الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

حياة اللغة أم لغة الحياة ؟

Share

علينا أن ننتبه فى البداية الى أمر بسيط يكاد يكون قانونا وهو أن كل استعمال لشئ ما . . هو فى نفس الوقت اتلاف له . وهى المثناة التى يشير اليها اندرى جاكوب ( Andre Jacob ) فى كتاب : (( مدخل الى فلسفة اللغه )) بقوله : ( usage - usure ) فكما يبلى الثوب الجديد من كثرة الاستعمال وتبلى الارض من طول الاستثمار ، تبلى اللغة كذلك من الاستعمال . هذه قاعدة عامة . فما الحل اذن ؟ قد نلجأ الى رتق الثوب مرات ثم يضيق بنا ونضيق به فنلقى به ونشترى ثوبا آخر . . وقد نلجأ الى مد الارض المتعبة بالمواد المغذية والى تطعيمها وكثيرا ما نريحها فتريحنا ونتحول الى عذراء قوية . . أما بالنسبة الى اللغة فما العمل ؟ ان الاجابة عن هذه المسألة تتطلب فهما عميقا لجوانب الازمة فى اللغة . وهذه نيتنا ، مزدوجة مع عبارة ميخائيل نعيمة فى (( كرم على درب )) : (( تأتى المشاكل ومفاتيحها فيها )) فما هى مفاتيح مشكل اللغة ؟

من يتكلم ؟ الانسان بطبيعة الحال وهو المفتاح الاول . وهو كخيط آريان الذى يمكننا من الخروج من المتاهة . الا أن حقيقة الانسان معقدة وعميقة ، وكذلك حقيقة اللغة . فليست تلك الظاهرة البسيطة والتافهة ، بل انها تشكل لغزا من الالغاز المحيرة ومشكلا من المشاكل المستعصية . والتمسنا هنا التمييز الذى يشير اليه جبريل مارسيل فى كتابه : ( Essai sur une philosophie concrete ) بين اللغز ( Mystere ) والمشكل ( Probleme ) لغة الانسان مشكل ولغز فى نفس الوقت مشكل يتطلب معطيات وتحليلات واستنتاجات وذلك بفضل العلوم المتقدمة ولغز من حيث أنه كلما اكتشفنا شيئا غابت عنا أشياء . وكلما زدنا تعمقا فى فهم حقيقة اللغة ازددنا حيرة . فهى تتتجاوزنا وتحتوينا . لذلك

يقول أندرى جا كوب : (( اللغة هى أكثر من اللغة )) ، أى أنها حقيقة تتجاوز كل تحليل أو أنها دائما شئ آخر غير الذى توصلنا اليه . فاللغة طبيعية فى الانسان كنبضة قلبه ، جزءا منه أو قل : كله . لهذا نعرف الانسان باللغة ونعرف اللغة بالانسان . وهذه ميزة الانسان على جميع المخلوقات . لقد استنتج كارل فون فريش ( Karl Von Frisch ) من خلال دراسته للغة النحل انه مهما تكن (( لغة )) الحيوان مكتملة ومتناسقة فانه لا شبه بينها وبين لغة الانسان وانه لا يمكن ان تكون (( لغة )) الا تجاوزا . فالنحلة ذلك المخلوق العجيب ، بامكانها أن تدل نحل الخلية على مكان الزهور ووجهة ذلك المكان والمسافة الفاصلة وحتى نوع الرحيق ، كل ذلك من خلال رقصة  . .كل حركة فيها تلعب رمزا وأى رمز ! ان لغة النحل شكل متطور للاتصال الرمزى عند الحيوان ، وهذا ما أثار انتباه كارل فون فريش . ولكن بصفة عامة تمتلك جميع انواع الحيوانات لغة مماثلة رغم انها بسيطة وبدائية . الا ان لغة الانسان تختلف اختلافا جوهريا عن لغة الحيوان كما أشار اليه بنفنيست ( E . Benveniste ) فى كتابه مشاكل والاشياء ، أما رموز المقال الانسانى فمكن ان تعود الى نفسها أو الى رموز أخر . . ان رقصة النحلة تنعدم فى الظلام وبذلك تكون لغة النحل والحيوان بصفة عامة ضيقة الافق . فبقدر ما تكون رموز لغة الانسان متحولة متغيرة ، بقدر ما تكون لغة الحيوان ثابتة جامدة . بالاضافة الى أن لغة الحيوان وراثية ، تولد معه كاملة وأما لغة الانسان فمعظمها مكتسب ولعل قصة (( الطفل المتوحش )) الذى ورد فى كتاب ليسيان مالسون ( L. Malcon ) أقوى دليل على اكتسابية اللغة . وبذلك تكون لغة الحيوان عبارة عن حلقة مسطرة لا يمكن الخروج عنها أما لغة الانسان فلا تعترف بالحلقة أو لعلها حلقات متتالية ، وزيادة فى الفصل بينهما يمكن لنا ان نشير الى أن الرموز التى تشكل لغة الحيوان تعود بالنظر الى جملة الاحداث والاشياء ، أما رموز المقال الانسانى فيمكن ان تعود الى نفسها أو الى رموز أخر . . بحيث يمكننا الحديث عن (( لغة وراء اللغة )) ( Meta - langage ) أو عن (( ما وراء اللغة )) بالنسبة للانسان وهذا مستحيل بالنسبة للحيوان . لذلك فان الكائن الوحيد الذى يتكلم حقا هو الانسان .

ولكن أى انسان ؟ انه الانسان الحى . بين الحياة واللغة علاقة عميقة كعلاقة المطر باخضرار الارض . فبدون مطر جفاف وبدون حياة تنعدم اللغة . وبالموت تنتفى اللغة . فلا لغة لميت . وحتى صمت الموت فهو خارج عن اللغة . وأما صمت الحياة فهو لغة وأية لغة ! وأيضا لا لغة لآلة جامدة فمحرك السيارة لا يعرف الكلام . بحيث

أن الحديث عن اللغة انما هو حديث عن لغة الاحياء وعن لغة الحياة وعن حياة اللغة . ان وفاء اللغة الى الحياة هو شرط حياتها . ومثل الحياة مثل نهر متجدد دوما ، كالنهر الذى نصفه هيراقليطس ( Heraclite ) حيث لا يمكننا أن نستحم فيه مرتين أو حتى مرة واحدة على حد قول تلميذه كراتيل ( Cratyle )  لانه فى تغير مستمر . ولذلك كان على اللغة ان تتآخى مع هذا التجدد المستمر  . فكما ان الثوانى التى يتضمنها الزمان الحى مختلفة لا تتشابه وكما ان خلايا الجسم البشرى تتغير دوما كذلك قدر اللغة : تحمل الحضور والابداع . وما ان تحيد عن هذا الاصل الشريف حتى تفقد كل شرفها وتصبح كلاما ميتا ، بلا روح ، جثث الفاظ ومعان ملقاة على عارضة الوجود والتاريخ ، لا تعبر عنه ، ملقاة خارج الانسان لا تتضمنه ، نعم حالما تتنكر اللغة للحياة تتحجر وعليها اذن ان تتحمل اليتم . وان تنتظر التشرد والموت القريب . الحياة أم قاسية لا ترحم من تتنكر لها . . ولكنها تحب كل من يعطف عليها . ويصاب بعشقها كل من يعرفها على حقيقتها . فاعرف أنك من الحياة واليها أيها الانسان . لتكن بارا لها على حد تعبير الشاعر عبد الوهاب البياتى ، وتحمل تجربة الحياة تغنيك عن كل التجارب الثانوية وعن انصاف التجارب . . وهذا يعنى ان اللغة حية ما دامت حية فى ضمائر الناس وما دامت ضمائر الناس تنصت الى صوت بل نداء الحياة . وليست الازمة فى جانب من جوانبها الا هذا الوضع الناجم عن القطيعة بين الام والابن ، أى بين اللغة والحياة . .

فاذا كان الانسان الحى هو الذى يتكلم حقا فمن يخاطب وعم يتكلم ؟ يخاطب الانسان وكل خطاب هو فى جوهره نداء للآخر . وكما يقول رينى شيرار ( Rene Scherer ) : (( ان الحوار يفترض مسبقا تواجد متحاورين )) بحيث ان اللغة هى استجابة لرغبة الانسان فى التحاور والتفاهم مع أخيه الانسان وحتى يكون الفهم ممكنا يصبح الاصغاء ضروريا . ان اللغة هى اصغاء متبادل ونداء الروح للروح . وهذا ما يؤكده لفيناس ( Levinas ) فى كتابه ( Totalite et  infini ) إذ يقول : (( إن اللغة تفترض مجموعة متحاورين تربطهم  علاقة أخلاقية أساسا . . أخلاقية اذ انها انفتاح نحو الآخرين ويدعم لفيناس ذلك قائلا : (( ان جوهر اللغة هو العلاقة مع الآخرين )) ولعل ميخائيل نعيمة لمس هذا المعنى عندما كتب : (( يا للعجيبة أزرع قلبى على الورق فينبت فى قلوب الناس )) أو عندما ساءل نفسه (( لماذا أكتب ؟ )) وأجاب : (( لتراك فى وأرانى فيك )) لذلك نعطى الاولوية الى الكلمة الحية ( Parole ) على اللغة ( Laugue ) من حيث أنها تشكل نداء حيا روحيا لا هيكلا جامدا مثل اللغة ولقد قام فردينان

دى سوسير ( F . de Saussure ) بهذا التمييز فى درسه عن علم اللسان لكنه غرق فى الهيكلية التى تفرغ اللغة من الحياة ومن العلاقات الموجودة داخلها ، لتجعلها جملة من الالفاظ والاشكال القابلة للتحليل الموضوعى . ان الموقف الاخلاقى يعيد الى اللغة بعدا من الابعاد المفقودة وهو الحوار الحقيقى بين الضمائر .

واذ يتكلم الانسان مع الآخر فهو دائما يتكلم عن الاشياء وعن الموجودات وعن العالم بصفة عامة . ان اللغة ليست مقامة على رمال متحركة بل أسسها متينة وهى الموجودات . فموضوع الكلام هو العالم . ولكل اسم مسمى . ولعل أهم اكتشاف فى حياة الانسان ذلك الذى مكنه من اطلاق أسماء على الموجودات . وبدءا من ذلك الاكتشاف انطلقت سيطرة الانسان على العالم . يقول هيجل ( Hegel ) : (( ان أول عم بفضله شكل الانسان سيطرته على الاشياء هو تسميته لها )) . فان نطلق أسماء على موجودات يعنى ان نتحكم فيها فالاسماء لها قوة غريبة وسحرية هى قوة الانسان فى السيطرة بعقله على الاشياء . هذه السيطرة تتمثل فى عدم التيه فى الخاص والظاهر ولكن فى التعالى عليهم والتحكم فيهم . فكلمة عصفور تحتوى على جميع العصافير . وكلمة كرسى فيها كل الكراسى . وذلك يسر عظمة الفلسفة الاغريقية اذ بفضلها نشأ التصور ( Concept ) وهو من أعظم مكاسب الانسانية حقا . نستخلص اذن ان بين  اللغة وموضوعها علاقة أساسية ، ولولاها لتردى كلامنا فى اللامعنى ، وفى اللغو المجانى . .

ومن هنا يمكننا أن نمسك بهذه المفاتيح الثلاثة التى توصلنا اليها فى مشكل اللغة وهى الانسان والحياة والعالم ، ونلج بها إلى حقيقة اللغة (( على قدر المستطاع )) كما يردد دوما أرسطو ( Aristote ) نعم لا يمكننا فهم جوهر اللغة الا بلمس هذه الخيوط الثلاثة والتفطن الى العلاقة الدنامكية بينها ، فاللغة كما يدل على ذلك معنى من معانى الكلمة اليونانية ( Logos ) وحدة عميقة . وحدة بين الانسان والحياة والموجودات . كل لا يتجزأ . اللغة كل او لا تكون . فالعبارة لا يمكن فصلها عن المعبر أو عن المعبر عنه حسب جان فال ( Jean Whal ) في كتابه Etudes Metaphysiques ولكنها ليست كلا جامدا بل جدلى على حد قول جان فال أيضا فى نفس الكتاب . وهذا سير اللغة وصعوبة اكتنافها لانها ليست ذات بعد واحد . الا أن هذا الكل الحى كثيرا ما يتعرض الى التفتت والتمزق وانفصال اجزائه . . وهى علامة التدهور وفقدان التوازن . . وما يطلق عليها بالأزمة ( Crise ) وتنشأ الازمة حالما تتفتت اللغة كحقيقة عميقة أى حالما

ينفصل الانسان المتكلم عن كلامه ، وينفصل الكلام عن موضوعه وينفصل المتكلم عن سامعه . والازمة هى جملة استبدالات : استبدال الانسان الناطق بالآلة الناطقة أو بوسيلة أخرى تنطق مكانه . ,. استبداله بالاجهزة والوسطاء واللاشخص ( L' impersonnel ) واستبدال الحياة المتدفقة بالموت والقوالب الفارغة والمعانى الجاهزة والثابتة فيقع الاهتمام بالاسماء أكثر من المسميات ويبتعد بعضها عن بعض ، ويصبح الحديث حديثا عن كل شئ الا عن شئ فى حد ذاته ، وتنقطع الصلة بين السامع والمتكلم ويصبح الحوار حوار صم . . وهذا ما سنحاول تحليله .

لا ريب ان العودة الى المجتمع تضئ بعض اسباب الازمة . فما هو اذن مجتمع الازمة ؟ انه مجتمع استهلاك ( Societe de commation ) والاستهلاك يرمز الى نوع العلاقات مع الاشياء جميعها . وهو التركيز على الكم لا على الكيف . كل شئ يصبح فى علب ، فى قوارير ، فى قوالب جاهزة . وما على الانسان الا ان يستهلك فيستهلك كما يقول أندرى جاكوب على حد السواء موزار ( Mozart )والمتحف والشمس والغذاء . . واللغة . . كل شئ دخل حلقة الاستهلاك بغض النظر عن ماهيته . واصبح الذوق مشتركا بين جميع الناس فلا طرافة . وتغيب الروح وراء اعطاء الاولوية الى المادة حتى ان ميخائيل نعيمة يطرح السؤال الطريف الآتى : (( يتذوق اللسان الطعام ، فما باله لا يتذوق الكلام ؟ )) وقد أشار هنرى لوففر ( Henri Lefevre ) فى كتابه اللغة والمجتمع الى أن المقال الانسانى أصبح بضاعة . وهو الدرجة الصفر للكلام . بحيث ان المقال يباع ويصلح للبيع ، يقع التصرف فيه ويساعد على التصرف فى الأشياء والناس . وهو آخر حلقة من حلقات الاستلاب ( Alienation ) الذى يسببه المال وعالم البضاعة . ويتبخر الشكل اللغوى ويأخذ مكانه الشكل - البضاعة ( La forme - marchandise ) ومن هنا نتبين خطورة هذه الظاهرة . ويكفى أن نطرح السؤال الآتى ليتضح لنا اللبس الذى سقط فيه المجتمع : هل كل شئ يمكن ان يستهلك ؟ وهل كل الاشياء تستهلك على حد السواء ؟ اذا كان كل شئ يستهلك ، فلامعنى من ان نستغرب الكسل والجمود اللذين يتولدان عن الاستهلاك . كيف لا ؟ وكل شئ يقدم للانسان جاهزا مكتملا . وتتبين لنا تباعا العبارات القائلة : (( لقد مات الله )) و (( مات الانسان )) و (( مات الفن )) وهى لافتات معلقة على أبواب المجتمعات الحاضرة اذ يقطع العالم عن أصله الروحى , ويفترغ الانسان من انسانيته أى من طاقته على الخلق وعلى الفعل ويتلاشى الفن لانه غير نافع والتقنية تعوضه ولان الفنان استبدل بآلة .

وعلى هذا الاساس تصبح اللغة تستهلك كعلب السجائر وكقوارير الخمر وتتقلص الاسرار منها . ويصبح الخلق الحقيقى ذكرى بعيدة . . . مستحيلا . ان الاستهلاك يقتل الخلق ويتنافى معه . والخلق أهم شئ فى حياة اللغة وحياة المجتمعات بصفة عامة ( La Creation ) ان هم المجتمعات الحاضرة هو تكوين جملة من السلوكات الفكرية واللغوية والاجتماعية لتسجن الفرد فيها وتتمكن من مراقبته . فما ان يولد الفرد حتى يجد كل شئ جاهزا يريد احتواءه : العبارات الجاهزة ، والافكار الجاهزة ، الاخلاق الجاهزة . فيمتثل أو لا يمتثل وذلك بقدر وعيه . والوعى اللغوى اى الوعى بالازمة هو فى نهاية المطاف وعى سياسى . وعى بتآكل نظام فكرى واجتماعى وبضرورة خلق نظام جديد . الا ان الخلق كما ينبه الى ذلك هنرى لو ففر انما تشكيل جديد للقديم . ويزيد تعميقا لهذه الفكرة فيقول : (( حذار من الكلمة الجديدة التى نستعملها اذ أنها قد تموه علينا ، وتجعلنا نتخيل اننا حررناها من الظلمات الى النور ! ان أخذ الكلمة هو فى حد ذاته أخذ للسلطة ، بحيث أنه من المستحيل أن ناخذ الكلمة ونحتفظ بها دون أن نأخذ فى نفس الوقت السلطة . فتحرير الكلمة وحده لا يكفى . أن نقول كلمتنا يعنى أن نلتزم بصنع التاريخ وهكذا نتجاوز سلبية اللغة ونعيد اليها شبابها بتغيير المجتمع . . هكذا يقول لوففر .

اذن مفتاح الازمة من هذا المنظور هو الخلق . والخلق لا يعنى خلقا من عدم ( Creation ex nihilo ) بل أنه يخضع للحتمية الاجتماعية والتاريخية . وللبيئة تأثير وأى تأثير على عملية الخلق . الا أن فى كلمته خلق ايحاء وتلميح الى الذات أكثر من الموضوع أو المجتمع . فالذات أى الفرد أى الانا هو الخالق . ان الخلق هو وجه من وجوه الحرية . والحرية كما يعرفها روسو ( Rousseau ) ليست انعدام القيود بل فى امكانية والقدرة على تجاوزها . والخلق كالحرية هما تجاوز لكل قيد ولكل نظام ( Systeme ) مهلهل ، وذلك بفضل ومن خلال المعاناة اليومية ومحاسبة النفس على كل شاردة وواردة . ان الخلق هو روح الامة . حتى انه كما يقول ريفولت داللوناس ( Revault d' Allones ) فى كتاب (( الخلق الفنى ووعود الحرية )) : (( في مجتمع ينزع الى الغاء كل خلق ، فان الغاء هذا المجتمع يصبح الخلق الممكن الوحيد )) وطبيعتى أن الخلق ينتفى مع الانتاج ، فالانتاج انما يعود النظر الى المنتجات الصناعية لذلك لا يمكن اعتبار الاثر الفني انتاجا أى من زاوية صناعية بل هو خلق فى صميمه حينئذ تكون الحلول الاصطناعية التكنولوجية ، تلك التى تأتى من الخارج باطلة أساسا وغير مجدية ، كان ننتج قاموسا جديدا يحمل كلمات جديدة . ويسخر ميخائيل نعيمة من هذا

النوع من الناس قائلا : (( أما سمعت بالذى طبخ القاموس وأكله ليصبح كاتبا ؟ لقد مات المسكين بعسر الهضم وما استطاع ان يكتب حتى وصيته ، فالحل يجب أن ينبع من الداخل لا من الخارج . والانسان محور ومنتبع الحلول والحل الذى لا ينبع من تجربة الانسان ليس حلا بل زيادة فى التعقيد . نعم علينا ان نخلق الحلول بكل ما فى كلمة خلق من معنى لا أن ننتجها بدون حرارة ولا تفاعل والخلق ليس أيضا نوعا من أنواع التركيب . ولقد تساءل مرة رسام : ماذا لو احضرنا أجمل أنف لامرأة ووضعناه فى أجمل وجه ، وركب الوجه والرأس على أجمل عنق ، والعنق بين كتفين أنيقين ، وهكذا ، يعنى تجميع كل القطع الجميلة من نساء جميلات ( لصنع ) أجمل امرأة فى الكون ، فماذا تكون النتيجة ؟ انها حتما ستكون محزنة لاننا سنشاهد أمامنا أبشع امرأة .

واذا وضعنا المشكلة فى صورة أخرى يمكننا ان نقول : إن أزمة اللغة هى أزمة خلق وأن وجودنا اللغوى تضيق دائرته حالما تفتر طاقة الخلق الا أن الخلق كما أشرنا خلق ذاتى ، أو ان صح التعبير ((  عيني )) وليس (( كفائيا )) فالخلق يعنى أنا وليس المجموعة . وهذا أول المفاتيح المفقودة . . التى بفضلها يمكن الخروج من الازمة اللغوية .

إذا كانت كل عملية بناء تشترط تمهيد الارض ورفع الركام عنها ، فان الخلق بما انه نوع من أنواع البناء يشترط نفس الشئ وهذا ما يطلق عليه بالفرنسية لفظ : ( deblaiement ) ، وهو فى معنى أشمل هذه ال ( Catharsis ) التى يتحدث عنها أفلاطون ( Platon ) وتتمثل فى تطهير النفس ورفع الركام عنها . وما أحوجنا الى تطهير مستمر ويومى . ولعل كلمة (( غربلة )) التى يقترحها ميخائيل نعيمة خير معبر عن هذا المعنى وفى كلمة ، ان عملية الخلق تشترط كمرحلة أساسية النقد . والنقد هو موقف شامل ازاء كل نشاطات الانسان . وهو يحميها بذلك من التلف والتقادم ويجعلها حية مستجيبة لنداء الحياة . ولا تسلم من النقد القيم التقليدية واشكال الفكر الكلاسيكية والثقافة التى تنشأ عنها بصفة عامة !

الا ان النقد قد يؤدى الى نتيجة مناقضة بحيث أنه يزيد فى الطين بلة . . وتزداد الازمة تحت وطأة النقد . ولعل النقد الشامل هو من العوامل التى تسبب فى الازمة اذ لا يعتبر أية قيمة ولا مبدأ . الرفض كلمته الوحيدة . فلا للسيد ولا للرب . كما يقول باكونين ( Bakhounine ) وهذا الموقف الرافض سلبى اذ يفقد الانسان الثقة فى أى شئ فيصبح العالم خاليا من كل خلاص . ولقد وضح جورج بيردو ( G . Burdeau ) فى مقال له بعنوان (( المثقفون والسلطة ))

إن المثقفين بنقدهم المستمر والهدام الممتد لكل شئ قد تسببوا فى الازمة ، أزمة الحضارة واللغة من حيث ان كل شئ قد رفعت عنه قدسيته وشرفه ، وأن كل الاتجاهات والقيم تساوت ، فحلت الحيرة محل الطمأنينة والحكمة ، وحلت الشكوك محل اليقين . واذا كان النقد المفرط يتسب فى الازمة على حد قول بيردو فانه حسب أندرى حاكوب يزيد من خطورة الازمة التى تعانيها المجتمعات الحاضرة . فهو عوض أن يحل المشكل ( resoudre ) يحله ( dissoudre ) أى يذيبه . ونفهم من هذه الزاوية كل الحملات المضادة ، ( . . . les anti ) فمن الاقتصاد المضاد ، الى التربية المضادة الى الفلسفة المضادة الى علم النفس المضاد وهى رفض قاطع يضع على المحك كل الاشكال التى تسير عليها المجتمعات الحاضرة ، ولعل الفوضوية ( Anarchisme ) تندرج تحت هذا اللواء . فتسقط الموانع والمحرمات . ويستباح كل شئ ، لكن كما يقول أندرى جاكوب ، دون ان تتحرر لغتنا المتأزمة ونروي عطشنا للتعبير ، بل نتردى فى التذبذب والبلبلة العقيمة . اذن كل التحاليل المغالية ( les ultra - analyses ) محكوم عليها بالفشل مسبقا . . وأهمية النقد اذن تعود الى ايجابيته من حيث أنه يمهد السبيل الى كل بناء .

فكيف يا ترى يساعد النقد على تطهير لغتنا من الشوائب واعادة الصحة الجيدة لها ؟

اذا كانت وظيفة اللغة الاولى هى الاتصال ، فلا ريب ان الازمة التى تتخبط فيها اصلها اختلال فى هذه الوظيفة . ولعل النقد الايجابى يكشف عن أسباب هذا التأزم ويمهد للنهوض من جديد من الكبوة .

نعم ، ان الاتصال هو روح اللغة وجوهرها . كيف لا وهى التى تحقق البين - الذاتية ( L' intersubjectivite ) وهى أداة وصل بين الضمائر ، هذه الضمائر التائهة والوحيدة ، كالجزر العائمة التى تتحدث عنها أسطورة أطلنطيد الاغريقية ( Atlantide ) ان اللغة ، بقوة سحرية غريبة تمكن من وضع جسور وممرات  مكشوفة وسرية بين هذه الضمائر التائهة . وتضع حدا للغربة التى يولد عليها الانسان ، وتكسر سجن العزلة . الا ان هذه القناطر والجسور والممرات تبلى تحت تأثير عدة عوامل . . والمسألة . . كل المسألة هى فى الحفاظ عليها متينة قوية . ( للبحث صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية