قرأت في عدد المنهل السابق مقالا لامعا اجاد فيه الاستاذ الفاضل عبد القدوس الأنصارى وافاد ، واماط فيه اللثام عن الحق الصراح حيال الرد على النقد الذى وجهته الكاتبة المصرية " ابنة الشاطئ " الى معجم " تهذيب الصحاح " الذي طبعه على نفقته - نشرا لفائس . الذخائر - سعادة الاستاذ الكبير محمد سرور الصبان . والذى اناط تحقيقه العلمى بالاستاذين عبد السلام محمد هارون وأحمد عبد الغفور عطار .
وقد ذكر الاستاذ الانصارى ان نقد ابنة أشاطئي المنشور فى الاهرام لا يخدش ولن يخدش فى قيمة الكتاب وقيمة اخراجه العلمي ، كما صوب تسمية الكتاب باسم " تهذيب الصحاح " وارتضاه ، ووجه نصال نقده العلمي النفاذة الى مقاتل الشرط الذي اشترطته الكاتبة لنشر الكتاب علميا ، حينما ادعت ان ذلك لا يكمل الابعد استقراء خزائن الدنيا شرقا وغربا . وأدحض هذه الشبهة بقوله : ان هذا الشرط شئ غير مشروط علميا ، فما سمعنا ان ياقوتا وغيره من الناسخين وقفوا نسخ ما نسخوه ونشر ما نشره من قيم الكتب على مراجعة خزائن الشرق والغرب .
ولأعجابي بما كتبه الاستاذ فى هذا الشأن من فصل المقال وفصل الخطاب رأيت ان اعلق على الموضوع ، وان ادلى دلوى فاقول :
إن اشتراط تعدد النسخ فى نسخ الكتب ونشرها ، باليد أو بالمطبعة شرط لا يجب أن نتقيد به ، فاننا لوتقيدنا به او لو تقيد به من سبقونا لما وصل الينا علم كثير ، ولنبذنا آلاف الكتب فى مختلف الفنون ، ذلك ان اكثر الكتب التمديه ومنها معجم تهذيب الصحاح ، بل ومنها الصحاح نفسه لم تكن ذات نسخ وفيرة أصلا ، ومع ذلك فقد اعتمد علماء ، ناشريها المحققون كياقوت وغيره نسخها ونشرها فى العالم ، واخشى ما اخشاه ان يكون اشتراط تعدد النسخ احدى دسائس المستشرقين ، والشرط المقبول المعقول فى هذا الباب ينصب على العلم بصحة النسخة التى تنسخ او تنشر والتاكد من نسبتها الى المنسوبة
اليه ذلك أن مهمة لناسخ والناشر شئ واحد ، وهما وان اختلفا اسما فان مسماهما متحد ، ذلك ينسخ النسخ العديدة لينشر الكتاب من طريقها ، وهذا يطبعها لينشر الكتب من طريق الطبع ومن الحسن اذن ان يراجع الوراق القديم والحديث المراجع حتى استقى منها الكتاب مادته للمقارنة والتصحيح ويشير الى ذلك كما فعل محققا تهذيب الصحاح ولو اشترطنا شرط ابنه الشاطئ ومن سار على دربها من " الفهرسيبين " المحدودى النظر لما قبلنا " صحاح الجوهرى " نفسه وهو انما يقبل على ما اورده الأنصارى فى بحثه القيم ، فانه لم تكن له نسخ كثيرة من اصل تكوينه وتأليفه ، وليس له سوى نسخة واحدة بخط المؤلف بلغت من عدم التنقيح وعدم التهذيب وعدم التداول والنسخ ، فى عهد المؤلف الى نهاية الاختلاف فيها هل هي بكليتها للجوهرى ؟ وما وقع فيها من اخطاء هل عليه عهدته ؟ وهو ما يميل اليه ابن الصلاح حينما قال بعدم قبول ما تفرد به الجوهري وقال آخرون من العلماء ان ما حصل من أخطاء فى الصحاح انما حصل من غير مؤلفه الأصلي ، وذلك انه حصلت له وسوسة فالقى نفسه من سطح داره فمات فبقى سائر الكتاب مسودة غير منقحة فبيضها تلميذه ابرهيم بن صالح الوراق من باب الضاد الى آخر الكتاب ومن هذه الجهة حصل فيه ما حصل من اخطاء . ومنهم من عزا ذلك الى ابى سهل الهروى ، وعلى كل فهذا يدل على عدم اشتراط تعدد النسخ فما ينشر من الكتب او ينقل او يحقق ، وما على التاشرين والمحققين إلا ان يبينوا الأخطاء ، من علمهم ومن مراجعاتهم للاصول المستقى منها الكتاب ، ومع ذلك كله فقد قبل صحاح الجوهري لدى العلماء وعد من الامهات الكبرى لعلم اللغة فقال الشاعر فيه مقرظا :
من قال قد بطلت صحاح الجوهرى لما اتى للقاموس فهو المفترى
قلت اسمه القاموس وهو البحر ان يفخر فمعظم فخره بالجوهر
وقد نسخ الصحاح الشيخ ابن عبدوس من نسخة المصنف المسودة كما نسخه محمد ابن على الهروى من خطه ايضا وذكر انه رواه عن اسماعيل بن عبدوس عن المؤلف ومن خط ابى سهل نقله الوراق العربي العظيم المحقق " ياقوت الموصلي " وكان خطه من الجودة بمكان وقد اقبل الناس على نسخه الكثيرة للكتاب اقبالا عظيما ، وقد اطلع ابن خلكان على احداها ، وذكر ان قيمة كل نسخة من " منشورات " ياقوت من الكتاب كانت بمائة دينار . . هذا فى النشر من طريق النسخ اما فى الطبع فقد اقدموا على طبع جمهرة ابن دريد من نسخة واحدة مع وجود نسخ كثيرة غيرها اقر الناشر المحقق بانه لم يطلع عليها مع
علمه بها ، ومنها نسخة فى أنفس المكاتب البغدادية تحتوى على المجلدين الرابع والسادس فقط ، وعلى ظهر الرابع خط " جنادة بن محمد الازدى اللغوي " وهي اقدم نسخ الجمهرة ومنها نسختان في جامع القرويين بفاس ، ولم يراجعها الناشر ايضا ، وقد عول فى زيادة ستين ورقة على نسخة واحدة أقربانه لا يدرى من اين هي ، وكذلك كتاب ) اسماء جبال تهامة وسكانها ( لعرام السلمي ، قد نشره اخيرا الاستاذ عبد السلام محمد هارون نشر علميا محققا معتمدا فيه على مخطوطة وحيدة فى المكتبة السعيدية بحيدر اباد . . ونفس هذا الصنيع العلمى قد صنع الاستاذ وزميله الاستاذ أحمد عطار ، والنسخة التى نشرا عنها هى نسخة معتمدة نادرة الأغلاط وكل هذا يدل على عدم صحة اشتراط التعدد ، وذلك ان المدار فى اللغة على مطابقة الاصنول مكة المكرمة

