الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

حول علم الاثار والتاريخ

Share

من مظاهر النهضة الشاملة ( * ) التى تعيشها بلادنا منذ أن بزغت شمس الحرية فى سمائها اهتمام التونسى بتاريخه العريق وتعلمون أن جذوره تنغمس فى أعمق أعماق الماضى . كان يذهب فى اعتقاد بعضهم أن تاريخنا يبدأ بدخول العرب افريقية فى القرن السابع عندما زحفت الجيوش العربية واذاقت جرجير البزنطى شر الهزيمة قرب مدينة سبيطلة وكانت تدعي اذاك "Suffetula" . على أن تاريخنا فى الحقيقة يتعدى تلك الحدود اذ لنا شهادات ووثائق عن الذين شاركوا فى سبك حضارتنا منذ ما قبل التاريخ

انه من العسير على المؤرخ أن يتحدث ويسهب فى الحديث حول الحضارة التى نشأت تحت سماء تونس المقدسة سيما ان لم يكن له من الوقت الا ساعة أو بعض الساعة .

قلت حضارة نشأت تحت سماء تونس ولعله من الاجدر أن نقول : الحضارة التى سبكها اهل هاته الارض . أولائك الذين انشأتهم ارض تونس وعدتهم بروحها وقواها الازلية . سبكوها بايديهم وعواطفهم وعقولهم سبكوها وما انفكوا يعملون فى سبكها منذ أن كان الانسان انسانا في هاته الديار .

الحضارة لقاء الانسان بالطبيعة :

تعلمون أن الحضارة لقاء . لقاء الانسان بالطبيعة او قل بالوسط الذى يعيش فيه . وباللقاء تكون المعركة ويكون اللقاح . وتنتهي المعركة دائما بتفوق الانسان على الطبيعة . ينتصر الانسان على الطبيعة ويتسلط عليها فتخضع لمشيئته . الامر الذى يساعده على فك أسرارها والوقوف على قوانينها ونواميسها . وبذلك تغدو الطبيعة لدى الانسان أداة يستخدمها لبلوغ اليناعة المادية والادبية أوقل الروحية

ولعل البناعة هى الهدف المقدس الذي يتوق اليه الانسان فوق البسيطة

وتكون اليناعة عندما يدرك المرء مستوى يجعله قادرا على معرفة ما يكنه من مواهب وقدرة على الخلق . وبعد الوقوف عليها تراه يعمل على تغديتها وصقلها حتى تعطى أكلها ويكون ذلك بالخلق فى احد ميادين الحضارة

فكلما وجد الانسان فى محيط ما تراه يؤثر فيه ويتأثر به . ومن ذلك اللقاء ومن تلك العلاقة الجدلية تكون الشرارة فتنشأ الحضارة . لاشك ان لنتيجة لقاء الانسان بالطبيعة مستويات . وتختلف مستويات الحضارة فعلا باختلاف المكان والزمان . يلتقى الانسان بالطبيعة فتتولد عن ذلك اللقاء ادوات سبكت من صوان ويلتقى الانسان بالطبيعة فتنطلق الاقمار الصناعية تجوب الفضاء قصد  فك اسراره والتسلط عليه وعلى كوكبه

انسان ما قبل التاريخ :  

علم كل فبوجود الإنسان تنشأ الحضارة ووجود بقايا حضارية فى رقعة من رقاع الارض وان كانت على غاية من البساطة كافية لان تنبئ عن وجود الانسان فى تلك الرقعة واستقراره بها زمنا يمكن للمؤرخ ضبطه باستنطاق البقايا المشار اليها . فبقايا الحضارة وان كانت نهاية فى البساطة كما أسلفنا تثبت وجود الانسان . أى ذلك الحى الذى تمكن من وعى ذاته حتى تفوق على غيره من الاحياء وتبوأ عرش الكون . لقد أثبت البحث العلمى ان الانسان لم يكن انسانا الا بعد مروره بمراحل شتى تنغمس جذورها فى ظلمات ماضى الكون . لا أريد أن ادخل بكم هاته الادغال سيما ولست اختصاصيا فى ميدان ما قبل التاريخ على أنهم ( أعنى أهل الذكر فى هذا الحقل من العلوم الانسانية ) يثبتون أن الانسان كان فى مرحلته الاولى كغيره فى الحيوانات مندمجا في الطبيعة كجزء منها لا يتجزأ يعيش فى كنفها ويستمد منها أسباب الحياة مع أنه لا وعى له بكيانها كما انه لا وعى له بكيانه . كان فى الطبيعة بل قل من الطبيعة اذ كان غير قادر على ان ينفصل عنها . كان يرى ويخاف لكنه لا يشعر بما قد يقوم به من اعمال ولا يشعر بالعواطف التى قد تخالجه . لكن أحاطت به ظروف لما يقف العلماء على كنهها بدقة وتفصيل جعلته يتطور فى خلقه وذهنه ان صح هذا التعبير حتى انفصل عن الطبيعة بل وأصبح قادرا على الانفصال عن ذاته . اما التطور الخلقى فنلمسه فيما اكتشفه علماء الانتروبولوجيا( Anthropologie) من بقايا السلالات البشرية من الثابت أن الانسان آخر الحيوانات خلقا . فأقدم بقاياه تشير الى انه لم لكن له وجود قبل العهد الرابع من تاريخ كوكبنا . كما وضعه الجيولوجيون أى أهل الذكر في علم طبقات الارض وتواريخها .

ومن اقدم الوثائق التى تحدثنا عن بروز جنس بنى الانسان على سطح الارض تجدر الاشارة إلى جمجمة عثروا عليها قرب مدينة بكين ومن هاته

الوثائق أيضا شدق وجدوه قرب مدينة Heidelberg الالمانية . وتتميز السلالة البشرية التى أشرنا الى بقاياها منذ حين بضيق الفضاء الذى يتحرك فيه اللسان حتى قيل ان انسان هاته السلالة كان ينطق بصعوبة ولعله كان لم يتلفظ الا باصوات حلقية دور اللسان فيها ضئيل

ومن فروع الشجرة البشرية ينبغى ان نذكر سلالة " اNeandertho > سميت كذلك لان بقاياها وجدت لاول مرة فى مغارة احد روافد نهر الراين (  le Rhin ) بهذه السلالة البشرية جمجمة غريبة . غاية فى ضيق  الجبهة - ولها محجران مستديران بينهما فاصل كبير واستدارة المحجر عند انسان ( اNanderthho ) ضعف ما نشاهده عن الانسان حاليا . ولا انف عريض يشبه أنف الزنوج وله فك أسفلى ضخم لكن الذقن فيه بارز جلى . وله أسنان ضخمة لكنها آدمية . اما طول قامة انسان اNandertho فهو لا يتجاوز المتر ونصف المتر

لقد برزت هاته السلالات فى ظروف مناخية ليس لبنيتنا قدرة على مجابهتها . وانقرضت تلك السلالات لاسباب قد يعسر الوقوف عليها . اما الاجناس البشرية الحالية فهى تعود الى سلالة Cro - mognon سميت كذلك لان أقدم بقاياها عثر عليها بمنطقة Cro - mognon الكائنة على ضفة نهر Lo Dordone بجنوب غربى فرنسا

تطور الانسان :

ان هاته السلالات المختلفة تثبت نظرية من يؤمن بتطور البشرية من حيث الخلقة . والظاهر أن التطور الخلقى كان يواكبه تطور فى العقلية . فسلالة  Cro - magnon هى نتيجة تطور بطئ استكمل الانسان معه انسانيته  حتى أصبح على ما تراه اليوم من جمال فى الخلقة وقدرة على الخلق حتى غدا الكون لعبة فى يديه .

لاشك أنكم تلمسون خطر هاته النظريات المتينة ورأيتم أن الواقع عماد لها . قلت خطيرة لا لشر فيها يهددنا بل لأنها تفرض علينا النظر من جديد فى جملة من المعتقدات . وقد تدعونا الى تجاوز الحروف والنفاد الى المعانى قصد بلوغ الحقيقة . كلنا نعلم ما أوردته الكتب السماوية فى خلق الانسان كالتوراة والاناجيل والقرآن " خلق الانسان من صلصال كالفخار " ويبدو فمن لا يتجاوز الحروف أن الانسان كان انسانا كامل الانسانية منذ بدايا خلقه أى منذ ظهوره على وجه البسيطة وهي نظرية لا تتماشى وما وصل اليه  البحث العلمى كما أسلفنا . هنا نلمس تناقضا . لكنه فى رأينا تناقض ظاهرى ليس الا مما يفرض علينا تجاوز الحروف اذا أردنا فهم الرسالة التى احتضنتها الكتب السماوية . وفي ذلك تبرز الروابط الوثيقة المتينة التى تصل بين مختلف العلوم . فلا يمكن لمفسر القرآن أن يجهل ما وصل اليه

زميله فى التاريخ والاثار وما بلغه العلم فى الطبيعيات وفقه اللغة الى غير ذلك من مشاغل الفكر الانسانى

أمن الغريب أن نجد فى الواح سومر وبابل نص أسطورة تقص علينا خلق الانسان . تقول الاسطورة أن الاله مردوق لما تبوأ عرش الكون أخذ طينا وسواه فكان صورة الانسان ثم نفخ فيها من روحه فأصبح كائنا حيا هو الانسان ؟ وتثبت أبحاث لغوية أن آدم سمى آدم لأنه خلق من تراب مع العلم أن عنصر " آدم " يحتوى على معنى التراب ونلمس ذلك فى لفظة " أديم الارض"

مائة وخمسون الف سنة على وجود الانسان على أرضنا :

على كل فالحضارة انسانية شكلا وجوهرا وفيما يخص تونس فان لدينا من الوثائق الاثرية ما يثبت وجود الانسان على أرضنا منذ ما يفوق مائة ألف سنة قبل ميلاد عيسى . ترون اذن كيف تنغمس جذور حضارة هاته البلاد في أعمق أعماق الماضى حيث كان المناخ غير هذا المناخ وكانت التضاريس غير التى نشاهدها اليوم

فأقدم ما لدينا عن الحضارة التونسية كشف الغطاء عنه فى منطقة سيدى زين قرب مدينة الكاف وتناوله علماء ما قبل التاريخ بالدرس وأثبتوا طبقا لمسابير علمية أن بقايا تلك الحضارة تنغمس فى أعماق الماضى بما يقرب من خمسين ومائة ألف سنة .

كان المناخ اذ ذاك قريبا من المناخ الذي نجده اليوم فى المناطق الافريقية الاستوائية كمنطقة التشاد ( Le Tchod ) وزمباز (Zambeze ) كانت أرض بلادنا وقتئذ اهلة بحيوانات يلائمها مناخ تغلب عليه الحرارة والرطوبة منها فرس الماء ( Rhinoceros ) والفيل الاطلسى . والى جانب خشونة فرس الماء والفيل الاطلسى كان انسان هاته الارض ينعم بجمال الغزالة ورشاقتها وان لم يدرك مستوى يساعده على الاعراب عما كان يخالجه من تخمينات وعواطف . لكنه أبقى لنا ما يثبت حبه للسيطرة على الطبيعة حيث أخذ الحجارة أى جزءا من الطبيعة نفسها وسلط عليها عبقريته حتى كيفها واستخرج منها أداة تساعده وتمده بقوة تجعله يسود وبسط سلطانه

كان الانسان فى ذلك المستوى من انسانيته منهمكا فى معركة الوجود مندمجا فى الطبيعة مرتبطا بها أمتن ما يكون الارتباط أى كان لا يستطيع الانفصال عنها كما لا يستطيع الجنين الانفصال عن أحشاء أمه قبل الابان كان الانسان اذن فى ذلك المستوى جزءا لا يتجزأ من الطبيعة فهو منها لا يراها ولا يشعر بها كما لا يرى نفسه ولا يشعر بكيانه . انه وإن عمل جاهدا قصد التغلب على تيار الفناء فهو لا يشعر بكيانه ولا تدرك الحركات التى يقوم بها يوميا فى سبيل البقاء مستوى الادراك لديه . فهى حركات فطرية يقوم بها كما تقوم النحلة بعملها اليومى عندما تخرج من بيتها وتذهب الى البساتين لامتصاص رحيق الزهور . قد يكون فيما قلته بعض الشطط

لكنه من المرجح أن الانسان لم يدرك ذاته الا بعد مروره بمراحل مكنته من استكمال انسانيته . وتطورت القبائل البشرية التى آوتها أرض بلادنا مارة بمختلف العصور الحجرية . سميت حجرية نسبة للمادة التى كان الانسان يستخدمها لصنع أدواته وأسلحته فكانت حضارات العصور الحجرية

أهمية علم الآثار :

فكيف نتمكن من معرفة هاته الحضارة والحال أنها تتميز بعدم وجود الوثائق المخطوطة ؟ هنا يأتى دور علماء الآثار . اذ مهمتهم تتضمن البحث عن مخلفات الانسان من بنايات وأدوات وقبور الى غير ذلك مما تبقيه البشر اذا استقرت أو مرت بمكان ما فى زمن ما .

تكون البنايات قصورا شامخة وتكون منازل بسيطة ويهتم الاثرى بتحف القصور والمعابد كما يهتم كامل الاهتمام بأبسط الادوات المنزلية

ولكن قبل الحديث عن الهدف الذى يسعى اليه الاثرى من وراء اهتمامه بما خلفته بشرية الماضى . أريد أن أقول كلمة عن كيفية العثور على هاته البقايا الاثرية . لاشك أن الصدف تلعب دورا عظيما فى ميدان الاكتشافات الاثرية وتلقب اذ ذاك بالاكتشافات العرضية " decouvertes fortuites" يذهب الفلاح صباحا الى حقله ويشرع فى العمل فاذا بسكة محراثه تلج هوة أو تزيح الغطاء عن حجرة . وبعد الكشف عن الهوة يظهر أن سكة المحراث انغمست فى قبر عتيق يحتوى على تحف أثرية . وبعد التأمل فى الحجرة يتبين ان عليها كتابة خطت بحروف لاتينية أو فنيقية . مما يسترعى أنظار الاثريين فيقبلون على حقل الفلاح وينجزون الحفريات تنقيبا على بقايا الحضارة التى ينتمى اليها القبر او تنتمى اليها الحجرة

قيمة الاكتشافات العرضية فى تونس .

( أ - توفات سلامبو

( ب - مدينة كركوان

والى جانب الاكتشافات العرضية تجدر الاشارة الى التنقيب العلمى المنظم حيث يخرج الاثريون ليرتادوا منطقة من مناطق البلاد تنقيبا عن انقاض الحضارات القديمة - ويستنير التنقيب العلمى المنظم بكتب القدماء كالرحلات  مثلا . لقد ساعدت كتب بوزانياس Pausanias الاثريين وأنارت طريقهم فى البحث عن معالم الحضارة اليونانية العتيقة . و Pausanias هو مؤرخ يونانى عاش فى القرن الثانى بعد المسيح . وصنف كتابا فى وصف المعالم اليونانية ولاشك أن كتب الجغرافيين والمؤرخين العرب والرحلات مثل رحلة التجانى مثلا تساعدنا على وجود بقايا المعالم الاسلامية التى امحت .

وفي ميدان التنقب ايضا اصبح الاثريون يستغلون بعض امكانيات العلم الحديث كالصور الجوية . تؤخذ الصورة الجوية من أعلى الطائرة وتلتقط الآلة المصورة كل خاصيات المكان المصور . فتشاهد على الصورة ما لا تشاهده مباشرة وان كنت على عين المكان . فالارض البكر مثلا يختلف لونها من الارض التى حالت فيها يد الانسان فتستطيع مثلا أن تشاهد سور المدينة قبل الحفرية وازاحة التراب عنه

وبعد اكتشاف البقايا الاثرية وكشف الغطاء عنها أثناء الحفرية تأتى مرحلة تنظيف تلك البقايا وترتيبها ترتيبا محكما وتصويرها ثم تنقل الى المستودع أو الى المخبر حسب الظروف وبعد ذلك ينكب الاثرى على تلك الاطلال فحصا ودرسا واصفا اباها وصفا دقيقا موضوعيا . حيث يذكر كل ما يسقط تحت الحواس معيرا اهتمامه لكل جزئياتها صغيرة كانت او كبيرة غير مبال بقيمتها عند الوصف والفحص

ويعقب هذا العمل الدقيق مرحلة الاستنطاق حيث يسعى الاثرى فى استنطاق الاشياء من بنايات وأدوات وأسلحة وقرابين وغيرها . يستنطقها لتحدثه عن البشرية التى تنتمى اليها . وعن الايدى التى سبكتها فهى اذا تساعدنا على التاريخ - تساعدنا على معرفة الشعوب التى سبقتنا وشاركت فى سبك الحضارة البشرية . بصفة عامة . فالبناية التى يزاح عنها التراب والجوهرة التى توجد فى قبر عتيق والتحف التى تقذف بها مياه البحر من حين الى حين تلفت اهتمام الاثرى لا بصفتها تحفا جميلة تتباهى بها المتاحف بل ينكب عليها درسا وفحصا واستنطاقا حسب مقتضيات علم الآثار لأنها وثائق تاريخية تساعدنا على معرفة الماضى واحيائه

ما يكشفه علم الآثار من حضارتنا :

فعن طريق الآثار نتمكن من ولوج أدغال العصور السحيقة تلك التى لا نملك فى شأنها روايات مخطوطة أى من قبل أن يكون للبشرية مؤرخون يدونون احداثها . فعن طريق الآثار نلج عالم الذين سبقونا على أديم هاته الارض المقدسة فيستطيع الاثرى تتبع وتعقب الخطوات التى خطتها الحضارة تحت سماء بلادنا عبر ماض سحيق يقدر باكثر من مائة ألف سنة قبل المسيح . ولقد خطت حضارتنا منذ تلك العصور الغابرة خطوات عملاقية تبدو لك جلية اذا نظرت بامعان فيما أبقته لنا قبائل بشرية قرب مدينة قفصة وقد استوطنت المنطقة منذ الالف الثامنة قبل ميلاد عيسى وقد اشتهر هؤلاء بأكل الحلازون " les Mangeurs d' Escorgots > حيث توجد بالقرب من المدينة أكوام من الاصداف ألقوا بها بعد أكل لحومها .

لقد ذكرنا على ضوء البقايا الاثرية أن الانسان فى مرحلته الاولى لم يدرك مستوى يمكنه من الاعراب عما يخاله من تخمينات وعواطف أوقد لم يترك لنا ما قد يثبت قدرته على ابراز مشاعره وعواطفه . بل ليس لنا ما يثبت انه كان واعيا بأثر الطبيعة فيه على أنه كان قادرا على صنع أدوات يستخدمها للسيطرة على الطبيعة نفسها

أما بالنسبة لاكلة الحلازين فاثارهم تثبت أنهم حذقوا سبك أدواتهم الحجرية وكانوا يعطونها أشكالا هندسية أنيقة تشير الى دخول تلك البشرية البدائية عالم الجمال وتعلمون أن الانسان لم يلج هذا العالم البديع أوقل لم يعبر ماديا - اى بواسطة ما تضعه الطبيعة بين يده من مختلف ألوان المادة - عن شعوره بروعة الجمال وانتشائه به الا بعد مروره بمراحل عديدة جعلته يتجاوز الابعاد المادية للوجود أو بعض تلك الابعاد .

على كل فالمرحلة القفصية للحضارة التونسية تثبت ان القفصى كان يحسن وقتئذ النحت والنقش والرسم . وصلتنا منه تماثيل ورسوم منقوشة على الحجارة وكانت المرأة عندهم تتأنق في اختيار وسائل التجميل فكانت لها عقود أخرازها من حجارة أو عظم كما كانت تستعمل بعض الاصداف اخرازا . ويبدو أن تلك التماثيل والرسوم المنقوشة والاخراز هى لغة تساعدنا على فهم ذلك الانسان الذى لا يحدثنا عن نفسه الا بأعماله . فتماثيله ونقوشه تعرب عن شعوره الدينى اى عما يختلف فيه عن المادة رغم علاقته المتينة بها . وتواصل عمل أهل هاته البلاد فى اكتساح الطبيعيه يسجلون الانتصار تلو الانتصار حتى أدركوا عصر الحجر المصقول (La pierre polie ) وخرجوا من الاقتصاد التخريبى ( L' economic destructive ) حيث كان الانسان يكتفى باستقلال خيرات الطبيعة دون سعى فى تنمية تلك الخيرات يعيش بما يفتكه من لدن الطبيعة من ثمار يقطفها وحيوانات يقتنصها دون تفكير فى الانتاج بل كان عقله خاليا من معنى الانتاجية . ويتميز عصر الحجر المصقول بثورة اقتصادية كبرى اذ غدا الانسان ينتج ويراقب الطبيعة ويسهر على تحسين مصادر الانتاج وتنميتها سواء كان ذلك بواسطة الفلاحة أو بترويض الحيوانات وبتربيتها .

كل هاته الاخبار المتعلقة بعصور ما قبل التاريخ وصلتنا عن طريق الآثار حيث يفك الاثرى أسرار الحجارة المنحوتة والصور المنقوشة أو المرسومة على جوانب المغارات والقبور

علاقة علم الآثار بالتاريخ متينة :

ولعلم الآثار دور عظيم فى معرفة الحضارات التاريخية اى التى عرفت الكتابة ولنا عنها روايات مخطوطة . نتبين ذلك بالنسبة للتاريخ القديم

وكذلك بالنسبة لتاريخ القرون الوسطى . وان حدثنا المؤرخون طويلا عن هاته الحضارات فلنضرب لكم مثلا فى هذا الشأن : إذا أردنا معرفة حضارة قرطاج وتاريخها لاشك أننا نعود الى كتب القدماء وقد حدثنا اليونان والرومان عنها طويلا

لكن المؤرخ لا ينسى عداوة اليونان والرومان تجاه قرطاج الامر الذي يدعوه للحذر والاحتراز حتى تراه يفتش عما قد يساعده على مراقبة أقوالهم يريد الاستماع لصوت قرطاج فلا يجد الكتب البونيقية التى كانت تتحلى بها دار الكتب بالعاصمة الافريقية وقد أشار اليها اليونان والرومان غير ما مرة يذكر المؤرخ الرومانى ابلين Pline ' oncien الاكبر ان شبيون أهدى الكتب البونيقية الى الامراء الافارقة ومن المرحج انه يشير الى أبناء مسنيسا وأحفاده . على أن تلك الكتب اندثرت ولم يصلنا منها الا بعض الاشارات العاجلة فى كتب القدماء من يونان ورومان . ومما وصلنا من كتب البونيقيين فقرات اقتبسوها من رسالة كتبها ماغون فى علم الفلاحة . باندثار كتب قرطاج كيف يمكن لنا مراقبة أقوال اليونان والرومان وكيف يمكن لنا ان نقف على ما لم يتحدث عنه اليونان والرومان ؟ والملاحظ أن المصادر اليونانية الرومانية لم تتحدث عن قرطاج الا عرضا . أرادوا الحديث عن تاريخهم وحضارتها  فكان عليهم أن يتعرضوا لقرطاج نظرا لاحتكاك حضارتى اليونان والرومان بالحضارة البونيقية . وقد أشار القدماء خاصة الى الحروب التى شبت بين قرطاج والمدن اليونانية من القرن السادس الى القرن الثالث قبل المسيح حيث دخلت روما الميدان وغدت تريد تبوؤ عرش البحر الابيض المتوسط .

فعند البحث والدرس نلاحظ أن كتب اليونان والرومان لا تكفي مؤونة لمن أراد معرفة الحضارة البونيقية . على الباحث اذن ان يتوجه الى ما أبقته قرطاج من بقايا حضارية يستنطقها فتحدثه عن قرطاج وحضارتها على مختلف مظاهرها كالاقتصاد والديانة واللغة وغيرها .

فعلاقة علم الآثار بالتاريخ متينة . ترتدى البقايا الاثرية وان كانت غاية فى البساطة كالكسرات الخزفية مثلا قيمة تاريخية عظيمة . فهي تقوم مقام المصادر الادبية فى حالة عدم وجودها وتمدنا بما لا تحتويه المصادر الادبية كما تساعدنا على مراقبة تلك المصادر الادبية . تعزرها أو تفندها حسب الظروف وتكون المعطيات الاثرية غالبا اكثر قوة وأثقل وزنا من المصادر الادبية وأقرب منها الى الحقيقة التاريخية اذ ليس فى امكان المصادر الاثرية تزييف الواقع التاريخى . فهى لا تستطيع الكذب والبهتان بل تحدثنا بكل صدق وصراحة جل انها لا تبدى كل أسرارها الا اذا وجدت من يعرف القاء الاسئلة عليها ومن بفهم لغتها وذلك هدف التكوين الذي ينبغى ان يتلقاه طالب علم الآثار

آثار المهدية البونيقية :

قلت ان المصادر الاثريه تتم وتراقب ما تحتويه كتب القدامى . فمن الجدير فى هذا الشأن أن نأخذ مسألة تأسيس المهدية

قال أبو اسحاق ابراهيم بن القاسم الرقيق فى كتابه : " خرج عبيد الله المهدى بنفسه فى سنة ثلاثمائة الى مدينة تونس فاجتاز على قرطاجنه وغيرها ومر على جميع السواحل يرتاد موضعا على ساحل البحر فيتخذ فيه مدينه تحصنه وتحصن بنيه من بعده . . فأقام يلتمس ذلك مدة فلم يجد موضعا أحسن ولا أحصن من موضع المهدية فبناها هناك وجعلها دار مملكته وأمر المهدى بحفر مرسى المدينة وكان حجرا صلدا فنقر نقرأ وجعله حصنا لمراكبه الحربية وأقام على هذا المرسى سلسلة من حديد يرفع أحد طرفيها عند دخول السفن ثم تعاد كما كانت تحصينا للمرسى من دخول مراكب الروم . . . "

فكثيرا ما تشير النصوص العربية الى العاصمة العبيدية وصفا لها ولموقعها البديع . من هاته النصوص رحلة التجانى ومن كتابه استقيت هذه الفقرة ومن الذين تحدثوا أيضا عن المهدية وموقعها الرفيع تجدر الاشارة إلى ابن خلدون تحدث عنها فى كتاب العبر

على أن هاته النصوص العربية لا تشير الى ماضى شبه الجزيرة  قبل حلول الفاطميين بها وقد يذهب فى اعتقاد البعض أن المهدية أسست في مكان قفر لم يلجه نور الحضارة الا بدخول عبيد الله الفاطمى عليه . نحن لا نعلم هل كانت الجزيرة أهلة لما حل بها ركب عبيد الله . لم تذكر النصوص شيئا من ذلك ولا أعرف احدا تناول هذا الموضوع بالبحث

على كل فالمعطيات الاثرية تجيب عن سؤال لم تجب عنه المصادر الادبية تثبت المعطيات الاثرية أن الجزيرة التى تحلت بالمعالم الفاطمية وتألق نجمها فى القرن العاشر ميلاديا لها تاريخ عريق تنغمس جذوره فى الماضى السحيق . ماض سبق الفتح العربى بما ينيف عن ألف سنة . وهذا قول لا سبيل للشك فيه حيث كشف الغطاء فى أرض شبه الجزيرة على قيو تعود الى دنيا قرطاج . توجد هاته القبور القرطاجنية فى بطن ربوة قائمة على مقربة من ضريح سيدى مسعود . وقد انجزت الحفريات في العقد الاخير من القرن التاسع عشر تحت مراقبة أحد هواة الآثار القديمة اذ ذاك و هو المسمى Hannezo وقد نشر دراسته في مجلة كانت تصدرها مدينة قسنطينة بالقطر الجزائرى Recueil de Constantine العدد السادس والعشرين الصادر سنة 91-1890 يبدأ الكاتب مقاله

بوصف مكان المقبرة ثم يصف القبور وهى أنواع مختلفة منها ما يرتدى شكل الاحواض المنقورة في الارض ومنها ما يشبه البيوت وكانت بعض القبور تحتوى على ثوابيت خشبية بقيت آثار ضئيلة منها

ثم ينتقل صاحب المقال المشار اليه الى ذكر الاثاث القبرى كالجرار والاكواب والاباريق والقوارير والفوانيس وكانت توضع الفوانيس فى  كوة تنحت في احد جدران البيت القبرية حتى تنير القبر وتزيل عن ساكنه وطأة الظلام

لاشك أن للاثاث القبرى قيمة عظيمة فى عين المؤرخ لانه يساعده على فك أسرار دنيا الاموات فيتمكن المؤرخ بفضل الاثاث القبرى من الوقوف على المعتقدات البونيقية المتعلقة بالاموات ودنياهم . فوجود أثاث قبرى بجانب الميت بثبت ان البونيقيين كانوا يؤمنون بوجود حياة اخرى بعد الحياة الارضية . يرى بعض المؤرخين أن الميت حسب معتقدات القدماء يواصل حياة مادية في قبره الامر الذى جعلهم يضعون قرب الميت كل ما قد يحتاج اليه فى حياته اليومية من قوارير فيها مأكل ومشرب وادوات عمل وتمائم تقيه شر الشياطين الى غير ذلك

على أن المقبرة البونيقية التى كشف عنها الغطاء بشبه الجزيرة فضلا عما تكنه من تحف ووثائق أثرية تاريخية تفيدنا أن شبه الجزيرة أوت مدينه فنيقية بونيقية قبل أن تقع تحت بصر عبيد الله الفاطمى . ولكن كيف كانت تسمى تلك المدينة البونيقية العتيقة ؟ قيل Zella كما ورد في كتب استرابون " 3113,12 ) < Strobon ) وقد احتضن هاته النظرية أحد الذين درسوا المقبرة التى أشرت اليها منذ حين وهو المسمى Anzian تجدون مقاله فى مجلة المعهد الفرنسي بروما فى عددها الصادر سنة 1912 " Melanges de I' Ecole frangoise de Romo و يشير Anziani إلى أن اسم Zello قد بقيت آثاره فى اسم زويلة  Zanilo  المعروف اليوم فى هاته المنطقة . وقيل ان المدينة العتيقة التى آوتها الجزيرة تسمى Alipota حيث تذكر النصوص القديمة مدينة تحت هذا الاسم شمال رأس الديماس . واحتضنت هاته النظرية من طرف فى كتاب لهما اسمه < Chorles Tissoet S . Reinach  eographie Compoee de lo Province romoine d' afrique . تجدون النظرية التى لمحت اليها فى الجزء الثاني من هذا الكتاب صفحة 178

وهناك نظرية أخرى تقول انها كانت تسمى Gummi ومهما يكن من أمر ومهما اختلفت النظريات حول اسم المدينة التى سبقت المهدية على أرض شبه الجزيرة فالوثائق الاثرية لا تترك للشك مجالا فيما يتعلق بوجودها فقبل أن يحل بها الفاطميون عرفت شبه جزيرتنا مدينة فنيقية

بونيقية يبدو أنها لعبت دورا عظيما فى سبك الحضارة التى أينعت فى ديارنا قبل أن يأتيها الرومان . ويرى P . Cintos أن القائد الشهير حنبعل قد مر بها بعد وقعة Zama ويؤيد P . Cintos قوله بنص أورده المؤرخ Appien حول الحرب البونيقية الثانية .

ترون اذن القيمة التى تكتسيها الآثار فى نظر المؤرخ فهى تسد فراغ المصادر الادبية وتراقبها لتدعيمها أو تفنيدها . فبالنسبة لتاريخنا القديم ولتاريخنا فى القرون الوسطى لا يمكن للمؤرخ أن يترك المعطيات الاثرية جانبا . فالرجوع اليها أمر لابد منه اذ ليس فى امكان المصادر الادبية كما أسلفنا أن تجيب عن كل الاسئلة التى نلقيها عليها بل وعلينا أن نتوخى الحذر تجاه مصادر أدبية صنفت قرنين أو ثلاثة بعد الحوادث والظروف التى تقصها علينا .

لماذا التاريخ ؟

على كل فلآثار علاقة متينة بالتاريخ أى بدراسة الماضى واحيائه ولكن لماذا التاريخ ؛ لماذا تهتم الشعوب بدارسة تاريخها اهتماما كبيرا ؟ لقد كان القدماء يهتمون بتاريخهم ليتباهوا بماضيهم اعتقادا منهم أن دراسة التاريخ تمكن الاجيال الصاعدة من الاستفادة بما جربه الاجداد . ففى التاريخ حكم وفي الحكم فوائد شتى . يبدو أن حنبعل قد اهتم كبير الاهتمام بتاريخ بلاده وخاصة بتاريخها الحربى ويبدو أنه درس تاريخ اسكندر المقدونى واستنتج منه عبرا وفوائد مكنته من رسم خطط خطط حربية بفضلها وبفضل عبقريته الخلاقة كاد ان يهيمن على روما نفسها

فدراسة التاريخ فى نظر القدماء توقف النشء على ما صلح فيقتدى به وتوقفه على ما فسد فيبتعد عنه . وقال ابن خلدون فى هذا الصدد " اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية اذ هو يوقفنا على أحوال الماضيين من الامم فى أخلاقهم والانبياء فى سيرهم والملوك فى دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء فى ذلك لمن يرومه فى أحوال الدين والدنيا . "

هذا ولاشك أن التاريخ بالنسبة لنا عنصر من العناصر التى ترتكز عليها القومية وتستمد منها غذاءها .

أن القومية اطار يعسر على الانسان خارجه تكوين شخصيته وتركيزها ولئن كانت شخصية الفرد ضعيفة مذبذبة ليس لديها ما تستند اليه ولا يمكن لعبقرية الفرد أن تتفتح وتدرك أوج يناعتها . فالقومية للشخصية كالتربة للنبات واهتمامنا بتاريخنا ييسر لنا تركيز قوميتنا على أسس متينة لا

تتزعزع . ان رقعة الارض التى أنشأتنا ومدتنا بوسائل العيش قد تكون عنصرا من العناصر التى تبث فينا روح القومية وتدعمها غير أنها لا تكفينا مؤونة . فبالتاريخ ودراسته نشعر جميعا فى مستوى العقل والعاطفة بالروابط المتينة التى تصل بيننا روابط نسجتها الحوادث التى مرت بنا والاحوال التى انتابتنا خلال العصور الغابرة كالكوارث التى أصابتنا وأيام العزة التى عشنا . والشعور بتلك الروابط فى مستوى العقل والعاطفة يجعلنا نعتقد اعتقادا راسخا ان لا تناطح فى مصالحنا ويبدو جليا أن فى مصلحة الوطن مصلحة الفرد وأن مصلحة المجموعة تتماشى منسجمة مع مصلحة الفرد . ان دراسة التاريخ تعمل على بث روح الوطنية وتنميتها فى النفوس لان دراسة التاريخ تفضى بنا الى ذلك الشعور النبيل بانسجام أفراد الامة جميعهم . ولئن بلغ شعب مستوى هذا الشعور كتب له مستقبل زاهر وحقق له النصر فى شتى الميادين . ولئن نبت هذا الشعور ونما فى شعب من الشعوب خرج ذلك الشعب من الظلمات الى النور بالنسبة لعصرنا هذا نقول خرج منتصرا من معركته ضد التخلف

فالنسبة للشعوب المتخلفة دراسة التاريخ تساهم بقسط وافر كبير فى الحرب التى نشنها يوميا ضد التخلف عدو الشعوب والافراد . ان السبب الحقيقى للتخلف الاقتصادى والاجتماعى هو التخلف الفكرى والضعف والذبذبة النفسانية التى تبدو غالبا جلية على طريق ما نسميه بالمركبات او العقد النفسانية المختلفة الانواع . فالتاريخ يعزز روح القومية فينا والقومية المتينة تمكن الانسان من التفتح فتنمو فيه كل امكانياته ومواهبه وتأتى بأحسن النتائج له وللمجموعة .

كل هذا يحتم علينا الاهتمام بتاريخنا القومى حديثه وقديمه وينبغى أن نعيد النظر فيما صنفه الغربيون حول ماضينا وحضارتنا العتيقة . فكثيرا ما حاولوا التشويه بصفة شعورية اولا شعورية مما تسببت فيه ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية دخلت طور الانقراض . فمنهم من كان يؤمن بعجز أهل المغرب العربى الكبير على تكوين دول حرة مستقلة . ولئن أنكروا علينا حضارتنا وشوهوا ماضينا فذلك أكبر مصداق وأسطع دليل يشهد بفاعلية دراسة التاريخ فى تكوين القومية وتدعيمها ، كل ذلك يزيدنا حرصا على معرفة تاريخنا وتعريفه للشباب خاصة ويبدو لى أنه من الخطر أن نسلم لاجانب لا علاقة لهم بهذا الوطن تدريس التاريخ فى المعاهد والكليات . انه خطر وعار أن يأتي أجنبي ديار قوم ليعلمهم تاريخهم سيما اذا كان المعلم ينتمى الى قوم كانوا على المتعلمين أسيادا . للتاريخ علاقة متينة بروح الانسان ومصيره فينبغي أن يكون المعلم من عائلة المتعلمين حتى نكون واثقين بوعيه للمهمة التى انيطت بعهدته

اشترك في نشرتنا البريدية