الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

حول نشأة المشرح الطلائعى

Share

يعتبر المسرح ظاهرة اجتماعية نشأت من حاجة المجتمعات الانسانية لمناقشة جانب الصراع فى حياتها اليومية وفي مفاهيمها العامة من الكون والعالم والانسان ، هذا المسرح تتغير أشكاله كلما انقضى عصر من عصور تطور المجتمعات الانسانية . فليست الصورة التى تبدو لنا فيها المسرحية الكلاسيكية هى نفس الصورة التى تبدو لنا فيها حاليا المسرحية لدى أنصار المسرح الطلائعي وترجع الفوارق بين هذه الاشكال المسرحية إلى أن فى كل مرحلة من مراحل تقدم الانسانية تطرح مشاكل جديدة تتعلق بنظرة الناس الى واقعهم وبوعيهم بقيمتهم كما تتعلق بحاجتهم الى مناقشة أخلاقياتهم وتقاليدهم ، ذلك أن انتقال أى مجتمع الى مرحلة حضارية جديدة يعنى أن ميراثه القديم من الافكار ومن المعتقدات قد أصبح لا يصلح لمواجهة الظروف الجديدة ، فهى ظروف لم توجد من قبل ، أى أن خبرات المجتمع السابقة لم تتمرس بعد بما طرأ على نفس المجتمع . ولما كانت خبرات المجتمع السابقة تتمثل فى كتب ونظريات ، أى فى علوم لها قوانينها العامة ولها جانبها التطبيقى الذى مارسه المجتمع فى حياته اليومية ، فما لا شك فيه أن تفسر للفرد العادى ماجد فى حياته.

إذن فالمسرحية تبدأ فى محاولة تعميق وجدان الانسان بما ينفتح أمامه من مشاكل خلقتها ظروف التطور الجديدة . فالرواية والمسرحية تتجه الى ما هو خاص الى أنماط من البشر لهم جهدهم النفسي الخاص ، ولهم ألوان نزوعهم التى لا يمكن حصرها فى قوانين عامة ولكى ننفذ الى حياة هؤلاء ، لا يمكننا أن نفعل ذلك الا اذا عرضناهم وهم يحبون حياتهم هذه ، أى خلال حركة الواقع . فمثلا فى العهد الاغريقي لم يكن لاى علم من العلوم أن يسد حاجة الانسان الوجدانية لاستشفاف معنى القدر . فالفلسفة والاخلاق كانت تفسر الحياة بأنها تخضع لقوة جبرية هى هذا القدر ، وأن على الانسان أن يتلاءم مع ما تمليه أحكام القدر وفى هذا سعادته الحقة . . مع أن قواعد الاخلاق التى ظنها مقدسة تفشل فى التطبيق فهل يرجع هذا الفشل الى أن هذه القواعد خاطئة أم الى سوء

التطبيق ؟ وهنا لا بد من محاولة اعادة النظر الى هذه القواعد ، من وضعها فى الظروف الخاصة التى لم تستطع القواعد أن تتضمنها . هنا لا بد من مناقشتها أمام الناس ومن القاء الضوء الكافي على ما هو خاص فى تطبيقها ، وذلك ما كان يفعله المسرح ، لا فى عهد الاغريق فحسب بل عبر التاريخ كله ، فظهور أولى ملامح الحضارة الاوروبية فى عصر النهضة مثلا ، جاء بنماذج بشرية لم تكن مألوفة من قبل . . ولم يكن لاى لون من ألوان النشاط الفكرى أن يكشف حقيقة هذه الانماط الجديدة سوى المسرح . ففي تاجر البندق لشكسبير نرى نمط التاجر وفي هملت نرى المثقف الواعي تنهار كل قيمه أمام واقع العصور الوسطى البشع ، فيشك فى العالم وفي أفكاره وفي كل شئ حوله . وعلى هذا يعتبر بعض النقاد أن الفكر الانسانى يمضى فى طريقين الاول طريق العمل على تقنين خبرات الحياة فى قواعد عامة ، وهذا ما تقوم به العلوم الانسانية ، وطريق آخر لا دخل للتجريد فيه ، انه طريق مناقشة واقع الحياة اليومى فى ظروفه الخاصة وهذا ما يقوم به الفن.

فاذا ما اجتزنا الوظيفة التى يمكن أن يؤديها المسرح فى مجال التطور الانسانى والكشف عن طبيعته ، وانتقلنا الى الجانب التطبيقي ، يسترعى انتباهنا اتجاهات مختلفة وأشكال متباينة طبعت الانتاج المسرحي في العصر الحديث بطابع خاص ميزته عن تلك الاتجاهات التى رسخت دعائمها بما أوجدته من قواعد اكتسبت صفة الخلود على مر الايام . نجد أن من أبرز هذه الاتجاهات ، الاتجاه الملحمي الذي أرسي قواعده الكاتب الالمانى برتولد بريخت ومسرح الطليعة الذى ظهر فى فرنسا فى أوائل سنة 1949 حينما قدم الكاتب الرومانى الاصل " يوجين يونيسكو " مسرحية من فصل واحد بعنوان المغنية الصلعاء . . كانت بداية مرحلة جديدة فى تاريخ المسرح الفرنسي المعاصر، لقد أثار هذا المسرح ضجة كبرى فى كل مكان ، ويرجع النقاد ظروف نشأة مسرح الطليعة فى فرنسا الى الحرب العالمية الثانية التى حطمت القيم التى جاءت بها الحضارة الاوروبية وخاصة بالنسبة لوعى شبان أوربا بحضارتهم لان هذه الحضارة لم تفعل شيئا سوى أنها دكت المدن بالقنابل واستعمرت الشعوب ، وهذا الاحساس بالخديعة ، دفع الشباب الى محاولة السخرية من النظم والعقائد التى ما زالت تنادى بقيم الحضارة الاوروبية.

ولكن المتتبع لتاريخ المسرح الاوروبي - والمسرح الفرنسى بوجه خاص - يجد أن التيار الطلائعي لم يولد فجأة . ولم يأت بالضرورة تعبيرا عن الفوضى والضياع والارتباك الذى ساد أوروبا فى سنوات ما بعد الحرب العالمية ..

لسبب بسيط جدا . . وهو أننا نجد جذور هذا التيار ضاربة حتى أواخر القرن التاسع عشر - أى قبل أن تندلع نيران الحرب العالمية الاولى . . ففي عام 1896 على وجه التحديد ظهرت بوادر المسرح الطلائعي على يد الكاتب الفرنسى " الفريد جاري " فى مسرحية هزت جمهور النظارة فى مسرح اللوفر . . وقد تضمنت هذه المسرحية هجوما شديدا شنه المؤلف على المجتمع الذي يعيش فيه وهجوما أشد على القوالب الثابتة التى فرضتها كل من المدرسة الواقعية والمدرسة الطبيعية على المسرح " فهاجم القيم الاجتماعية التى تمثلها الطبقة البورجوازية فى عصره من ناحية اخرى " وأغلب الظن أنه قد استوحى هذه النزعة الجديدة من التيارات الرومانتيكية والبوهيمية التى كانت سائدة في القرن التاسع عشر ، والتى كانت تدعو الى الانطلاق والتحرر من كل القيود التى فرضتها النظم الاجتماعية على الانسان وبهذه المسرحية يعد " الفريد جارى" الرائد الاول الذى وضع الاساس للمسرح الطلائعي في فرنسا . بل اننا نستطيع أن نؤكد أن أعماله تحمل بين طياتها ارهاصات مسرح العبث كما نفهمه اليوم . . أضف الى ذلك أننا نستطيع أن نلمح تأثيره واضحا فى أعمال الكتاب المعاصرين ، وعلى الاخص يوجين يونسكو . . حيث نجد مبالغته الساخرة وحماسته الشديدة وبستاطئه فى رسم الشخصيات .. وتهكمه اللاذع . وفي النمط من الاسلوب الشديد التركيز . . وفي مسرحيات السوبرانو الاصلع " و"جاك" و "الكراسي" .

وقد شرح " الفريد جارى " فكرته لاحد أصدقائه قائلا : " ان المسرحيات السهلة " تصيب بالتبلد وتصيب الروح بالخمول . . أما مسرحيات اللامعقول فهي توقد الذهن وتنشط الروح ".

وبالرغم من ذلك فقد ظلت مسرحيات "جارى" وبعض الكتاب السرياليين محصورة فى نطاق ضيق لم يتسع مداه الى أن هدأت العواصف واستقرت الاحوال نوعا ما فى عام 1907 ولكن التيار الطلائعي ظل قويا ، ويرجع الفضل فى ذلك الى الكاتبين "روجز فيتراك" و"ريموندروسيل " وهما من السرياليين الذين تفرغوا للمسرح - وفى الفترة ما بين عام 1924 وعام 1930 كتب "فيتراك" عدة مسرحيات من هذا النوع منها مسرحية " أسرار الحب " وقد حاول فيها أن يكشف عن الافكار التى تدور فى رأس الشخصيات ولا شعورهم وان يعطى المسرحية جوا حالما خياليا . ومسرحية أخرى سماها "الأبناء والقوة" تعكس نفس الاتجاه الذي لمسناه فى مسرحيات " ألفريد جارى" فى مهاجمة البورجوازية والثورة على التقاليد والوسائل الخارقة للمألوف التى استعملها .

ولقد مهدت مسرحيات "جان كوكتو" أيضا لظهور المسرح الطلائعي .. فقد كان يهدف فى أعماله الى اثارة الشعور بالعجيب والغريب اللامألوف فى نفس المتفرج ولذا ادخل الفنون الاستعراضية كألعاب البهلوان ومهرجى السيرك الى المسرح ذاته . . وبرغم أن الفترة ما بين عام 1930 وعام 1950 لا تحمل فى طياتها أعمالا طلائعية هامة الا أنها كانت فترة حافلة بالاحداث والتيارات التى كان لها أكبر الاثر فى ظهور هذا المسرح . ولقد فتحت باريس أبواب مسارحها لاعمال الكتاب الاجانب من البلاد الاوروبية الاخرى وشهد المسرح الفرنسي انتعاشا ضخما ونهضة مسرحية شاملة . . أثارتها أعمال "بيرانديلو" و " كافكا " و " برشت " . . ولقد عرفت باريس مسرح بيراند يللو فى  عشرينات هذا القرن . .

ومنذ أربعينات القرن العشرين أصبح المذهب الوجودى يشكل عنصرا هاما من عناصر الفكر الفرنسى ، وقد استطاعت بعض الآراء الوجودية أن تجد صورا من جانب كتاب الطليعة وخاصة بيكيت وأيونيسكو وأداموف . . ولكن هذا لا يعنى أن كتاب الطليعة وجوديوين أو يدينون للوجودية ببعض أفكارهم . . فالامر لا يتعدى أن مدرسة سارتر تمثل اتجاها معينا من الوجود الانسانى وقد ساد هذا الاتجاه فرنسا فترة من الزمان ومازال ذائعا نوعا ما .. هذا الاتجاه نجد ثمة انعكاسا له فى أعمال كتاب الطليعة وخاصة الفكرة التى تقول أن الوجودية بل أن الوجود الانساني عبث لا طائل تحته . . وان الانسان يدرك - فى لحظات الصفاء والوضوح - أن حياته ليس لها معنى مطلقات، وأنه يعيش فى فراغ ، يهدده اللاوجود أو العدم فى كل لحظة من لحظات حياته. وما ان انتصف القرن العشرون حتى وجد كتاب الطليعة أمامهم تراثا ضخما من الفوضى . . وجدوا أمامهم ثورة ضد الحياة البورجوازية والقيم والمثل التى تمثلها . . ووجدوا أمامهم الرمزية والتنبؤية (المستقبلية) والسيريالية .. هذا الخليط المتنوع هو الذي ساعد على ظهور المسرح الطلائعي فى فرنسا - ولكن الذى ساعد على نجاحه أكثر من أى وقت مضى هو أن الناس قد أصبحوا اكثر استعدادا لتذوق هذا النوع من الفن وعلى تقبله بعد ان مرت عليهم تيارات مماثلة فى الرسم والتصوير والنحت والموسيقى . . وبعد أن انتشرت بينهم فلسفة العبث وبعد أن أصبح مسرح الطليعة يعبر تعبيرا صادقا عن الحياة المعاصرة فى أوروبا .

والواقع أن رواد المسرح الطلائعي لا يشكلون مجموعة متجانسة بقدر ما يشتركون في صفة التجريب التي تنطبق عليهم جميعا.. فكل منهم يكتب بطريقته الخاصة ويعبر بوسائل تجريبية جديدة ...

اشترك في نشرتنا البريدية