إذا اردنا ان نحلل كلمة " التجديد " بصفة عامة وجدنا انها تقوم على معنيين أساسين : 1 ( الغرابة ، 2 ) الاتقان . ولاستساغة الجديد لابد ان يتوفر عادة فيه هذان المعنيان فيثير دهشتنا لما اتى به من شئ غير مألوف من ناحية ولما فيه من دقة واتقان من ناحية اخرى .
والتجديد في الادب خاصة يكون فى شيئين 1) الاسلوب ، 2) المحتوى . وتكون الاديب مجددا بارعا إذا عرف كيف يوفق بين هذه المفاهيم الاربعة فيكون "اتقانه " لتجديده متناسبا مع غرابة هذا التجديد . ويكون التجديد فى الشكل متناسبا - بقدر الاستطاعة - مع التجديد فى المضمون : فلا يطغي احد هذه المفاهيم على البقية لان الاديب كالصانع او قل كالخالق لابد - ليكون الشىء الذي صنعه او خلقه كامل الصنعة او الخلقة - من تناسب فى اعضائه وتناسق فى تركيبه .
فاذا اردنا ان نسلط هذا المقياس على قصة " الانسان صفر " لوجدنا نهاية أقرب الى التنافر منها الى التناسق ، فعنصر الغرابة قد طغى على العناصر الاخرى كالسندباد بجزيرة الاقزام ووصلت الغرابة الى حد الغموض : وكان الغموض متنوعا ومتمثلا فى مظاهر مختلفة برز بصفة خاصه فى هذه اللغة التى استعملها الكاتب فهي لغة وان بدت عربية فى بعض الجمل فهي تبعد عن العربية في كثير من الاحيان فتصبح كلمات تشبه كلام المشعوذين والسحرة . وقد ظننت في الاول اننى لا افهم العربية فرجعت الى معاجم اللغة ومناجدها افتش عن بعض الكلمات ولكنني لم اجدها . فعلمت ان هذه اللغة المستعملة هي لغة " صفرية " لا لغة عربية . ولا يمكن للعاقل ان يجدد بلغه لا يعرفها الناس وان اراد ان يفعل فليتفق معنا فى لغته الجديدة او على الاقل ليعلمنا بها حتى وان لم نتفق معه عليها .
وتتمثل هذه الغرابة كذلك فى هذا الاسلوب وهذه التراكيب العربية تارة و الصفرية " تارة اخرى ، وفي هذه الجمل المرتبطة بصورة غريبة الى حد الازعاج . والكاتب وان اراد بهذا الترابط تجديدا فى اساليب اللغة فقد انحرف عن المقصد فللتجديد فى اساليب اللغة مع صعوبته قواعد وان كان اراد بذلك الاشارة الى معان توحى بها هذه الاساليب فقد حقق بذلك العكس فغمضت المعانى التى يمكن ان يكون الكاتب قد اراد الاشارة اليها . وما الذي دفع كاتبنا المجدد الى كل هذا الغموض ليعبر عن افكار سنرى فيما بعد انها بسيطه وساذجة ؟ الا يعلم اننا فى عصر لا يسمح الوقت فيه ان تقرأ قصته عشر مرات او اكثر - كما فعلت - ويخرج القارئ بعد ذلك بيد فارغة والاخرى فيها " صفر " فبالله عليك أيها الزميل المجدد ما الذى تريد ان يفهم القارئ من قولك " اقرأ بامس كرب اذ لى رتق قرق ... ذألى شهق زقق نهق نقق من ققق الاشرى من كرق الابقى من يليق الانقى من فلق الاتقي من علق " فوالله لقد ظننت ان هناك دجاجة فى احلك الظروف " ظروف الدجاج " وهي على وشك ان تضع بيضتها ولكنها لم تجد المكان المناسب لوضعها ، وان هناك حمارا كان ينظر اليها بعين ملؤها الالم والحسرة ولكن ذلك لم يمنعه من ان يطلق قهقهة عالية من "قهقهات الاحمرة ".
ولم استغرب - كما فعل بعض الزملاء ، من الخط بعد ان رأيت الكلمات والاسلوب فلكل كلمات جديدة واسلوب جديد من خط جديد وقد جدد المدني كدلك فى الخط . ولله در من جدد وكان تجديده كليا . ولا يشبه هذا التجديد فى غموضه واحاطته الا ما نسمعه فى بعض الاديان عن المسخ فيقلب الانسان قردا او خنزيرا ويكون هذا القلب قلبا كليا . ولننظر الى امثله من هذا التجديد فى الخط يقول المدني " والناس يرتل + يحمدل + يحوقل + يبسمل + يصلعم + ــــون " اى الـــــ (و ن ) ، كما يقول اهل الرياضيات - عامل مشترك مضروب فى كل الكلمات السابقة مثلما نقول س ( 3 ص 2 + 5 أ 2 ) .
وهكذا نرى ان عنصر الغرابة اخفى تماما عنصر الاتقان . ولم يكتف المدني بذلك بل جعل الشكل المتمثل فى هذه اللغة الجديدة بكلماته واساليبها وبهذا القلب لبعض الكلمات مثل ( الذي = اذلى . ربك = برك . الانسان = الاسنان . الخ ) - يسيطر هو الآخر على المحتوى فتضيع المعاني في خضم هذه القوالب " الصفرية " التى كانت اكثرها لا يمت الى قواعد اللغة واساليبها بصلة .
ولولا ذلك التعليق الذي نجده فى الصفحة الاولى من قصة المدني وهو قوله : " هذا تعبير رجل يبحث عن نفسه من خلال عالم اللغة والأشياء وهو يختلف باختلاف ساعات النهار والليل وفيه من الغموض ما فى انفسنا ومن البيان ما فى السنتنا" لما امكن لى ان افهم شيئا من هذه القصة فقد اتخذت هذا التعليق نبراسا اهتدى به فى شعاب قصة المدنى ونستطيع ان نلخص المعاني التى فهمتها والتى جاءت فيها ونقسمها الى قسمين :
القسم الاول : هو قسم حاول فيه المؤلف ان ينظر الى العلاقة بين الله والانسان ويبدو ان المؤلف ان لم يكن ناكرا لما تقصه الكتب السماوية حول هذا الموضوع فهو متذبذب مضطرب ناقم على هذه القوة التى ارادت ان تجعل الانسان مكيفا حسب اهوائها وحسب مشيئتها ولعل تصرف المدني باللغة فى هذه القصة يشبه تصرف هذه القوة الالهية بالانسان .
القسم الثاني : اما الجزء الثاني فهو المتعلق بالانسان في حد ذاته وقد اراد الكاتب ان يبين لنا المتناقضات التى يمثلها الانسان فهو القوى الضعيف الخائف الجرىء تتجاذبه مجموعة من النزوات والغرائز فلا يستقر قراره ، حياته مضطربة ونفسيته معقدة ومع ذلك فهو يعتقد انه الاول والاخير ينظر الى نهايته المحتومة فلا يرضخ ولا يستسلم بل يقاوم ويصارع وهو مع علمه ان صراعه لا فائدة ترجى من ورائه وانه صراع فاشل الا ان نفسه الابية تحرم علي الخضوع لان هناك مقومات ومعطيات اساسية يجب ان يعيش من اجلها ويقاوم لاعلائها فهناك الوطن وهناك تعلق الانسان بالوطن .
وقد حاول الكاتب ان يثير من حين الى آخر عدة مشاكل : سياسية ودينية واجتماعية وادبية فاشار " الى الزعماء الهجناء بالشعارات السراب " واشار " الى الادباء السخفاء بالعروض المتزمت " وبقواعد اللغة المتحجرة واساليبها الجامدة . واشار الى الانسان الرب " فاين الرب انا " واشار الى " التعبير الشعبى الحى " و" الاسلوب المتمرد" .... الخ .
وانتهى المدنى فى نهاية نظريته الفلسفية الى جملة معقولة ومفهومة وهى : الانسان " عجينة الارض بل هو نسغها بل هو حياتها بل هو مكيفها بل هو صانعها بل هو ربها " .
والناظر الى هذه المعانى لا يجد من فضل للمدني الا انه جمعها فى هذا الاسلوب المزعج المتمرد فقد طرقت هذه المواضيع وتنوقش فيها المرار العديدة وما زال البعض منها على بساط البحث الى يومنا هذا . فمن لم يسمع
بهذه الذبذبة وهذا الاضطراب والشك فى الدين ؟ ومن لم يسمع بهذه الدعوة للمقاومة وعدم الاستسلام ؟ انها امور اصبح البعض منها مبتذلا لكثرة تداولها واصبح البعض الآخر يمثل مرحلة من مراحل تفكير الانسان وهي مرحلة " المراهقة الفكرية " . ولعل المدني ما زال يتخبط فيها .
ولم اجازف بالقول عندما اتهمت الكاتب بهذه المراهقة الفكرية فالادلة عليها بارزة فى هذه القصة فهو يحاول ان يظهر للقارىء براعته فى مجموعة من العلوم فيستعمل تعابير نحوية اخنى عليها الدهر " اكلوني البراغيث" ويستعمل لغة الفلسفة " المقولات العقلية العشر " ولغة الهندسة والرياضيات فى الخط كما رأينا فى قوله : " ربع الدائرة وكور التربيع " ولا يرى مانعا من استعمال لغة الكتاتيب ( بالصاد كالصفرة بالحاء كالحمرة بالباء كالبياض) التى تشبه قولنا فى الكتاب ونحن صغار " أليف لا شئ عليه والباء وحدة مسفل والتاء اثنين ملفوق " ويستعمل لغة المشعوذين المفهومة وغير المفهومة فهذا مسيلمة الكذاب لعنه الله يمد كاتبنا بقرآنه " الفيل وما ادراك ما الفيل له خرطوم طويل ... " ونسى المدنى قول مسيلمة " والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما " وهو القول الذي كان من الاولى ان يستعين به الكاتب لانه يوافق كلامه ويشبهه الى حد بعيد .
ولا ادرى لماذا اتخذ الكاتب اسلوب القرآن فصنع به ما صنع وقال ما قال ؟ لعله اتخذ ذلك حسب قاعدة " خالف تعرف " ولكنى اقول لكاتبنا المفضل انه اخطا وانه اراد ان يجدد فاغمض فاسلوبه مع ما فيه من مس لنفسية المؤمن الصادق الايمان لم يحقق الغرض الذي يرجوه . وحتى اذا اردنا ان نكون مؤمنين بايمان المدنى فان هذا الادب لا يشبه الا ادب الجمود الذى اتفق عليه كل من نطق بالضاد انه افسد اللغة وعطل سيرها .
فهل نرجع الى ما اتفقنا واتفق كل الناس انه جمود ليقال عنا اننا مجددون ؟
