الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

حول فن القصة في " كليلة ودمنة 1

Share

غرضنا فى هذا المقال أن نحاول البحث عن حظ " كليلة ودمنة " من القيمه الفنية وأن نتساءل هل أن ما فيه من قصص يستحق أن يعتبر قصصا بالمعنى الصحيح أم أنه ، على الرغم من قيمة مضمونه الفكرى ، مجرد حكايات بسيطة ليس فيها الا العناصر الاولية من بداية ووسط ونهاية ؟

ما من قارئ ذي أناة إلا وهو يشعر عند مطالعته لقصصيلة ودمنة رغبة حثة متزايدة فى معرفة مجرى الاحداث ومصير الاشخاص ويتجاوب مع كل من الأحداث والاشخاص تجاوبا حميما حتى لقد يبلغ به التأثر حد الانفعال أحيانا .

وليس ذلك راجعا البتة الى ما في الكتاب من حكم رصينة عميقة ومقاصد نبيلة سامية فحسب وإنما لما فيه أيضا من خصائص قصصية فنية لا ريب فيها . وهذه الخصائص من شأنها أن تربط القارئ ، كما يقول الكاتب القصاص الانكليزىWel في تعريفه للقصة القصيرة ، ربطا يثير فيه الشعور بالمتعة والرضا .

الذي يهمنا أولا ان نعرض لما فى " كليلة ودمنة " من مقومات القصة فنحدد نوعها وتسن ما بينها من علاقة وتفاعل . . كيف وزعها صاحب الكتاب وكيف استغلها للغرض الذي يهدف اليه وهو الافادة والامتاع .

وهذه المقومات هي البناء القصصي والحركة والشخصيات .

أ البناء القصصي

لو أمعنا النظر في قصص " كليلة ودمنة وأمثاله لوجدنا فى جل هذه القصص والامثال ، إن لم نقل فى جميعها ، الدعائم الاساسية لكل هيكل فصصى فنى من بداية ثم عقدة ثم صراع يأتي فى مرحلة أو فى مراحل ثم حل ثم نهاية .

فاذا ما عرضنا لباب الاسد والثور مثلا لمسنا فى وضوح مثل هذه الدعائم . أو المراحل

نجد أولا تمهيدا يفسر قدوم شتربة فى منطقة الاسد . ثم بداية موجزة فى سطرين

" و كان قريبا منه ) أى من الثور ( أجمة فيها أسد عظيم ، وهو ملك تلك الناحية ومعه سباع كثيرة وذئاب وبنات آوى وثعالب وفهود ونمور " ) 2 ( ثم تقديما لشخصية الاسد وهذا التقديم يمهد للعقدة أو " المأزق " ويبررها :

" وكان هذا الاسد منفردا برأيه دون أخذ برأى أحد من أصحابه " ) 3 (

ثم العقدة وهى تمهد لدخول دمنة فى مسرح الاحداث وتسوغه : " فلما سمع خوار الثور ولم يكن رأى ثورا قط ولا سمع خواره ، خامره منه هيبة وخشية ، وكره ان يشعر بذلك جنده . فكان مقيما مكانه لا يبرح ولا ينشط بل يؤتى برزقه كل يوم على يد جنده " ) 4 ( .

لقد أمسك الاسد عن التصرف لانه خاف من الصوت ، وهذا الضعف الناشئ عن تفكير ضيق محدود وانسياق مع الحس والعاطفة إنما هو نتيجة الاستبداد بالرأى

وهكذا تنطلق القصة من فرض أولى مفاده أن الاستبداد بالرأى يؤدى حتما إلى الضعف . . ضعف الرأى فى حين أن المشورة تزيد الرأى قوة ، وتفتح منافذ الفكر وتوسع آفاقه وتنمى امكانياته . فالانفراد بالرأى مآله العزلة ، الخذلان ثم العقم والافلاس ، ولن يبلغ الانسان مداه وغايته الا بفضل التعاون

ويلي العقدة تقديم كليلة ودمنة والتعريف بهما " وكان فيمن معه من السباع ابنا آوي يقال لاحدهما كليلة وللآخر دمنة وكانا ذوى دهاء وعلم وأدب " ) 5 (

ثم بدء الصراع وقد جاء فى صورة تحفز قوى جامح للسمو الى منزلة عظيمه وذك اثر شعور دمنة بل يقينه بأن فرصة العمل المواتية قد سنحت ؛ فيون ثمة تسلسل بين العقدة والصراع

وقيل أن نعرض للصراع يجدر بنا أن نشير الى مصادفة لا بأس بها تتمثل في اقتران سؤال دمنة عن احتباس الاسد بخوار الثور " ثم إن دمنه استانس بالاسد وخلا به . فقال له يوما : أرى الملك قد أقام فى مكان واحد لا يبرح منه . فما سبب ذلك ؟ ! فبينما هما فى هذا الحديث إذ خار شتربة خوارا شديدا فهاج الاسد وكره أن يخبر دمنة بما ناله . وعلم دمنة ان ذلك الصوت قد ادخل على الاسد ريبة وهيبة ، فسأله : هل راب الملك سماع هذا الصوت ؟ قال لم يربني شئ سوى ذلك . . . " ) 6 ( .

هذه المصادفة موفقة لانها جاءت في صورة مفاجأة راعت الاسد فافتضح أمره واضطر الى أن يبوح لدمنة بسر توقفه عن السعى . وهذا النسق مستملح بعد من محاسن الحبك القصصى لصلته الوثيقة بالتصوير النفساني ولانه يكسب الحركة قوة درامية .

وتنتهى المرحلة الاولى من الصراع بدخول شتربة على الاسد مطيعا صاغرا .

وتنشأ المرحلة الثانية ) والأخيرة ( من الصراع عن ازمة هى غضب دمنة وحبسده لما رأى من حظوة الثور واختصاصه بالملك دونه ودون أصحابه ، فسعى جاهدا لاسترجاع منزلته فيفسد ما بينهما من صداقة مغريا هذا بذاك

وتنفرج ازمة دمنة بقتل الثور . وقد عبر دمنة - فى قساوة ووقاحة - عن فرحه لنجاح خطته فكان خير مثال للمغامر المتحجر الاحساس الوقح الضمير

" فحزن ) أى الاسد ( وندم على ما كان منه ، وتبين ذلك فى وجهه . وبصر به دمنة فترك محاورة كليلة وتقدم الى الاسد فقال له : ليهنئك الظفر إذ أهلك الله أعداءك ! فماذا يحزنك أيها الملك ؟ قال : أنا حزين على عقل شتربة ورأيه وأدبه . قال له دمنة : لا ترحمه أيها الملك ، فان العاقل لا يرحم من يخافه . . . وربما أحب الرجل وعز عليه فأقصاه وأهلكه مخافة ضرره ، كالذى تلدغه الحية فى إصبعه ، فيقطعها ويتبرأ منها مخافة ان يسرى سمها الى بدنه . . " ) 7 ( على أن الاسد يندم ، كما رأينا ، على ما فرط منه وتنتهى القصة بقتل دمنة

وهكذا نلاحظ تسلسلا وتدرجا وتصاعدا فى تطور الاحداث لان الطموح الجامح الذى لمسناه فى شخصية دمنة من شأنه ان يثير فى نفسه مثل هذا الحسد ، ويدفعه دفعا قاهرا الى الابقاء على منزلته والانفراد بحظوة الاسد مهما كلفه ذلك من كذب وبهتان ومكر وخديعة .

كما أننا نجد - الى جانب هذه المراحل الرئيسية للقصة الفنية - عنصرا آخر يتصل اتصالا متينا بالبناء القصصي وأعنى بذلك التشويق

ومواطن التشويق كثيرة فى القصة نكتفى بالاشارة إلى بعض منها .

ثمة موقف جدير بالذكر ورد فى الحوار الطويل الذى جرى بين دمنة والأسد ، وقد أوغر دمنة صدر الأسد وشككه فى خلوص صداقة الثور وحسن نيته وأبى إلا أن يزين للملك قتل شتربة ؛ فاذا بالاسد يجيبه بهذا القول المفاجئ الذي من شأنه أن يوقعه فى الحيرة والحرج ويفسد عليه خطته .

قال الاسد : لقد تركتني أكره مجاورة شتربة إياى وأنا مرسل اليا وذاكر له ما وقع فى نفسى منه ، ثم آمره باللحاق حيث أحب " ) 8 ( .

وغير دمنة كان ربما يرضى بهذا الحل ويقول فى نفسه : ها قد انتهى الشكل بسلام ، سيرتحل الثور عنا وأسترجع مكانتى ؛ فيقيم الدليل علي

ضعف رأيه وعل أنه قصير النظر اقرب الى المغفل لان مثل هذا الحل ورطة لو وقع فيها دمنة لا نكشف أمره وتبينت مكيدته ) ولسنا نزعم أن الاسد قد قصد احراج دمنة ونصب له فخا . ففكرة الاسد صدرت عن قلب طيب مسالم آثر مفارقة الثور بالحسنى ولم يقصد غير ذلك ( .

ما أن نقرأ كلمة الاسد حتى نتطلع الى ما سيكون رد فعل دمنة . كيف سيواجه هذا المأزق ؟

هنا يبدو جلد دمنة وبديهته . وفعلا فقد تماسك وواجه هذا الموقف الحرج بمسلك رائع يتحل فيه فرط دهائه وبصره بقواعد السياسة وأصولها .

" فكره دمنة ذلك وعلم أن الاسد متى كلم شتربة فى ذلك وسمع منه جوابا عرف باطل ما أتى به ، واطلع على غدره وكذبه ، ولم يخف عليه أمره . فقال للايد : أما ارسالك الى شتربة فلا أراه لك رأيا ولا حزما . فلينظر الملك فى ذلك ، فان شترية متى شعر بهذا الامر خفت أن يعاجل الملك بالمكابرة وهو ان قاتلك قاتلك مستعدا ، وان فارقك فارقك فراقا يليك منه النقص ويلزمك منه العار . مع أن ذوي ، الرأي من الملوك لا يعلنون عقوبة من لم يعلن ذنبه . ، لكن لكل ذنب عندهم عقوبة : فلذنب العلانية عقوبة العلانية ، ولذنب السر عقوبة السر " ) 9 ( .

هناك موقف آخر شيق يأتى إثر الموقف السابق

لقد رد الإسد على رغبة دمنة في أن تكون العقوبة سرا بقوله : " إن الملك إذا عاقب أحدا عن ظنة ظنها من غير تيقن بجرمه فنفسه عاقب وإياها ظلم " ( 10 ) .

ما عستى دمنة أن يقول أو يفعل ازاء هذا الجواب القوى البليغ الذي يبدو رفضا حاسما باتا يغلق نهائيا باب النقمة والقصاص ؟ !

هل سيحجم عن اغراء الاسد معترفا - فى قرارة نفسه - بعجزه وإخفاق جهوده ؟ أم يلج في مسعاه مواصلا إقناعه بجرم الثور فيتعرض ربما لغضب الاسد وتضيع الفرصة بدون رجعة ؟

لم يسلك دمنة لا هذا الطريق ولا ذاك بل اختار حلا وسطا فى منتهى اللباقة والكياسة . نراه يتظاهر بالطاعة والاذعان لرأى الملك ولكنه يواصل إغراءه بالثور بصفة غير مباشرة ، فى شكل نصيحة . . مجرد نصيحة يمليها الاخلاص للملك والاشفاق عليه

قال دمنة : " أما إذا كان هذا رأى الملك فلا يدخلن عليك شتربة الا وأنت مستعد له . وإياك أن تصيبك منه غرة أو غفلة ، فانى لا أحسب الملك حين يدخل عليه إلا سيعرف انه قد هم بعظيمة . ومن علامات ذلك انك ترى لونا متغيرا ، وترى اوصاله ترعد ، وتراه ملتفتا يمينا وشمالا ، وتراه يهز قرنيه فعل الذى هم بالنطاح والقتال . قال الاسد : سأكون منه على حذر ، وإن رأيت منه ما يدل على ما ذكرت علمت أن ما فى أمره شك " ) 11 ( .

وتتحول الى ظاهرة أخرى هامة جدا تعد تحولا فى فن القصة . هذه الظاهرة هى التضمين ) 12 ( Ench assement وأعني به تفرع القصة وتوالدها فاذا الفروع يعترض بعضها بعضا وتتراكب وتتشابك وتعود بعد جولة تقصر أو تطول الى القصة الاصلية أو القصة الأم

نجد نموذجا من هذا النظم الطريف فى ص 194 حيث تندمج فى القصة الاصلية اقصوصتان ومثل هذا النظم المثلث يعبر عنه بلغة النقد القصصى Recit au 3eme degre

كان دمنة قد صرح لكليلة بعزمه على الفتك بالثور فسأله كليلة : وكيف نطبق الثور وهو أشد منك وأكرم على الاسد منك وأكثر أعوانا ؟ قال دمنة لا تنظر الى صغرى وضعفى فان الامور ليست بالضعف ولا القوة ولا الصغر ولا الكبر فى الجثة ، فرب صغير ضعيف قد بلغ بحيلته ودهائه ورأيه ما يعجز عند كثير من الاقوياء . أو لم يبلغك أن غرابا ضعيفا احتال لأسود حتى قتله قال كيلة : وكيف كان ذلك ؟ قال دمنة : زعموا ) وهذه الاقصوصة الفرعية الاولى ( أن غرابا كان له وكر فى شجرة على جبل ، وكان قريبا منه جحر ثعبان أسود ، فكان الغراب اذا فرخ عمد الاسود الى فراخه فأكلها ، فبلغ ذلك من

الغراب وأحزنه ، فشكا ذلك الى صديق له من بنات آوى ، وقال له : أريد مشاورتك في أمر قد عزمت عليه . قال : وما هو ؟ قال الغراب قد عزمت ان اذهب الى الاسود اذا نام فأنقر عينيه فأفقأهما ، لعلى أستريح منه . قال ابن آوى : بئس الحيلة التى احتلت فالتمس أمرا تصب فيه بغيتك من الاسود من غير أن تغرر بنفسك وتخاطر بها ، وإياك أن يكون مثلك مثل العلجوم الذي اراد قتل السرطان فقتل نفسه . قال الغراب : وكيف كان ذلك ؟

قال ابن آوى : زعموا ) وهذه الاقصوصة الفرعية الثانية وهى الثالثة باعتبار القصة الاصلية ( أن علجو ما عشش فى أجمة كثيرة السمك . . . " ) 13

هذان المثلان يرويهما دمنة هما بمثابة البرهان على مقدرته وكفاءته ومدى فطنته واحتياطه لما قد يحدث من عواقب

ثم إن دمنة فى المثل الاول ) أى الغراب والاسود ( يعرض بل يصف بطريقة غير مباشرة الخطة التى سيتبعها وهي القضاء على الثور بواسطة غيره ويعطينا صورة مسبقة لمجرى احداث القصة ومآلها كما يتصورها هو ويريدها أن تكون . وفي هذا ما لا يخفى من عنصر تشويق . هل يتم لهذا المحتال ما عزم عليه من أمر وهل ستجرى الامور كما فكر وقدر ؟ وهكذا لم تتعطل الحركة بهذا الاستطراد الظاهرى بل هى مستمرة لم يلحقها ضعف أو فتور

كما انه ) أعني دمنة ( يصور نفسه من خلال بطلى الاقصوصتين الفرعيتين ويراهما رمزا له يقره ويثبته ، ويتحد بهما اتحادا مما يزيده عزما وتصميما وإصرارا .

وهكذا تتراءى لنا شخصية دمنة وتبرز من خلال القصة الأم ومن خلال الأقاصيص الفرعية كما لو كنا نجتليها منعكسة على مرايا متعددة .

وينبغى أن نذكر فى تأكيد ما يضفيه هذا النظم القصصى الخاص من تنويع وتشويق فى آن معا .

فقد يخيل الى القارئ أن الأقاصيص الفرعية انحراف عن صميم القصة وان مثل هذا الاستطراد من شأنه أن يثير السأم . والحقيقة أن هذه الفروع غير منقطعة عن الاصل وهي تزيد القارىء تطلعا اليه وتشده الى متابعة بقية القصة لارتباطها الوثيق بالشخصيات

هذه الوقفات الظاهرية فى سياق الاحداث إن هى الا إبطاء وتمهل يعمد اليهما صاحب الكتاب قصدا ليقوى من رغبة القارئ ويذكيها بواسطة الحرمان الوقتي والمماطلة المحببة لما فيها من شوق ملح وحيرة لذيذة وتساؤلات وافتراضات وألوان من التصور والتخيل . وهو نفس النسق الذى أكسب قصص " ألف ليلة وليلة " الكثير من طرافتها التى لا تبلى على الدهر ) 14 ( .

لقد كان النسق التقليدى فى القصة العربية ) إذا استثنينا بعض الاحوال الشاذة كما هو الشأن مثلا فى أيام العرب ) يتصف بالبساطة . . تمام البساطة بحيث يكون السياق القصصى خطا مستقيما فالاحداث تتتابع أولا فأولا حسب الترتيب الزمني وليس ثمة تصرف فى الزمن وتلاعب به أو بتر أو كسر لمجراه الطبيعى

أما في " كليلة ودمنة " فقد رأينا أن القصة تنحرف عن مجراها الاصلي وتتفرع ثم تعود الى الاصل فتستمر برهة ثم تنحرف مرة أخرى وهكذا دواليك حتى لكأنها الجدول لا يلبث فى سيره على وجهة ما ، وإنما هو يستقيم حينا ويتلوى فى انسيابه أحيانا ، ولا يقر له قرار هذا التقطع الزمني هو موطن الجدة والطرافة فى بناء قصص كليلة ودمنة .

ب الحركة

إننا نلاحظ بصفة عامة فى قصص " كليلة ودمنة " ضآلة الحركة لا نكاد نستثنى إلا قصتين أوفر حظا من الحركة نسبيا هما : باب الحمامة المطوقة وباب إيلاذ وبلاذ وإيراخت . وفيما عدا ذلك فالاحداث قليلة محدودة حتى ليمكن تلخيص كل قصة منها فى أسطر قليلة .

فماذا نجد مثلا فى باب الأسد والثور وهو أطول قصة فى الكتاب كله ) 77 صفحة ) سوى أن ابن آوى يدعى دمنة انتهز فرصة عجز ملك الوحوش فتقرب اليه ليتبوأ منزلة رفيعة لديه ، واكتشف أن عجز الاسد سببه الخوف من خوار ثور يدعى شتربة . فتلطف دمنة وأتاه بالثور وهو يظن أن سيدعم بذلك منزلته . ولكن الاسد قرب الثور واختصه باكرامه فثار الحسد فى نفس دمئة فأفسد ما بينهما من صداقة فقتل الاسد الثور

الاحداث كما نرى قليلة معدودة ومع ذلك فالقصة حية شيقة . ولا تناقض بين ما نذهب اليه من قول ببساطة الحركة وضآلتها ) فى أبواب عدة من الكتاب ( والقول بتوفر الحياة والتشويق فيها لان جوهر الحركة فى قصص " كليلة ودمنة " لا يقوم على الاحداث الظاهرة أعني أفعال الشخصيات وتصرفاتهم وسلوكهم ، وانما يقوم أيضا وبصفة أخص على دعامة أخرى أهم من الاحداث الظاهرة . هذه الدعامة هى الحركة الباطنية أى ما يجرى فى نفوس الشخصيات من أحوال وما يضطرب فيها من ألوان الخواطر والمشاعا والانفعالات .

الحركة إذن فى " كليلة ودمنة داخلية ولسنا بذلك ننكر أهمية الاحداث الظاهرة فهى تأتى فى المحل الثاني . ومن مجموع الاحداث الظاهرة والاحداث الباطنة - مجتمعة فى وحدة لا تتجزأ - تنبعث حركة القصة وتسير بما لمسنا فيها من خاصتى الحياة والتشويق

وينشأ عن ذلك أن الجانب الاهم من الصراع فى " كليلة ودمنة " داخلى نفسانى وليس من نوع الصراع المادى الذى يلحظ مثلا فى أيام العرب ويكون الصفة الغالبة على قصص المغامرات

وهذه الخاصة أعني الصراع الداخلى أظهر فى القصص دون الاقاصيص ) أى الامثال ( لتوفر الجانب النفسانى وأهميته فيها .

نلاحظ فى كثير من القصص أن افعال الشخصيات إن هي إلا تجسيد لما عزمت عليه من أمر ( شخصية دمنة ، وكذلك الجرذ ( 15 ( ، والغراب

الوزير ) 16 ( أو دفعت اليه دفعا من سلوك بعد مد وجزر وخوض طويل في شتى الخواطر والاحاسيس وتردد بين مختلف النزعات المتضاربة ) الاسد - شتربة - الملك بلاذ ) 17 (

معنى ذلك أن دوافع الافعال ومبرراتها هى بصفة عامة أهم نسبيا من الافعال ذاتها . فالشخصيات الرئيسية التى تحرك القصة تعرف سلفا ما تريد القيام به من فعل وهى واعية بذلك الى حد التصميم ) دمنة - الغراب الوزير ( وإن كان ثمه حوار ونقاش فليس لانارة السبيل والاهتداء الى الغاية وإنما لمجرد تبرير الفعل والاحتجاج له .

" قال دمنة : أريد أن اتعرض للأسد عند هذه الفرصة ، فان الأسد قد ظهر لى انه ضعيف الرأى ، وقد التبس عليه وعلى جنوده امرهم . ولعلي على هذه الحال ادنو منه بنصيحة فأصيب عنده منزلة وحاها . . " ) 18 ( .

ومن ثم كان للكلام Discours وبالتالى للفكرة قيمة كبرى فى " كليلة ودمنة . وبعبارة اخرى فالقوى الدافعة للقصة هى بالدرجة الاولى الافكار لا مجرد العواطف والاهواء . ذلك أن عالم " كليلة ودمنة " أريد له أن تسيطر عليه الفكرة ويهيمن عليه العقل ) فى مفهومه الواسع ( تبعا لما تقتضيه الحكمة الهندية ونظرتها الى الوجود ، ولان الكتاب هو أولا كتاب إرشاد وتوجيه وتربية وتأديب .

وهذا ما يفسر مكانة الحوار ووفرته الملحوظة بالقياس الى السرد . فالحوار يشغل المجال الاوسع فى الكتاب وهو بمكان القلب من القصة . يتجلى ذلك بصفه أخص فى القصص وهو ابرز فيها منه فى الامثال للست الذي ذكرناه انفا ( أعني القول بأن توفر الجانب النفسانى - وبالتالي الصراع الداخلي هو الذي يكسب الحركة مزيدا من القوة والانطلاق (

يتبع

) 16 ( نفس المصدر باب البوم والغربان ) 17  نفس المصدر باب إيلاذ وبلاذ وإيراخ ( 18 ) نفس المصدر ص 178 .

اشترك في نشرتنا البريدية