الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

حول مفهوم الظرف

Share

الظرف من أشد المفاهيم الاجتماعية استعصاء على الايضاح والتحديد ، وذلك لأنه ظاهرة معقدة يشارك فيها كيان الشخصية أجمع .. كتلة مركزة من خصائص ذهنية وشعورية وأخلاقية متضافرة متفاعلة . ولقد زادها عسرا وامتناعا تطاول أمد عمرها (1) وتنقلها فى بيئات من المملكة الاسلامية مختلفة من حيث طبيعة العمران ، متفاوتة الحظ من الحضارة فاتسع مضمون النواة الاولى للكلمة وتطور تبعا للنمو الحضارى والازدهار الثقافى حتى لم يعد بينه وبين الظرف فى عهده الاول الا نسبة ضئيلة.

فمن مظاهر هذه الصعوبة.. صعوبة التحديد وأسبابها ما نلاحظه من قرابة وثيقة بين الظرف ومفاهيم أخرى كالفتوة والمروءة والملاحة ، وهي قرابة تبلغ حد اللبس أحيانا (2).

كما أن مما يعسر تحديد مفهوم الظرف انطباقه على فئات وأصناف من المجتمع مختلفة شديدة الاختلاف بل ومتعارضة من حيث الاخلاق والسلوك والنظرة إلى الحياة ، فمن الظرفاء الماجن الزنديق والدين التقى ، والمترف المتنعم والزاهد الصوفي ، والشريف من علية القوم والعامى ، تاجرا كان او صانعا بصرف النظر عن حظه من الرزق ونوعيته حتى أننا لنجد الظرف يشمل الشطار والعيارين (3)؛ وهكذا تطلق الكلمة على مواقف واحوال متباينة متنافرة الى درجة التضاد .

ومما يزيد الامر اشكالا تعدد وجوه استعمال الكلمة ، فهى تتعدى فى دلالتها الاشخاص والمواقف والاحوال فتشمل أيضا الافعال والاحداث والحيوان  والأشياء (4) .

فماذا تأتينا به كتب اللغة من عون ازاء هذا الجم الغفير من الدلالات المتعددة المتشابكة المتضاربة .. إزاء هذه المشكلة التى من أسبابها الرئيسية - فضلا عن عوامل الزمن والبيئة والنزعات الفردية - طبيعة اللغة العربية وعبقريتها الخاصة في التعبير المتمثلة فى ذهابها مذهب الشمول والتأليف ؟ يقول صاحب اللسان ما ملخصه :

"الظرف البراعة وذكاء القلب يوصف به الفتيان الازوال والفتيات الزولات ولا يوصف به الشيخ ولا السيد . وقيل الظرف حسن العبارة ، وقيل حسن الهيئة ، وقبل الحذق بالشئ ... وتظرف فلان أى تكلف الظرف ... الاصمعي وابن الاعرابي : الظريف البليغ الجيد الكلام ؛ وقالا : الظرف فى اللسان

واحتجا بقول عمر فى الحديث : إذا كان اللص ظريفا لم يقطع ؛ معناه : إذا كان بليغا جيد الكلام احتج عن نفسه بما يسقط عنه الحد . وقال غيرهما : الظريف الحسن الوجه واللسان ، يقال لسان ظريف ووجه ظريف ، والظرف فى اللسان البلاغة ، وفي الوجه الحسن ، وفي القلب الذكاء .. وقال محمد بن يزيد : الظريف مشتق من الظرف وهو الوعاء كأنه جعل الظريف وعاء للادب ومكارم الاخلاق ، ويقال : فلان يتظرف وليس بظريف ... وفى حديث لابن سيرين : الكلام أكثر من أن يكذب ظريف أى أن الظريف لا تضيق عليه معانى الكلام فهو يكنى ويعرض ولا يكذب ".

خلاصة ما جاء باللبسان أن الظرف هو الذكاء والبلاغة والبراعة وحسن الوجه والهيئة ، وأن الظرف وعاء للادب ومكارم الاخلاق ، مع تأكيد واضح لخاصية البلاغة.

اشارات مفيدة (5) لكن تغلب عليها النظرة الجزئية المجزئة لوحدة الظرف ، وهي لا تعدو أن تكون خطوطا عامة لان هذه الخصال قد نجدها عند الظريف وغير الظريف .

وقل مثل ذلك فى كتب الادب المفردة للظرف المخصصة له فهى ، على كبير غنائها وفائدتها الجمة ، لا تقربنا كثيرا من الغاية التى ننشدها أعني حقيقة الظرف وخصوصيته.

يقول الوشاء فى تعريف الظرف ما خلاصته : " اعلم أن عماد الظرف عند  الظرفاء وأهل المعرفة والادباء : حفظ الجوار ، والوفاء بالذمار ، والأنفة من العار ، وطلب السلامة من الأوزار ... ولن يكون الظريف ظريفا حتى تجتمع فيه خصال أربع : الفصاحة والبلاغة والعفة والنزاهة ، وسألت بعض الظرفاء عن الظرف فقال : التودد الى الاخوان ، وكف الاذى عن الجيران ، وقال آخر : الظرف ظلف النفس (أى ضبطها) ، وسخاء الكف ، وعفة الفرج . واخبرني أحمد بن عبيد قال : قال الاصمعي بن الاعرابي : لا يكون الظرف الا فى اللسان ، يقال : فلان ظريف ، أى هو بليغ جيد المنطق ، ومنه حديث عمر بن

الخطاب .. قال : وروى عن محمد بن سيرين انه قال : الظرف مشتق من الفطرية ، وقال غيره : الظرف حسن الوجه والهيئة ، وقال بعض المشيخة: الظريف الذي قد تأدب وأخذ من كل العلوم فصار وعاء لها فهو ظرف.. وسألت بعض متظرفات القصور عن الظرف فقالت : من كان فصيحا عفيفا كان عندنا متكاملا ظريفا ، ومن كان غنيا عاهرا كان ناقصا فاجرا . وقال بعض الادباء : الظرف ظلف النفس ورقة الطبع وصدق اللهجة وكتمان السر.. " (6).

الجدير بالملاحظة إبراز الوشاء للجانب الاخلاقي الاجتماعى من الظرف وتوفيته لحقه ؛ كما أن هناك لمحة ، وإن خاطفة الى الجانب الشعورى (التودد الى الاخوان وفيه اشارة الى معنى الصداقة - رقة الطبع)، وهي معطيات تمثل خطوة لا بأس بها بالنظر الى ما جاء فى اللسان ، الا انه يؤخذ عليه انه يسوق تعريفات مختلفة ، كما اتفق ، دون أى تعليق ولا محاولة توفيق أو تأليف ، ولا تعليل لما بينها من فوارق ترجع الى اختلاف العصر ووجهة النظر.

أما ابن الجوزى فى " كتاب الظراف والمتماجنين " (7) فقد تدارك - وان في إيجاز - الجانب الشعورى والجانب الذوقى الفنى (8) وهو من مقومات

الظرف الرئيسية ، وقد اكتفى كل من صاحب اللسان وصاحب الموشي بالاشارة اليه اشارة مقتضبة مبهمة.

كما أن ابن الجوزى انفرد بذكر خاصية من أهم خواص الظرف وأعنى بها ملاحة الفكاهة والمزاح ؛ وقد حاول أيضا أن يجمع ويوفق بين مختلف مقومات الظرف فلم يأخذ بعين الاعتبار ما جاء من أقوال من شأنها أن تحد مفهوم الظرف (مثلا قول الاصمعي وابن الاعرابي) وهي تدل على ضيق نظر يتمثل فى التشبث بالمفهوم الاصلى لكلمة ظرف دون التفات الى حياة الكلمة ولا مراعاة لواقعها المتطور.

على أننا لا نخرج بفكرة واضحة كل الوضوح عن ماهية الظرف وميزته الخاصة به لولا ما فى الكتاب من أخبار ونوادر تصف لنا الظرف وصفا حيا وإن دار أغلب هذه النوادر وهي جد قصيرة حول الفكاهة والمزاح ، وبراعة الاحتجاج ، وحسن التخلص . وهى لذلك لا تعطينا صورة وافية شاملة عن الظرف .

ومجمل القول فيما يخص كلا من "الموشى" و"كتاب الظراف والمتماجنين" أن ما جاء فيهما من تعريفات هو دون ما توحى به مادة الكتابين وما تنطوى عليه من معلومات وأوصاف وأخبار ظلت مادة خاما لم تستغل كما يجب ، ولم يلتفت الى ما فيها من دلالة على الواقع الاجتماعى الحى تاريخيا كان أو معاصرا فكل من الوشاء وآبن الجوزى قد بقى أسير المفاهيم والتعريفات اللغوية ، والمعاجم ، كما هو معلوم ، وخاصة المعاجم العربية تقصر عن إعطاء صورة أمينة وافية من الحياة ، ولم يحاولا استخلاص لب الظرف وروحه من بين شتات جملة الخصائص المكونة له ؛ وهكذا قد بقيا عند مرحلة الوصف لم يتعدياها الى مرتبة التعريف الحق (9) ..

ولعل أحسن عون وأنفع زاد ما تقدمه لنا أمهات الادب (من أخبار وملاحظات وتعليقات)، ونخص بالذكر منها مؤلفات الجاحظ والتوحيدى وكتاب الاغاني الذي يعتبر بحق " قاموسا " للظرف ومعرضا زاخرا بنماذج من الظرفاء متعددة نابضة بالحياة .

على ان الانتفاع بهذه الكتب القيمة ليس بالامر الهين ؛ إنها تقتضينا قراءة خاصة .. أن نستنطق النص فى حياده الظاهر وصمته البليغ الممتنع بالرجوع إلى القرينة والسباق ، سياق النص الواحد ، وأحيانا إلى سياق جملة من الاخبار المتوالية المتصلة بمحور واحد - لتتيسر لنا عملية تحديد معنى الظرف فى مختلف الاخبار والنوادر.

ومما يحتم الرجوع الى سياق مجموعة من الاخبار أن يكون الكاتب فى موقف اجمال وايجاز قد نحا فى التعبير منحى التأليف والتركيز ، فيكتفي بذكر كلمة الظرف منفردة شبه منقطعة ، فلا يزول ما يحف بها من إبهام او غموض إلا بوضعها فى إطارها الدلال الحى ، فاذا هي جزء تنتظمه وحدة ناطقة معبرة .

جاء في كتاب الاغاني : "أول من غني بالعربى بالمدينه طويس ، وهو أول من ألقى الخنث بها ... وكان لا يضرب بالعود وانما كان ينقر بالدف ، كان ظريفا عالما بأمر المدينة وأنساب أهلها وكان يتقى للسانه . . "(10). وقد ترد الكلمة مشفوعة بأوصاف او نعوت هى بمشابة التحليل والشرح لها ، وكان الكاتب عمد الى مرحلتين فى تفكيره وتعبيره فسلك اولا طريق الاجمال والتأليف ثم طريقة التفصيل والتخصيص ، مؤكدا أبرز خواص الظرف عند الشخصية.

يقول صاحب الاغاني : " ... وهو (أى مطيع بن إياس) شاعر من مخضرمى الدولتين الأموية والعباسية ، وليس من فحول الشعراء فى تلك ، ولكنه كان ظريفا خليعا حلو العشرة مليح النادرة ماجنا متهما فى دينه بالزندقه.." (11)

وقد يسلك الكاتب مسلك التحليل والتفصيل وحده دون أن يذكر الظرف ، مستعيضا عن الكلمة بجملة من الاوصاف والدلالات المعادلة لها ، أو الخصائص التى تنطوى عليها وتتألف منها صفة الظرف ينثرها نثرا .

".. وكان (أبو عيسى بن الرشيد) من احسن الناس وجها ومجالسة وعشرة وأمجنهم وأحدهم نادرة وأشدهم عبثا ..." (12) .

ومثله : ".. كان عيسى بن دأب كثير الادب عذب الالفاظ ... وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر ، حسن الانتزاع له . . " (13) وكذلك قوله فى التعريف بشخصية المغنى حنين الحيرى عند بدء اتصاله بالفن : كان حنين غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة ، وكان لطيفا فى عمل التحيات ، فكان اذا حمل الرياحين الى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين الى الحيرة ، ورأوا وشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه استحلوه وأقام عندهم وخف لهم . . " (14) .

وقيمة هذه التدقيقات لمفهوم الظرف ومقوماته ، ووجه امتيازها على التعريفات المجردة الباهتة التى عرضنا لها آنفا أنها جاءت ضمن إطار تاريخى محدد يجعل من نصوص الاغاني وثيقة بالغة الاهمية يمكن بفضلها أن نضبط الى حد ما تاريخ الظرف وتطوره خلال القرون الثلاثة الاولى .

على أن أعظم فائدة نجتنيها من أخبار الاغاني خاصة - وهى تعتبر بحق تراجم أدبية ذات وحدة مركزة هي وحدة شخصية الشاعر أو الاديب المترجم له ، لا ركاما من النوادر والحكايات المنتثرة كما اتفق - انها تصور لنا الظرف وتمثله تمثيلا من خلال شخصيات زاخرة بالحياة ، وذلك لما أوتى أبو الفرج من قدرة عجيبة على تقمص بيئات وعصور مختلفة يبعثها بعثا ويعيد اليها حياتها الخاصة وجوها النفسى الخاص ، ويبرع البراعة كلها فى محاكاة لغة كل منها "محاكاة فنية" مبدعة حتى كأنه عايش بل عاش حقا هذه العصور والبيئات جميعا (15) فأمكننا بذلك أن ندرك الظرف ادراكا مباشرا حميما . . ادراك

الحى للحى ، وأن ننظر الى هذه الظاهرة فى الصميم منها نظرة تأليفية حركية  اعني في حال عمل الصفات والعناصر التى يتألف منها الظرف وتفاعلها وتأثيرها فى الشخصية ، فنهتدى الى غاية الظرف والطريق المؤديه اليه .. الى أصل القوة الدافعة له ومنحناها الحي ، وباختصار الى روح الخلق فيها.

فالظرف أساسا نظرة خاصة الى الحياة وموقف خاص منها ، ومن الناس والاشياء.. موقف يلتقي فيه الحس الجمالى الحاد بالوعى الخلقي العميق ، فاذا هما وحدة لا تنفصم تحفز الطريف الى تجاوز ذاته على جميع المستويات والاقتراب من أفق انسانيته ، فلا يستطاع لذلك تبين طبيعة هذا الدافع وتتميز عناصره لانه فكر وخلق وفن .. حاسة مشتركة التكوين ، واحدة الهدف والمفعول . فالظرف ليس علما ولا فنا ولا خلقا فحسب ، هو كل ذلك وفوق ذلك (16).

والظرف نظرة فنية "متفلسفة" الى الحياة .. نظرة تعنى جهدها بالكيف وتعتمده مقياسا في كل شئ . فالظريف يعيش الفن ويحققه فى حياته تحقيقا والحياة عنده هي أساسا أسلوب وطريقة.

ولعله في وسعنا ، على ضوء ما تقدم ، أن نحاول تقريب معنى الظرف وتسليط مزيد من النور على حقيقته لا تعريفه لان الظرف ككل ظاهرة حية يتعذر تعريفه ، فالظرف صياغة فنية للحياة ، والظريف هو ذلك الذكى الخفيف الروح الرقيق الشعور يسعى جهده ليصوغ حياته - ذوقا وتفكيرا وبيانا وسلوكا - صياغة ممتازة (17) تنأى بها عن السخف والابتذال مع حرص على الاصالة والابتكار ، فالظرف كالفن تماما.. انه خلق وابداع أو لا يكون

ان النادرة (أى النكتة) الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا . وانما الكربون الذى يخيم على القلوب ويأخذ بالانفاس النادرة الفاترة التى لا هي حارة ولا هي باردة . وكذلك الشعر الوسط ، والغناء الوسط " . البيان ص 110-111 .

المصادر

الجاحظ : كتاب الحيوان ، 7 أجزاء - البخلاء - البيان والتبيين ، 3 أجزاء - الرسائل ، جزءان التوحيدى : الامتاع والمؤانسة ، 3 أجزاء - أخلاق الوزيرين - الهوامل والشوامل - البصائر والدخائر ، 6 أجزاء - الصداقة والصديق - رسالة فى علم الكتابة أبو الفرج الاصبهانى :الاغانى ( منشورات دار الفكر - مكتبة الحياة ( بيروت 1955

الوشاء : الموشى ابن الجوزى : كتاب الظراف والمتماجنين. الثعالبي : كتاب خاص الخاص - كتاب سحر البلاغة وسر البراعة. ابن قتيبة : عيون الاخبار ، ج 1 (طبعة دار الكتب المصرية) . ابن الرقيق القيروانى : قطب السرور فى الاشربة والخمور. أبو المطهر الازدى : حكاية أبى القاسم البغدادى. ابن المعمار البغدادى : كتاب الفتوة. ابن حزم الاندلسي : طوق الحمامة.

المراجع

صلاح الدين المنجد : الظرفاء والشحاذون في بغداد وباريس - كتاب الخلفاء والخلعاء فى العصر العباسي. أحمد أمين : الصعلكة والفتوة في الاسلام. العقاد : شاعر الغزل .

المراجع الاجنبية

- Brockellann . art . Wassa' in E . I )1) IV , 1186 ; - Ferid Ghazi . Studia un groupe social " Les Rafines"  Studia Islamica 11/1959 . J . Claude Vadet L' Esprit Courtois en Orient dans les cinq premiers siecles de I' Hegire

اشترك في نشرتنا البريدية