" لو جهلت امة تاريخها لذهب منها الشعور بكيانها ولم يبق فيها الا عاطفة غامضة بوجودها " بهذه العبارة للمرخوم الزعيم : على البلهوان ، صدر المؤلفان كتابهما (بنزرت ارض البطولات ) وليس غريبا على الشعب التونسى ، ان يكتب لنفسه الانتصار ، ان يخوض آخر معركة من معاركه التجربة بقيادة المجاهد الاكبر . معركة تحقيق الذات ، واثبات وجودها .
وبهذا استطاع الشعب التونسى ان يبذل كل غال ونفيس ، فى ان يخلص ارضه الطاهرة ، من بقايا الاحتلال الاجنبى . فكان مسرح هذا العمل العظيم : معركة بنزرت الخالدة .
وكتاب : بنزرت ارض البطولات - عرض متواضع لمعركة بنزرت الفاصلة ، فى اسلوب برئ وفى عبارة حارة . تدلان على ان الكاتبين قد عاشا المعركة - لا على القرطاس فحسب - وانما فى ذات المعركة الملتهب
يبدأ الكتاب بعرض سريع لمدينة بنزرت الخالدة ، فى موقعها الجميل ، مما جعلها مطمح الآمال عبر العصور والسنين . فهى عريقة بما يلوح على وجهها من آثار تاريخية من ايام العرب الفاتحين مما جعلها عروس تونس قديما وحديثا
ويلي هذا فصل - بنزرت من خلال التاريخ - الذى تعرض فيه المؤلفان الى تاريخ المدينة التى تمتد جذورها الى عهد الفنيقيين ، الذين جعلوا منها مدينة نجارية ، ما بين القرن التاسع والسابع ق م ، ومكثت تحت اقدام الفنيقيين الى ان جاء العرب الفاتحون ، ففتحها القائد العربى المعروف : معاوية بن حديج سنة 41 ه 649 م
وشهدت هذه المدينة الخالدة نشاطا انسانيا خلال العصور على ايدى الفنيقيين والرومان والعرب . هؤلاء جميعا تركوا طابعا ، لايزال يلوح على وجه بنزرت الصبوح .
ويستمر المؤلفان فى عرض الاطوار التاريخية التى تعاقبت على المدينة الخالدة
إلى ان نصلا بنا الى أواخر القرن السابع عشر ، التى بدات فيه الاطماع تتجه نحو اهمية المدينة من الناحية الدفاعية . ونظرا لضعف البايات ، وتشتت الطاقات في البلاد ، وجد الفرنسيون سبيلا فى تحقيق ما كانوا يحملون به يوم غرة ماي 1881 ، يوم ان نزل الجنرال ( بريار ) وجنوده الى المدينة
واستمر الوضع ، الى ان جاء يوم 19 جويلية 1961 حيث توالت على المدينة المحن من كل جانب ولكن بصمود الابطال ، وتنظيم الصفوف كانت نهاية الاستعمار فى بنزرت الخالدة
ويلي هذا فصل : يا رجالات من بنزرت - تعرض فيه المؤلفان ، الى ابطال من المدينة الشهيدة . وعلى رأسهم الشهيد : محمد الحبيب بوقطفة والشهيد حسين النورى والمصلح الشيخ بادريس الشريف ، وصلاح الدين بو شوشة . وبهذا الفصل المتعرض لرجالات المدينة الزكية : ثم الجزء الاول من الكتاب ، ويليه الجزء الثاني منه ووضع له المؤلفان مقدمة
ويبدأ هذا الجزء بفصل : - القاعدة أو : الاستعمار الجزئى - حلل فيه المؤلفان الاسلوب الاستعمارى ، فى ابقاء السيطرة على البلاد المستعمرة . فكلما اخرج منها مدحورا ، حاول بطريقة او بأخرى ، ان يبقى فى البلاد التى خرج منها رمزا لسيادته ، للقواعد العسكرية او للاتفاقيات ، التى يكون فيها الطرف المستعمر (بالفتح ) مهضوم الجانب ، ليبقى دائما متشبثا بجبروته ، وطغيانه
وفي هذا الاسلوب الاستعمارى ، تظهر نفسيته جلية ، تبحث عن خلاص لسيادتها ، بل لناموسها الاستعمارى
وفي هذا الاسلوب الاستعمارى الذى لا يختلف فيه الاستعماريون ، حاولت فرنسا أن تسلكه فى تونس ، فهى تحاول البقاء بالقاعدة ، علها تجد فى ذلك منطلقا لاشعاع سيادتها على البلاد جميعا .
ولم يفت قادتنا ، وعلى رأسهم المجاهد الاكبر . خبايا هذه السياسة الخرقاء فتقدم الشعب بأجمعه ، ليسفه احلام فرنسا ، وناموس فرنسا
ثم يلى هذا فصل : لسنا مع البقاء ، فكيف بالتوسع ؟ - فى هذا الفصل بتعرض المؤلفان الى اطوار القضية فى المجال القومى ، وفى المجال الدولي . يوم ان حاول أمير القاعدة ، التوسع ، ظنا منه بان تونس نسيت او تناست القاعدة . وكأن فرنسا فوجئت بطلب سيادتنا على القاعدة واستشاطت غضبا ، وماجت سياستها ودارت ، ولم يمر على هذا التلكؤ البليد ، ايام معدودات ، حتى سمعت اللغة التى تفهمها ، والتى خضعت لها الرقاب فانساب الشعب التونسى ، يريد خلاص بلاده من آخر جندى على ارضه الطاهرة
ودارت المعركة على اشدها ، وراى المستعمر منا ما رأى ، فما كان منه الا
ان أذعن للحقيقة الخالدة : إذا ارادت الشعوب شيئا فلا بد من ان يستجيب لها القدر .
وكان يوم الاربعاء جويلية 1961 أول يوم للمعركة الفاصلة ، والايام التى تلته أظهرت البطولة ، فى اعنف قوتها ، وأبدت التفانى، فى اقوى مظاهره .
وينهى المؤلفان كتابهما بفصل خصصاه لشهداء المعركة الذين سقطوا ، سقوط فداء ، وسقوط تضحية ، فى سبيل استكمال السادة . أمثال : الشهيد الشاذلى عياد والشهيد ، محمد العيارى ، والشهيد عثمان التليلى والشهيد عمر العمامى ، والشهيد محمد البجاوى ، والشهيد محمد الحبيب الذوادى
ثم اتعرض المؤلفان فى كتابمها ، الى الليلة الخالدة . ليلة 18 اوت 1961 التى ابى الشعب فيها ، الا ان يخوضها شعواء ، رغم الاسلاك ، ورغم الدبابات وليس لنا فى هذا غير قوله شاعرنا الشابى :
اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر
وبعد فهذا عرض سريع ، لهذا الكتاب المتواضع ، الذى لا شك ان له مكانة فى مكتبتنا نظرا لقلة الكتب التى تعرضت لاحداثنا القومية . علينا ان نوجه لها العناية بالبحث والدراسة لانها من ذاتنا ، فلكى لا تبقى ذاتنا غامضة علينا ان نلقى اضواء العناية بتاريخنا القومى . فالى المؤلفين شكرى وتقدير لهذا العمل المتواضع . والله لا يضيع أجر من احسن عملا .
