبس الا بقطرات من العرق ، تتلألأ على وجهه بالجهد الذى تبذله الحياة لتحقيق وجودها ، ثم هجعت النوبة ، وبدأ يسوي من ثيابه ورقبة قميصه ، ثم تكلم منشرحا ، انشراح من حط وزره ، ونزع الحمل الجهيد ، وبادر فورا يطلب قلما وورقا ، وأخذ يكتب قصيدة (( إلى الله )) ( 13 ) .

ان شاعرا يصدر فى شعره هذا الصدور التلقائى ، الذى هو اشبه بالالهام العلوي ، أو الحدس الذى ينقدح فى النفس انقداحا ، لهو أبعد الشعراء عن

الصناعة والتكلف ، أو انه كثير الزخارف والتهاويل والطلاء ، كما يقول الدكتور هدارة ، والنظر فى اشعاره من وجه آخر ، يعطى بداهه انطباع ،ا اننا بازاء شاعر منطلق الى صوره المجنحة ، والى مشاعره المتدفقة ، والى رؤاه العميقة الواضحة ، لا يصده اى حاجز من حواجز البحث عن قافية معينه ، أو كلمة تبهر بغرابتها ، أو تحسين لفظى يشير الى ثقافة خاصة ، أو حكمة متغلفة يحسن الوقوف عندها ، كما يفعل الكثير من شعراء التقليد قديما وحديثا ، ولا أدري وأنا أنهي هذا الحديث ، كيف يقتنع الدكتور هداوة بما أقول ، وقال غيري مرارا ، هل أطلب اليه أن يقرأ (( أغانى الحياة )) مرة أخرى ، وان ينسى أفكاره المسبقة مؤقتا ؟ ولكنى مع ذلك ، اقتطف له من قصيدة (( يا ابن أمى )) مقطعا صغيرا ، فقد يكون دالا على الفكرة التى أريد الاشارة اليها :

كذا صاغك الله يا ابن الوجود        والقتك فى الكون هذي الحياه

فمالك ترضى بذل القيود             وتحني لمن كعبلوك الجباه ؟

وتسكت فى النفس صوت الحياة   القوي اذا ما تغنى صداه

وتطبق اجفانك النيرات عن         الفجر والفجر عذب ضياه

وتقنع بالعيش بين الكهوف         فأين النشيد وأين الاياه ؟

اتخشى نشيد السماء الجميل     أترهب نور الفضا فى ضحاه ؟

الا انهض وسر فى سبيل الحياة   فمن نام لم تنتظره الحياة ( 14 )

ولا أدري كيف تكون أفكار الشابى ضحلة ، أو أن موضوعاته الشعرية محدودة ، وقد تغنى بالحرية ، للفرد والجماعة ، وتفنن فى التعبير عن قيم الخير والحب والجمال ، وتحدث طويلا عن المصير الانسانى ، والاشواق التائهة التى تتلاعب به ، وسط أشواك الاستعباد والشر والخديعة ، وتعمق معانى الحب وسمو التعاطف بين بني الانسان ، ونهض كما لم ينهض غيره من الشعراء ، برفض كل ألوان العبودية والاستلاب ، ظاهرة أو مقنعة ، داعيا شعبه التونسى ، الى فهم معنى الوجود الذى ألقى به فى هذه الدنيا ، وسر الحياة وارادتها الدافعة ، للانشاء للخلق للتجاوز ، وصولا الى وطن المستقبل المنشود .

ان الحديث عن الشابى طويل ولذيذ فى آن ، واذا كان الدكتور هدارة قد تطرف فى أحكامه على الشابى ، فانها لفرصة أتيحت لى ، لابراز جوانب من حياة وشعر شاعر نابغ ، يحتل منزلة رفيعة فى الشعر العربى المعاصر .

اشترك في نشرتنا البريدية