ملتقى حضارات وبعد - الإمبراطورية الثقافية - حركات حافظت على كياننا - التربية والأجيال - ازدواجية لُغوية وفكرية - بعض المواقف... استجابة لعبقرية الأمة .
هذه هي أهم مدارات بحث السيد القديدي ، ومن تسلسلها يتضح أنه يقف ضد اعتبار تونس مجرد ملتقى حضارات " متلقية للرياح والعواصف غير مانحة قسطها " ، كما يرفض أن تكون تونس أمة مغلوبة تكتفي بالخضوع لعمالقة الثقافة . ثم يرجع الكاتب إلى تاريخنا القريب ليدلل بالشابّي والحداد على فكرة الحفاظ على كياننا فيتخلص إلى حاضرنا ليقرّ واقعًا لاحظه الباحثون هو " الذبذبة " و " الازدواج " في اللغة والفكر والقطيعة بين الأجيال في المجتمع .
ما العمل ؟ المواقف كثيرة أبرزها التونسة والتعريب وهنا نصل إلى الغاية وهي ضمان هدف أمتنا الأول : الاستقلال الثقايى والتربوي والفكري الكامل الشامل ".
أرجو أن يكون السيد القديدي قد أخطأ التعبير عن فكرة شبيهة بهذه لفظًا مختلفة عنها معنى ، إذ من الواضح إنه في عصرنا هذا لا يمكن لأمة من الأمم مهما انعزلت عن العالم أن تستقل استقلالاً ثقافيًا وتربويًا وفكر يا كاملاً شاملاً ، إن موجات الأثير وأشعة اللازار تتحدّى قمم الهملايا وجدران الصين .
لا إمكان للرفض ، إنما يمكننا أن نختار ونبتاع لأمتنا ما يصلح لها من بضاعة ثقافية ، ثم أن ننتج ونصدر . لعل هذا ما يقصده السيد القديدي بعبارة " حوار الثقافات " . المحاورة كالملاكمة ، إثارة وتبادل وأحسن طريقة للدفاع هي الهجوم، علينا إذن ألا نخشى ثقافات العالم وأن نفرض عناصر ثقافتنا وأن نصدرها
لتؤثر في ثقافات العالم . علينا أن نفتح الأسواق العالمية للكتاب التونسي والأسطوانة التونسية كما فتحناها للبرتقال والكسكسى والهريسة والكل غذاء وثقافة .
الإنسان التونسي كائن حي يتبدل ، ينفعل بغيره ويفاعله ككل الكائنات الحية ، قد تفتح على " الشيء " الأجنبي وتمثله تمثلاً حسنًا أو بلعه فتخم فهو متخم أو رفضه والكل طبيعي .
بقي أن "نحصر" الإنسان التونسي في سلامته وتخمته ورفضه لنعرف ما يجب جلبه وما يجب إنتاجه من متاع ثقافي . وكيف ذلك ؟
أن نسأله عن أبطاله ( أخبرني عن أبطالك أخبرك من أنت ) هل هم من نوع الفمودي والشتالي ومحمد على كلاي أم من صنف دون جوان وأبي نواس أم من صف الأولياء الصالحين أم من طبقة جيمس بوند .. ؟
أن نسأله عن مستواه الاقتصادي والثقافي، عن مطالعته وأفلامه وحصصه المفضّلة ... عن هواياته وآماله .. عن لغته وموقفه من لغة الاذاعة ولغة الجرائد والكتب ...
أعتقد أننا في حاجة لهذا العمل لنستجيب للعبقرية التونسية ولنعرف ماذا يجب أن ننتج ، لمن ، لماذا وبأية لغة .
هذا ما فعل ويفعل أهل الكيبيك هنا ، نفضوا عنهم مركباتهم وهاجموا الأسواق الأمريكية والأوروبية ببضاعة ثقافية أصيلة طريفة فانتصروا وسينتصرون .
ما أجمل اليوم الذي ستحلي فيه كتبنا وأسطواناتنا واجهات محلات كتب باريس وبيروت وداكار ومونريال . . وحاجب العيون ومارث . . وهو الأهم !

