الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

. حول معرض الرسامة أنيسة بن ناصر :، الشكل يبحث عن روح

Share

" إن الفن المعاصر يجب أن يغير لغته التعبيرية " هكذا قال هربرت ريد سنة 1964 (5) وهكذا كنت أفكر عندما كنت أشاهد معرض الرسامة التونسية الأنسة أنيسة بن ناصر الذى أحتل قاعة شارع ابن خلدون الصغيرة ، فتوزعت اللوحات وعددها 37 فى أرجائها وجلست صاحبتها تستقبل حمهورها بحفاوة وتطلع .

إن العالم الذى تعيشه الرسامة - والذى نلمسه من خلال أعمالها - هو عالم " الانسان الحالم " فاللوحات عبارة عن أحلام يقظة وتصورات ، لا تنفى المحسوس الكائن ، بل تنطلق منه لتعبر عن الرؤيا الذاتية . تتردد الوجوه الانسانية فى هذه الاعمال ، وجوه ذات ملامح حزينة حائرة ، والحزن والحيرة هما طابع كل اللوحات تقريبا . تنطمس التعابير بفن واستحكام لتعطينا

احساس الغفوة . . . أى الابتعاد شيئا فشيئا عن المحسوس . كما تعتمد بن ناصر الاشكال الحيوانية والنباتية ، فتحركها بجمال وروح لتصبح ملفتة للنظر المثقف المهذب . أما الخيط الرفيع الذى يطغى على روح أعمالها ، فيجعل منها عملا واحدا هو عنصر " الحب " : إن للحب معنى كبيرا فى كل لوحة . فالوجوه البشرية تتحاضن ، وتحدق فى الأمل بحب . . والطيور تتعانق فى اندماج أمثل ، وحتى الأزاهر تتشابك لتمنحك احساسا بالمحبة العارمة . ففى لوحتى : " ثنائى " و " مصير " تبرز ظاهرة الحب عميقة صافية واضحة . نحس أن الحب الانسانى فى معناه الجنسى أولا والروحى ثانيا يطغى على أنيسة ، هذا الحب هو التلاقح الصرف ، الذوبان فى الآخر ، وفى ذلك معنى سام من معانى الفن الرفيع . . . الصادق .

تغلب على أعمال أنيسة الالوان الغامضة التى لا نجدها يوميا فى الاشياء من حولنا . . . والالوان الكئيبة التى لا تزدهى بمجانية وتفاؤل أحمق .

كما أن عنصر البحث متوفر الى درجة ناجحة . . فالرسامة تكره التقليد والفولكلور كما هما بدون تصرف ، وهى تجهد نفسها من أجل المعاناة الحقيقية للتجربة ، وقد ذكرتنا عدة لوحات بمناخ الرسام " براك " خاصة فيما يتعلق بالزوايا واللون الاسود المعاد . ولا ننس أن نعبر عن تقدير كبير للآنسة بن ناصر عن لوحة من لوحاتها تحمل عنوان " الرجل ذو الشموس الثلاثة " - وهذا رأى شخصى اذ الفكرة نبيلة والأبعاد محملة بالرمز الثرى ، مع تواضع اللون ( أبيض وأسود ) زيادة على هرمونية الاشكال ، وطرافة الموضوع .

إن معرض أنيسة بن ناصر خطوة جريئة فى سبيل اقرار قيم جديدة للفن ، وذلك بفتح آفاق ذاتية واسعة ، واكتساح دروب البحث المضنى مع المحافظة على طابع الامتاع فى اللوحات لأننا مهما طالبنا بالتجديد والانفراد بالطرق ، فاننا نبقى فى ذاكرتنا على آثار العظماء لا ننساها ، بل لا نستطيع أن ننساها مهما أجهدنا أنفسنا . . فنحن نطلب المتعة من الفن ، وقليلون هم الذين يخدمون قضايانا ويثيرون تفكيرنا من خلال عملية " الامتاع " بالجمال المطلق .

اشترك في نشرتنا البريدية