الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

حول مفهوم "الادب مأساة أو لا يكون "،

Share

سيداتى ، سادتى ، (*)

بكامل التأثر اتناول الكلمة بين أيديكم الكريمة . فانه حقا لداع من دواعي الشرف والغبطة والاعتزاز ولكنه في نفس الوقت رهيب بل جد رهيب ، هذا الموقف الذي أقفه فى هذا الحفل المشهود وامام هذا الملأ العظيم من رجالات السلطان والفكر والادب والعلم . وكيف لا يكون موقفي رهيبا امام ما غمرتموني به جميعا من كريم الاحتفاء - حضورا ومدحا واطراء - حين أشعر بان لسانى -  ولو استعان بكل وسائل البلاغة والبيان - عاجز عن ايفاء فضلكم حق قدره من الشكر والامتنان كما سبق له ان عجز امام فخامة الرئيس المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة عن ايفائه حقه من الثناء والحمد على ما أولانى من شرف اسنى . على ان فيما قد يبدو لكم من تأثرى العميق لخير دليل على ما يملأ النفس من مشاعر العرفان بالجميل نحوكم وعواطف الخجل والتواضع أمامكم التواضع بل محاسبة النفس حتى لا يورثها المدح غرورا ولا التكريم زهوا .

على انه ليس من باب التواضع ولا محاسبة النفس شكلا بل من الحقيقة المركزة فى قرارة الضمير انى لم اشعر قط أمس ولا أشعر اليوم ان لى فضلا خاصا استحق من اجله فائق التكريم وسنى الجزاء . وانما هو انى حرصت طول حياتي وفي كل مآتي وتصرفاتى على تمحيص الواجب الذي يجب على ان اقيم عليه نشاطاتي ومساعي وأعمالى ، وان اضفى به الكرامة والاصاله على حياتي . وكما قلت في كلمة الشكر التى القيتها على مسامع المجاهد الأكبر يوم شرفني بتوسيمي ومجازاتى فهل هناك شئ هو اروح على الانسان او

ادعى لشرف النفس وطمأنينة الضمير من القيام بالواجب . اعنى الواجب الخالص الجوهر الذى لا يؤمر به الانسان ولا يملى عليه من الخارج بل الذى يستنبطه صاحبه من صميم أعماقه ويفرزه من حي احشائه ويصوغ منه معدن حياته .

وعلى هذا الوجه وفي هذا المعنى - كما تفضلتم بالتذكير به فى كلمتكم اللطيفة حضرة الاخ الكريم - كان اسهامى المتواضع فى الحقل الوطني اولا كمناضل دستورى ومسؤول نقابى وفى الحقل التربوى ثانيا كاستاذ حرص على تعليم الشباب الشعور بكرامته وبشرف اصله وإصالة ثقافته وعزة وطنه وانسانية حضارته حتى يعيش حرا معتزا بذاتيته ثم فى الحقل الثقافي والادبى ثالثا بما كتبت من مقالات وما جاهدت من جهاد في الدفاع عن الذاتية الثقافية القومية وما ألفت من كتب حملتها خير ما محصته وآمنت به من مؤصلات الكيان ومركزات روح البطولة ومعنى المسؤولية فى صلب مغامرة الوجود .

تلك هى الصيغ التى صغت على قدها حياتى الادبية والفكرية والسياسية والاجتماعية دون ان أفرق لحظة واحدة بين الادب والفكر والخيال والعمل لانها جميعا عندى ظواهر مؤتلفة متلازمة من المسؤولية الوجودية .

واذ قد خص الاديب فى شخصى المتواضع بعناية خاصة وحفاوة ممتازة فلتسمحوا لى - ايها السادة الفضلاء - بان اعرج بكم الى حد ما على بعض التساؤلات حول الادب والاديب ووظيفة هذا ومفهوم ذاك ، وهو الموضوع الواسع الارجاء الذى تعلمون جميعا انى حمت حوله وقلبت فيه التفكير على وجوهه منذ العهد الذى كتبت فيه سنة 1945 فى مجلة " المباحث " : " الادب مأساة أو لا يكون ، مأساة الانسان يتردد بين الالوهية والحيوانية ، وتزف به في اودية الوجود عواصف الم العجز والشعور بالعجز : امام الفضاء امام الموت امام الحياة امام الغيب . أمام الالهة . امام نفسه ..." - من ذلك العهد الى السنوات الاخيرة وما حررت فيها من مقالات ومحاضرات عالجت بها مفهوم الادب ومضمونه ورسالة الاديب ومسؤوليته محاولا فى كل ذلك التوسع والتعمق فى التحليل والتدقيق .

ومما استسمحكم فى التذكير به فى هذا الصدد انى فى مؤتمر ادباء العرب بليبيا سنة 1977 كنت قلت فيما قلت ان الاديب ينبغي له أن يكون المرآة الصادقة لجماع قصة الانسان وخلاصة مغامرته وتحربته للكان وزبدة ما

يستنبطه من أعمق اعماقه من أجوبة عن حيرته وتساؤلاته ، اى ان يكون رسالة الانسان الى الانسان .

بل قل جازما ان الادب سبيل الانسان الى انسانيته وان وظيفته الاساسية تمحيص المنزلة البشرية وتوضيح رسالة الانسان فى الكون وتحليل معنى الحياة وما يبغى ان تنصف به لتكون جديرة بان يحياها الانسان ويضطلع بها عن وعي واعتزاز .

وعلى هذا الوجه يصح ان ينعت الادب - كما كتبت فى مقال نشر بجريدة الصباح سنة 1951 - بانه بلوى ذاتية لا يعرفها حق المعرفة الا الذين عرضوا انفسهم لكل بلية باطنة وكل معضلة دخيلة ودوت التجربة فى افئدتهم بجميع اصداء الكون والكينونة والصيرورة والفساد فهم ينشئون الكيان والانسان انشاء . وجماع ذلك ان الانسان - دون سائر المخلوقات - كائن مسؤول لان الله قد وهبه امكانيات معينة هو حر فى تحقيقها او عدم تحقيقها فهو على كل حال خالق لمصيره بيده خلقا حرا نابعا من قرارة الذات الحية وارادتها . وتلك خاصية الذاتية الانسانية ، التى أشرت اليها بقول فى مقدمة "حدث ابو هريرة قال " وان كل كيان لجهد وكسب منحوت " .

لكن هناك أمر أريد ان أتساءل فيه بين أيديكم - ولا أنسى انى كتبت من اقدم القدم : كان السؤال لزوم ما لا يلزم فى كيان الانسان وقلت فى تقديم كتابى الاخير " تاصيلا لكيان " انه مجموعة كتابات توالت وتباعدت فى الزمن العديد وتقاطعت متصلة فى امتداد سؤال واحد لا يزال ينشد جوابه : من أنا ؟ وممن أنا ؟ وأين السبيل منى الى او منى اليك ؟ فمنى الى الكون او الى ما وراء الباب الذي وراءه العدم " . أريد ان أتساءل بين ايديكم : إذا كان مما قد يسلم به ان الآداب فى جوهرها من نفحات الانسانية فى معناها الاعمق والاشمل والاقدم فهلا يكون من الزهو او من الخطاء ان يدعى الادب انه معدن انسانية الانسان او الآداب انها تستحق مانعتها به بعض فحول الحضارة من الامم حين سمتها " بالانسانيات " Les Humanites ؟ ليست الحقيقة أن أقصى ما يمكن ان يطمع فيه الادب هو ان يصلح لتدريب الانسان الناشىء على ان يكون ولاعطائه على السنة عباقرة الشعراء والكتاب والمفكرين الناشئ صيغا ومثلا ونماذج قد يقتدى بها او يهتدى بهديها فى مسيرته نحو تحقيق انسانيته واضطلاعه بمغامرته الوجودية ونحت كيانه الانسانى . ثم اليس الواقع الذى لا ينكر من ناحية اخرى ان مثل التدريب ومثل هذه الفائدة

التى يفيدها الادب فى تكوين الانسان يحد من مفعولهما وصلاح أثرهما أمران .

أولهما ان منطلق مأساة الانسان البطولية انه محكوم عليه حتما ان يبتدئ حياته من صفر وان ينطلق من الفطرة الساذجة خالى الوفاض من كل زاد موروث ليبني كيانه جهدا بالتدرب والسعى الدائب حتى يكتسب ويستبطن اقصى ما يمكنه مما كسبته الانسانية عصرا بعد عصر وحضارة بعد حضارة من مكاسب الثقافة وفتوحات العقل والشعور وطاقات العمل والخلق . وليس للانسان من سبيل لتحقيق منزلته الوجودية غير هذه الافرازات التى يفرزها من نفسه فى خلجاتها المأسوية .

اما الامر الثاني الذي ينبغى ان يتجنبه الادب فهو ان يزاغ بطاقته التكوينية نحو وظيفة تعليمية فيخرجه ذلك عن طبعه الانشائى الخلاق الى دور التلقين والارشاد ويجعل منه على هذا الوجه اداة ابطال او تعطيل للذات او عائقا عن اصالة الكيان ويميل به الى شبه تكييف للذات بحسب نموذج او نمط من الكيان مقلدا او ممسوخ بينما الادب الحق ينبغي له أن يكون خادم الحرية والبطولة فى آفاق المغامرة الوجودية وداعيا لاستنباط الذات البشرية كجوهر فرد فى كنف المسؤولية الحرة الخلاقة .

وان أخشى ما أخشاه على ادبى خاصة وكل ادب اصيل بصفة عامة ان يناله من سوء الفهم مثل هذا الصرف له عن ماهيته الانشائية الى الوظيفة التعليمية والفائدة التلقينية .

تلك هي - ايها السادة والسيدات - زوايا الرؤية العامة التى حاولت ان اضطلع على ضوئها بمسؤوليتى الوجودية الشاملة جامعا فيها بين الادب والثقافة والسياسة والحياة قولا وفعلا بصلة جذرية جدلية احمد الله تعالى على أن وقاها من آفة التنافر والنشاز راجيا ان لا يطلب طالب من ادبي تعليما ولا تلقينا وان لا يجد باحث فيه غير الدعوة الى خلق كيانه بيده فى حرية ومسؤولية متمنيا فى الاخر ان لا يكون لدى غيرى الا صورة من وسائل التوليد للانسان وقصة صادقة لما تدربت به شخصيا على ان اكون .

واسمحوا لي فى الختام ان اجدد التعبير عن شكرى الجزيل لكم وثنائى الفائق عليكم لما حفيتموني به من فضل التكريم والاحتفاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

اشترك في نشرتنا البريدية