جدلية المنطلق :
فى تحديدى لهذه الخواطر أكثر من معنى ، ذلك ان - الموقع - الذي أقصده بالذات ( 1 ) يتطارح الموضوع من المفهوم الذي يستجلى الغوامض ، ويشرح العوامل والملابسات ، عبر مشاق البحث عن الاضافة الجادة ، والاضاءة الوقادة فى ذاكرة الفكر ، وفسحة الاستلهام الواعي ، اذ الموضوع يتجاوز النظريات وتسجيل النتاجات الظرفية ، ليتجذر اكثر فى احساس الفكر بالحاجة الى البقاء والاحاطة باليأس والاستسلام ، ذلك ان - مجلة الفكر - كظاهرة ثقافية عامة كانت تمتلك القدرة على ازالة بعض التقاليد الواهية - وكلها من صنع " المشككين " وككل ظاهرة لا بد لها من ضوابط فعلية ، واثباتات ساهمت الى - حد بعيد - فى ابراز الشخصية التونسية العربية الاسلامية ، عقب فترات عصيبة كانت تونس فيها تتأرجح بين وطأة المستعمر ، والوعى بالقدرة الذاتية على المجابهة ، والاحداث الجسام تلو بعضها تصدم شعور الانسان فى هذا البلد الذى استسلم عبر تاريخه الطويل حتى جاء عصر التفجر الوطني ، وبدأت الحركة الفكرية والأدبية فى تونس تحاول الحضور والنفاذ الى صميم الواقع المعيش . . .
فالكاتب الذي كان يكتب في الغزل اصبح يبحث عن حرية شعبه وكرامته وعزته - عبر نظرة جديدة تستنبط وتستبدل القواعد الجامدة بما يؤدى للعصر رسالة التحدى والغوص فى واقع الامور ، ذلك ان - جيل " الفكر " . قد ادرك تماسكه بالدور المناط بعهدته فى مسؤولية كاملة حتى يتمكن ذلك الجيل من التعامل الجيد والواعي مع مستلزمات ومتطلبات الوعى بالذات وهذا حصل فعلا نتيجة ملاءمة التغيير النفسي والاجتماعى لنمط الكتابة وفلسفتها باعتبارها البنية التحويلية القادرة على تجميع الافكار عبر جدلية موضوعية متميزة بعطاء وافر ، ومؤانسة امتعت جيل " الخمسينات " بتواصل لم ينقطع اريجه حتى يوم الناس
ان الظاهرة الفكرية لهذه المجلة الرائدة تبقى مستقطبة اهتمام العديد من الكتاب والباحثن لان دلالتها تتخطى حجم وجودها ، الى معاناة الشخصية الفكرية ذاتها فى الخضم الثقافي العربى عامة ، وهذا ما يميز - فى نظري - المجلة من تلك الظواهر التى وان تركت بصماتها فى الواقع الفكرى الا انها لم تعمر طويلا ، اذ عاشت فى حقيقة الامر بعض الاهتمامات الظرفية ورحلت ! بخلاف مجلة - الفكر - التى نراها قد اثرت في موقع الحركة الفكرية والادبية التونسية ايما تأثير ، ذلك ان بدايتها كانت بداية فلسفية ونفسية تجذرت بالخصوص فى الوعى الوطني آنذاك ، اى انها تجاوزت المفهوم السائد فى ذلك الوقت ، ( مجلة من أجل المجلة ) وبذلك رسمت لنفسها رؤيا مخالفة للعرف ومن هنا يمكن لى ان اضعها فى مرتبة الفعل الحاسم فى هرم الحركة الادبية تبعا للمنهج المتميز الذى سارت عليه المجلة ، وهذا الشاعر جعفر ماجد يصف الحرف الذي يتحسس وجوده الفعلى ، ويحطم اصنام العصر بقوله
رصاصة الحرف ان سددت طلقتها تطوى العصور وتجتاز المسافات
وفي عيون طغاة الارض عاصفة نثيرها نحن ، قبل الانقلابات
يا امة وهبت للكون سادته لم ينضب الوحى في ارض النبوءات
لا بد ان تسقط الاصنام ثانية ويفتح الشعب أبواب السماوات
ذلك ان ( الفكر ) بالنسبة للمحيط العربى قد تجاوزت صراحة مطاف المغامرة للبحث عن الهوية وتقريب الصلة لدفع التواصل الفكرى ، وللمحيط الدولى اصبحت من المراجع التى يهتم بها ، لتحولاتها ومساهماتها فى بحث القضايا القومية والعالمية بحثا من وجهة تقييمية حضرية ، اذ لهذه المجلة
اسهام واضح فى دفع أدب الجيل نحو العطاء الخلاق ، بعد عهود من التواكل والغبن وطمس التوجه الجدى والوعى الحي لجيل وجد فى " الفكر " الملاذ الاوحد لتأسيس الرابطة الفكرية العقلانية التى لها جذور عميقه تحاور الوجود والعصر ، اذ لا تعتبر مجرد واجهة للعرض والمناسبات الزائلة .
اشكالية حضرية :
الظاهرة الاخرى التى أعنيها فى هذه الخواطر هى ان المجلة من خلال - عطاءاتها النوعية - واسهاماتها فى المحيط الطبيعى والثقافى كانت مجسمة لعودة الوعى للمضمون الحضاري الموصول بالممارسة المعرفية فى شتى الاغراض والفنون ، لدرجة انى لم استطع أن أتساءل عن علة ما ، أو غفلة ما سواء فى توازن المعالجة الدورية للمجلة - فى طرقها للموضوعات او سهوها للبعض - بل كانت بحق تمثل الاشكالية الحضارية من خلال توزيع الاهتمامات ، ورسم الاختصاصات ، وبالتالى جمع الوقائع - وبدرجة تنظيرية ممكنة - تبرز مدى تقيد " الفكر " بالمنهج الحي والصبغة البنائية المتبعة منها منذ انبعاثها ، سواء يجسمه صدورها المثالي ، فى مفتتح الشهر - أو من حيث المضامين الصرفة وموقعها من المساحة الفكرية التى تتيحها هذه المجلة الرائدة فهناك انتظام منطقي ومنهجى لاطروحات " الفكر " بحكم حجم القضايا والانماط الادبية والفنية والعلمية بصورة تجعلها متكاملة مع الشك الحضارى المثبت فى الاداة المنظمة والفاعلة ( 2 )
لذلك ليس من الصدف ان يتوضح موقع " الفكر " من الحركة الفكرية والادبية التونسية والعربية ايضا ، بل للباحث ان ينصف هذه العلامة الوضاحة فى أدق علاقاتها مع ما نشر من كتب ومجلات ودوريات عالية لانها - وهي واضحة فى فن التفكير - قد نسجت الشروط النفسية لاشكالية البحث عن الموقع والخط والطريق ضمن مدرسة متناغمة فى الاصناف والخصوصية ، وجدية ما يكتب عن قضايا العصر برؤيا مغايرة لما سلف طبعا ، فالمتأمل فى حجم الانتاج الفكرى منذ ميلاد المجلة الى اليوم ، يدرك بالاصالة ثمرة التعاون بينها وبين غيرها من المجلات التى بدأت السير ثم تعثرت ، أو التى بقيت توالى الجهد ومشاق الدرب طويلة ، ثم مع ما نشر من
مجموعات قصصية ، ودواوين شعرية ، ودراسات مختلفة ، لكن تميز " الفكر " بهدف المنافسة الشريفة والنبيلة ، أفردها بخصائص الفعل الحضارى - فى نظرى - وبأن تكون واعية لافرازات المحيط وما يتطلبه من طاقات متزامنة مع تطور المجتمع التونسى وتوقه الى الافضل ، ذلك ان ميلاد - المجلة - ، قد شهد بداية الاحساس بالوعى الفكرى والثقافى ، فهذه المحاضرات تعود الى غزارتها ، والنوادى الثقافية تزخر بأنشطتها
ثم هذا الاعتزاز بالتراث جملة وتفصيلا ، ثم تسليط المعاصرة عليه وفق نظرة موضوعية بحتة ، وتجسم ذلك - علاوة - على نشر عينات قيمة اقتحام مجال التأليف المسرحي أى ظهور نزعة تجديدية بواسطة استنطاق التراث وتعصيره انطلاقا من التعامل المسرحي الذي يستند الى الاصول الجوهرية فبرز فى هذا الاتجاه العديد من الكتاب من خلال المنطلقات التى دعمت جذورها مجلة - الفكر - بتشجيعها للادباء الشبان ويستخلص من توجهها رؤية ثقافية عالية ووقفه موضوعية سواء بحمل مشعل - التعريب - كعلامة فكرية فاعلة ، أو باحتضان تجارب الجيل فيما سمى فى الشعر ( بين العمودى والحر ) حيث اسهمت المجلة باتاحة الفرصة للتعبير الموضوعي في القضية أو فى غيرها من قضايا الثقافة والفكر ، أو فى الدعوة الى اعطاء الادب التونسى " مكانة ممتازة فى المناهج التعليمية عندنا ، وبعبارة أوضح استطاعت - الفكر - أن تكون بحق مجسمة للمسيرة التحررية المعاصرة م التشبث بالاصالة عقيدة ومنهجا
وبظهور شقيقتها " قصص " ( 4 ) امكن لها معها مواصلة الجهد النضالى لتجذير السمات الثقافية عبر الانماط والاشكال المتميزة فى الفكر التونسي المعاصر فى شتى مجالات الخلق والابداع فى ( النصوص المختارة ) والروايات والقصص ، والفنون التشكيلية والمسرح وثقافة الطفل ، والدراسات العلمية والادبية وما الى ذلك
ان مجلة " الفكر " كانت حريصة كل الحرص على تنمية علاقاتها الفكرية مع الشقيقات التى تولد بين الحين والآخر - كما اسلفت - وقد سجلت مولد مجلة ( قصص ) بشئ من الغبطة المتبوعة برغبة صادقة فى قهر المستحيل جاء فى تحيتها يوم بروزها ما يلى :
" بادرة طيبة هذه التى أقدم عليها " نادى القصة " والتي تتمثل فى نشر مجموعة من القصص كل ثلاثة أشهر يقع تدارسها فى جلسات متعددة . وليس ابعث على التشجيع وتغذية المواهب من نشر انتاج قصاصينا واشاعته بين الناس أليست القصة هى التى اصبحت فى عصرنا تعبر بأكمل صورة عن آلام الانسانية وآمالها وأخيرا فنحن نتمنى لها النجاح فى درب الادب الاصيل العنود ! " ديسمبر 1966 .
ان المتتبع الفاحص لآثار هذه المجلة الرائدة ، وتحديد موقعها من الحركة الفكرية التونسية يستطيع ان يثرى الانتاج الادبي عامة وان يقدم للثقافة التونسية أعظم الخدمات لا سيما فى ضوء المستجدات التى تنشر الابداع : وتطبع حياتنا الثقافية بالتنوع والمؤانسة ، ترى ، هذه دعوة فكرية لمن يريد ان يكتشف بعض الجذور العميقة فى هذا الطرح الحضاري الذي يتواصل مشواره كل حين ولنا عودة !

