لا يخفى على أحد أن الطباعة العربية تعانى عدة صعوبات فنية ناجمة خاصة عن طبيعة الحروف العربية التى تختلف باختلاف موضعها فى الكلمة هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فان الحركات التى تصحب الحروف عادة تزيد المسألة تعقيدا ، واجتنابا لذلك فقد التجأ اصحاب المطابع إلى طباعة النصوص غير المشكولة ولكن هذا لم يحل المشكلة إذ ان عنصرا من عناصر صعوبة الطباعة ما زال قائما وهو اختلاف نوعية الحروف باختلاف موضعها فى الكلمة ثم إن خلو الحروف من الشكل يجعل الاقبال عليها قليلا جدا خاصة من بين المبتدئين اذ يستحيل عليهم قراءة نصوص غير مشكولة . ولقد طرق الأستاذ البشير من سلامة هذا الموضوع طرقا دقيقا فى مقال له نشر بمجلة الفكر تحت عنوان فى سبيل تيسير الطباعة العربية " على أن صاحب المقال لم يقتصر على إثارة المشكل وإبراز مختلف جوانبه بل اكتشف الداء ووصف الدواء إذ عرض علينا طريقة جديدة لطباعة النصوص العربية ولقد حاول الأستاذ البشير بن سلامة أن يتلافى كل الأخطاء والعيوب التى تضمنتها طرق أخرى كان قد عرضها بعضهم من قبل . فهل وفق فى هذه الطريقة الجديدة التى استنبطها لتسير الطباعة العربية ؟ وهل تذلل هذه الطريقة كل الصعوبات التى تخلقها الطباعة العربية ؟
ان طريقة الأستاذ البشير بن سلامة تعتمد خاصة على الحركة وكذلك الرابط الذى يصل بين الحروف فهو بذلك إجتاز عقبتين رئيسيتين
اولا النصوص ستكون مشكولة شكلا تاما اذ أن الآلة تحتوى على كل الحركات ما عدا السكون الذى اثبته بصفة سلبية أى أن " كل حرف لا يحمل حركة " يعتبر ساكنا وعلى هذا الأساس تصبح فى متناول كل الناس حتى المبتدئين منهم
ثانيا إن هذه الطريقة تعتمد أيضا على الرابط اى السطر الذى يصل بين الحروف ولعل طرافة ودقة الطريقة تبرز فى هذا الاعتماد على الرابط ذلك ان السطر الذى يصل بين الحروف سيلعب دورين : أولهما حمل الحركات
والدور الثانى يتمثل فى اتمام جزء من اجزاء بعض الحروف وبذلك تمكن الأستاذ البشير بن سلامة من اختصار العدد الكبير من الحروف اذ اصبح 58 حرفا بعد ان كانت تزيد عن المائة - وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن هذه الطريقة تساعد على تذليل أهم الصعوبات التى تعترض المطابع ولكن هذا لا يعنى أنها خالية من العيوب
ولا شك أن الطريقة التى التجأ إليها الأستاذ البشيير بن سلامة تعتمد اعتمادا كبيرا على الرابط وهذا الاعتماد ينتج عنه بعض المشاكل
اولا - إن وضع الحركات على ذلك الرابط الذى يصل بين الحروف من شأنه أن يكون مدعاة الى الالتباس عند القارىء المبتدئ إذ قد يختلط عليه الأمر ولا يعرف بالضبط إلى أى حرف تنتسب هذه الحركة أو تلك
ثانيا - إن جعل جزء من بعض الحروف موجودا في الرابط الذى يحمل الحركة من شأنه أن يصيرها مبتورة أو يمس برونقتها فتصبح منحرفة ولا يخفى على أحد أن لهذا الانحراف تأثير سئ بالنسبة للأحداث والكهول المبتدئين ويتمثل هذا التأثير فى رداءة خطهم إذ لا شك أنهم سيتأثرون بما يقرأون من حروف .
ثالثا يبدو انه لا فائدة فى ترك السكون وتعويضه تعويضا سلبيا إذ أنه قد يؤدى ذلك - بعد وقت طويل - الى أن تصبح هذه الحركة مجهولة بالنسبة للأحداث خاصة .
وأخيرا ومهما يكن من أمر فان العمل الذكى الذى قام به الأستاذ البشير بن سلامة لا يخلو من مزايا ولعل مزياه تفوق بكثير عيوبه المحدودة والنسبية إذ هى عيوب جزئية يمكن تداركها بسهولة فيكفى أن يقبل أهل الأختصاص على هذه الطريقة ليدخلوا عليها بعض التهذيب حتى تصبح بحق الدواء الناجع لما تشكوه الطباعة العربية من ستقام فتساهم بذلك فى احداث ثورة فى الطباعة وتصبح عاملا من عوامل النهضة الثقافية ببلدنا وكل ما نرجوه هو أن يقبل المعنيين بالأمر على هذه الطريقة بصفة جدية حتى تدخل حيز التطبيق
تعليق
شكرا للسيد عبد الله أحمدى على اهتمامه بهذا الموضوع وتمحيصه لما ورد فيه من آراء . وشكرا على نقده واستخراجه لعيوب الطريقة التى اقترحتها فى هذا المجال . على أننى اجيبه عن مآخذه بما يلى :
أولا : ان وضع الحركات على الرابط لا يترتب عنه مبدئيا خلط بين الحروف وحتى إذا كانت الحركة بعيدة شيئا ما عن الحرف فان طبيعة الامور تقتضى ذلك إذ أن الحركة فى الحقيقة ليست لاصقة بالحرف ولا هى ذيلا له بل يجب أن تكون مستقلة شأنها كشأن الحركات الطويلة ـا ـو ـى ( voyelles longues وتاريخ اقحام الشكل فى النصوص العربية يدل على ذلك . إذ أن العرب - على ما يظهر - بعد أن كتبوا القرآن بدون حركات فى أول الأمر اضطروا الى اللجوء اليها خوفا من اللحن ولكنهم لم يتمكنوا من زيادتها بعد الحروف (consonnes كما هو الشأن بالنسبة للحركات الطويلة خشية تشويه الكتاب المقدس فاقتصروا على اثبات الشكل فوق الحروف أو تحتها . لذا فان المسألة تنحصر فى التعود وفى قدرة مصمم الكتابة المطبعية على تلافى كل خلط . وهذا مثال لذلك :
الكتابة النموذجية
ثانيا : إن الحروف التى استنبطها لا تظهر مبتورة الا اذا وجدت منفردة تماما أما إذا اقترنت بالرابط فانها تصبح كاملة . ولو فرضنا أن الكتابة التى تنجر عن هذه الطريقة تظهر منحرفة شيئا ما فان ذلك لا يؤثر على ذوق الناشئين لأن المثال الذى عليه يسير المبتدئ ليس هو دائما الكتابة المطبعية فاذا نظرت مثلا الى الفارق بين الحروف المطبعية اللاطينية وبين الكلمات التى يرسمها المعلم للمبتدىء فى السبورة أو فى الكراس تبينت أن ذلك لا يؤثر فى شئ على الذوق والحال ان الحرف المطبعى اللاطينى بعيد جدا عن الحرف بخط اليد . ثم ألم يحن الوقت بالنسبة إلينا أن يكون لنا أيضا حروف طباعة بأتم معنى الكلمة تخضع لمقتضيات التقنية المطبعية ولجمال الخط العربى وأظن أن طريقتى راعت هاتين الناحيتين
ثالثا : فيما يخص السكون فان ما لاحظته اشاطرك فيه ، ولعله من الأحسن إثباته ولو أدى إلى زيادة حرفين فى الجدول الذى رسمته سابقا .
وأخيرا أجدد شكرى للسيد عبد الله أحمدى راجيا أن أكون قد وفقت فى الرد تاركا للقارئ الكريم المجال للتقييم والحكم

