الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

حول مشكلة الاطارات، دور المثقف في خلق مجتمع أفضل

Share

يقيني أن مشكلة الاطارات هى أم المشاكل التى يتوقف عليها نجاح معركتنا الكبرى معركة البناء والتشييد . ويعتبرها المفكرون الاقتصاديون والاجتماعيون الغربيون الذين انكبوا على دراسة مشاكل البلدان المتخلفة أو - التى هى فى طور النمو - أمثال فرنسوا بيرو وألفراد سوفي وروني ديمون وغيرهم أكثر أهمية من عوامل النمو الاخرى كالتخطيط والمساعدات الاجنبية وحتى رأس المال نفسه لاسباب واضحة اذ على الاطارات وعلى الاطارات وحدها يتوقف حسن التصرف في كل تلك العوامل .

وما من شك في أن المثقف هو فى طليعة هاته الاطارات لخلق مجتمع أفضل هو المجتمع الذي نهدف اليه طبقا لمبادىء اشتراكيتنا الدستورية . ودور المثقف هذا هو محل عناية واهتمام المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة وحكومته الشعبية وحزب الامة العتيد . ولا ادل على ذلك من احداث كتابة الدولة للشؤون الثقافية والاخبار وما ترمي اليه من أهداف سامية وبرامج حافلة وكذلك تأسيس معهد الحزب للاطارات القومية الذى أشرف على افتتاح دروسه المجاهد الاكبر نفسه بخطابه المنهجى أمام اطارات الامة وتلامذة المعهد في 22 نوفمبر 1962 .

وقد كان من حسن الصدف أن آطلع المجاهد الاكبر على نقط الضعف فى اضطلاع المعلمين والاساتذة بالتدريس وخاصة فى مادتى التربية الدينية والتربية المدنية قصد تكوين مواطنين صالحين . كما كان من حسن حظ هاته الامة أن قرر المجاهد الاكبر ايضا القاء دروس بنفسه بالمعهد فى التربية الاخلاقية سعيا منه الى توضيح المبادىء السامية التى يجب أن تسود المجتمع الذي نريده . ولكل هاته الاسباب يجب على المثقفين من أبناء شعبنا ان يشعروا كامل

الشعور بأهمية دورهم ويقدروه حق قدره وان يتسلحوا لاداء رسالتهم الانسانية على أحسن وجه لخلق مجتمع افضل .

من هو المثقف ؟

ولنا قبل كل شئ أن نتساءل من هو المثقف ؟ ان لفظة المثقف لا تعنى المؤلف والاديب والفنان فحسب بل تعنى أيضا الخبير والمهندس والاقتصادى ورجل القانون والطبيب الى غير ذلك من أنواع التخصص في الميادين الاجتماعية والاقتصادية الضرورية والمتشعبه فى عصرنا الحاضر عصر العلوم والاختراعات والتقدم والازدهار .

والمثقف بهذا المعنى ليس من واجبه خدمة نفسه بتقاضى أجر يقابل العمل الذي يقوم به فحسب بل من واجبه ايضا وأولا وبالذات خدمة الشعب الذى ينتمي اليه بصفة خاصة وخدمة الانسانية بصفة أوسع وأعم .

وفي هذا الصدد يقول الطبيب والكاتب اللبناني الدكتور جورج حنا فى وصفه للادباء وقد نعتهم " بمهندسى الانسانية " : " لا يكفى الاديب أن يكون فنانا ومصورا لحالة المجتمع الذي يعيش فيه ومشاكل الناس الذين يعايشهم . ان ما يجعل الاديب مهندس انسانية تخطيه دور الفنان الذي يصف ويصور ليأخذ دور المعلم والملهم والملهب مشاعر الناس وأفكارهم لخوض معركة الاصلاح المجتمعي وتحرير الانسان من ظلم أخيه الانسان ... " (1)

على أن الواحب الذي يتحتم على المثقف القيام به نحو مجتمعه ونحو الانسانية لا يمكن أن يوجد الا اذا اقترنت الثقافة بالوعى الاجتماعى السليم والمبادئ الاشتراكية السليمة . فالثقافة تميز كل شعب عن غيره من الشعوب والامم وذلك بابراز شخصيته والتعبير عن الامه واماله وذلك فى شتى ميادين الانتاج الفكري والفنى .

ولذا يجب ألا توجد لذاتها بصفة مجردة بل يجب أن تكون عنصر اشعاع لفهم الحياة وحل مشاكلها وعنصر تقدم ورقي لفائدة الانسان أولا وبالذات .

وليتسنى للمثقف القيام بواجبه على هاته الصورة يجب أن يتحلى بعدد من الصفات الاجتماعية وهى الوعى والاخلاص والتأثير . أما الوعى فهو الشعور بحياة المجتمع وحاجاته والتجاوب مع الآخرين في سرائهم وضرائهم والمتعلم لا يكون مثقفا حقيقيا الا اذا خرج من عزلته واتصل بالآخرين وتألم لآلامهم وفرح لافراحهم .

وأما الإخلاص فهو التنازل والتضحية بالمصلحة الشخصية لفائدة مصلحة الجماعة . ويجب أن يكون هذا الاخلاص عميقا ومنعشا للنفوس عند القيام بالواجب نحو المجتمع وعند الشعور بخدمة الانسانية مع الصدق فى القول والاخلاص فى العمل .

الا ان الوعى والاخلاص فى حد ذاتهما لا يكفيان ويحب على المثقف نقلهما الى المحيط الذي يعيش فيه . وبكلمة أخرى يجب عليه أن يؤثر في من حوله ليكتمل مميزاته . وهذه الميزة الثالثة من مميزات المثقف اى ميزة التأثير هى أهمها . وهي التى تمكنه من الخروج الى المجتمع وحثه على فهم قضاياه وحل مشاكله كما تمكنه ايضا من تزويد مواطنيه بمعلوماته وتوجيههم التوجيه الصحيح. ويمكن للمثقف ان يؤثر فى من حوله بطريقتين : الاولى طريقة الاستماله ومخاطبة العاطفة وبث الشعور والوعى والحماس والثانية طريقة الاقناع ومخاطبة العقل بالفكرة والدليل والحجة والبرهان . وبذلك يكون المثقف في طليعة البناة لحياة فضلى .

ما هو المجتمع الافضل ؟

والآن ما هو المجتمع الافضل الذى نريده ؟ ان تصورنا له بين من أهداف كفاحنا وهو الذي تتحقق من خلاله سعادة الانسان وفرحة الحياة الكريمة ونحن لم نكافح الاستعمار ولم نحقق الاستقلال ولم نركز نظاما جمهوريا الا لخدمة الشعب وتخليصه من كل القيود والقضاء على اختلال التوازن ماديا كان او فكريا وتحقيق النمو الكامل للفرد والمجتمع معا طبقا لمبادىء اشتراكيتنا الدستورية التونسية فى نطاق التضامن والاخوة والعدالة والمساواة . اننا اليوم أمام وضع متدهور ورثناه عن قرون من سبات عميق كان يسود بلادنا ضمن بقية البلدان العربية والاسلامية الاخرى فى حين ان بلدان اوروبا فاتتنا فى ميادين النهضة الفكرية والعلمية

أشواطا كبيرة . ومما زاد الطين بلة الفترة الأستعمارية . التى ادخلت الخلل على توازن مجتمعنا وزادته تدهورا وصيرت بلادنا في صف البلدان المتخلفة .

ولا شك أن هذا الوضع يتطلب اصلاح الاوضاع وفي مقدمتها الاوضاع الفكرية والخلقية بصفتها الخلاقة والباعثة للمجتمع الذي نريده والذى يجب أن يسوده التشبع بالمبادئ الانسانية السامية وحب الخير والعمل الجماعي فى سبيل مستقبل أفضل ترفرف عليه الحرية الحقيقية والكرامة البشرية فى كنف التضامن والاخوة والمساواة والعدالة .

ولايتسنى ذلك الا بتسليط العقل على الاشياء واعتبار المبادىء الاخلاقية السامية وهي طريقة تربينا عليها فى حزبنا العتيد فى كافة ميادين الكفاح سواء التحريرى منه أو الاقتصادى والاجتماعى الذى أصبح هدفنا الاول اليوم أو الديبلوماسى بالدعوة الى احترام حرية البشر والتعاون النزيه بين الدول لفائدة الجميع وهو ما نرمى اليه من تكوين اطارات صالحة متسلحة بالمعرفة والعلم الذى يجب أن يكون المنبع لكافة أوجه نشاطنا.

وكما يقول احد رجال الفكر فى الشرق العربى وهو الدكتور حسن صعب استاذ العلوم السياسية بجامعة " بيروت : " اننا هنا أمام التحدى الأكبر لنا ونحن فى طريقنا الى المجتمع الافضل تحدى الطابع المميز لانسان القرن العشرين تحدى التحرر بالعلمية اى بالعلمية لا كمعادلة ولا ككتاب ولا كمدرسة ولا كآلة ولا كمصنع ولا كسيارة ولا كنسبة للمتعلمين ولا ككمية من المعرفة بل كنظرة شاملة للوجود والحياة والانسان والمجتمع نظرة قوامها الثقة بالعقل الانسانى وبقدرته اللانهائية على الفهم والتفسير والخلق والتنظيم نظرة لحمتها آخر معطيات العلوم الانسانية والاجتماعية وهدفها الاقرب اعادة تنظيم المجتمع . وفقا لهذه المعطيات المتجددة ودأبـها اتخاذ هذه المعطيات القاعدة الاولى لكل تفكير أو تنظيم . ان القاعدة العلمية للتفكير والتنظيم لا تكفي وحدها فلا بد ان تكملها القواعد الروحية والفلسفة و الخلقية و لكن جميع هذه القواعد لا تكون حقيقية ان لم تستند اولا الى القاعدة العلمية " (2)

على ان المبادئ السامية التى يجب أن تسود المجتمع الافضل يمكن تحديدها مع الدكتور حسن صعب أيضا على النحو التالي :

" اولا - المجتمع الأفضل هو المجتمع المنفتح المتحرك تحركا أزليا في سبيل التحسن الذاتي ...

ثانيا : ... وهو الذى استطاع الانسان أن يسيطر فيه على جميع القوى الطبيعية وان يسخرها تسخيرا عقليا وخلقيا قويما لا لخير قارته او امته أو طبقته أو جنسه . بل لخير كل انسان .

ثالثا . وهو الذى انتظم انتظاما عمليا يمكن كل انسان أن يقدم له بحرية ورغبة وسعادة اقصى طاقته وأن ينال منه مقابل ذلك كامل حاجته .

رابعا - والمجتمع الافضل هو نتيجة لكل ذلك المجتمع الذي انتصرت فيه امكانيات الانسان الخلاقة الروحية والعقلية فأصبح قادرا على الإسهام فى اغناء التراث الحضاري الانسانى وفى العمل على اسعاد الجنس البشرى كله وأصبحت المحبة جوهرا لنشاطه الحر الخلاق (3) .

هذه فى عجالة بعض الاراء حول مشكلة الاطارات التى نحن فى حاجة اليها والصفات التى يجب أن يتحلى بها المثقف الحقيقي والرسالة العظمى الملقاة على عاتقه والأهداف السامية التى يجب عليه تحقيقها .

وهي تبين حاجتنا الملحة الى الثقافة لا لذاتها بل خدمة للمجتمع بصفة خاصة والانسانية بصفة أعم كما تهدف الى المساهمة فى توضيح الاهداف التى على المثقف تحقيقها وهي القيام بدوره الطليعى في تسخير عقله ومواهبه واخلاقه لتوضيح السبيل والعمل على تحقيق المجتمع الافضل الذى نريده والذى يجب أن يسوده حب الخير والتضامن الاخوي فى سبيل اسعاد الانسان أولا وبالذات .

وبذلك - وبذلك فقط - يمكن للمثقف أن " يتمتع بلذة الكفاح ليسعد بفرحة الحياة " فما قال المجاهد الاكبر الرئيس الجليل الحبيب بورقيبة.

اشترك في نشرتنا البريدية