كنت منكبا بحذر شديد على التهام مقال اكتشفت وجوده بالملحق الثقافي لجريدة " العمل " . . عندما هزنى القيم بعنف وجذب مني ما كنت أطالع ليمزقه بشماتة بالغة . . وحنق شديد متعجبا من جرأتي على مطالعة جريدة فى قاعة المذاكرة . كان نظام التعليم يمنعنا من التعامل مع غير الدروس .. حتى كتب المطالعة كانت محرمة أيضا !! فى تلك الفترة كنت فى الرابعة عشرة من عمري وقد بدأت أحس بشئ يدفعني لالتهام كل ما يحبر عن رجل قرأت له مرة فعلق بذاكرتى وسكن ذاتي ولم يكن المقال الذي منمعنى القيم من قراءته بقلم هذا الذى ملك عقلي ولكنه كان من وضع المرحوم محمد الهادى العامرى الذى كنت أعلم أن " صديقى " قد تتلمذ عنه !
ومن حسن حظى أني وجدت فى مكتبة أحد أقاربى ما يشفى غليلى ... حيث بدأت التهم ما احتوت عليه من الاعداد الاولى لمجلة (( الفكر )) . وتزايد ولعى بهذا الرجل بتزايد التهامى لكتاباته . . حتى جاء اليوم الذى عثرت على اسمه ضمن شخصيات البرنامج الادبى للسنة الدراسية .. ليس باستطاعتى أن أصف شعورى فى تلك اللحظة ولكنى اكتفى بالاشارة إلى أنى قد منيت نفسى باحتلال المرتبة الاولى فى الادب فى ذلك الموسم الدراسي ... وتواصلت حكايتى مع آثار هذا الرجل كأحلى ما يكون التواصل ... أتيت فيها على أغلب ما كتب حتى عندما كانت دراستى فى التاريخ والجغرافيا بالجامعة تحتم علي تخصيص كل أوقاتى لالتهام المراجع المبرمجة .. كنت أسعى بكل الطرق لالتهام ما كان يحبره شهريا بمجلة (( الفكر )) .. وعندما انتهى زمن الدراسة ..
دخلت جريدة (( بلادى )) محررا ثم رئيسا للقسم الثقافى . . وصادف دخولى بلاط صاحبة الجلالة .. اعتلاءه منصب الوزارة الاولى كانت الصدفه عجيبة . . ونقط الالتقاء الروحى مثيرة . . ونشرت مرة أولى قراءة لاحدى خطبه على أعمدة الجريدة .. فأحس المدير الاستاذ الهادى الغالى وقتها - وبحدس 792 56
صحفى خاص - أنى أحسن الابحار عبر تأملات هذا الرجل وأفكاره فأمرنى بأن أواكب كل خطبة وأعيد قراءتها لنشرها فى قالب تحليلى وكان هذا أروع تتويج لى ببلاط صاحبة الجلالة !
ورغم المامى - من خلال هذه المهمة الجديدة - ببعض ما كنت أطمع لمعرفته من خصال هذا الرجل فان لهفتى لمزيد من المعرفة لم تنقطع .. كنت اريد أن أعرف عنه كل شئ وكنت أريد ايضا أن أعرف آراء الناس فيه .. هل تطابق أحاسيسهم أحاسيسى ؟ .. وجاء اليوم الذى صدر فيه كتاب (( حديث الفعل )) . . استغللت الفرصة لاشباع نهمى وتلبية رغبة عانقت روحى ..
لكن حرصى الشديد على معرفة آراء الآخرين فيه أرغمنى على مطالعة كل ما كتب عن هذا التأليف ، فى الصحف الوطنية والعالمية .. ثم جمعت كل ذلك ..
وكتبت مقالة تقييمية لهذه الآراء (1) .. ومن الجائز الاعتراف بأن هذه الاراء المختلفة والاحاسيس المتعددة قد التقت عند خصال كبيرة اعرفها لمحمد مزالى ..
لكن احساسى . . ربما اختلف فى عمقه عن أحاسيسهم .. فأنا من جيل يختلف عن أجيال كل من شاءت الصدف أن كتبوا عن هذا الكتاب .. جيل رأى النور بانجلاء ظلام الاستعمار . . جيل تربى منذ الصبا على خصال هذا الرجل . .
أفكاره ومثله .. أحلامه وطموحاته .. فانساق مع هذا المد الرائع نحو الارتقاء .. وغدا الرجل مثالا .. نطمح الى أن نحاذيه .. وعندما صدر أخيرا تأليف الاستاذ المنصف الفيتونى (( مزالى .. الاصالة )) جامعا فيه انطباعات بعض الذين عرفوا مزالى وأحبوه .. كنت أبحث بين صفحاته عن انطباعات واحد من جيلى .. أى جيل الاستقلال .. دون أن أكون قد أهملت آراء الآخرين .. وعثرت على ضالتى فى انطباعات السيدة (( رجاء العلمى )) هذه التى من أندادى .. فتنفست الصعداء .. انها انطباعات جيل .. وليست انطباعات أفراد جيل أخذ له مثالا فى الحياة .. محمد مزالى .

