الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

حياة

Share

مضى من الليل ثلثاه فخرجت من المستشفى منهوك القوى . فتركت زملاء ممرضين مهتمين بالموتى والجرحى والمرضى الذين طفحت بهم بيوت المستشفى ومداخلة . كانت شوارع مدينة بنزرت مظلمة مخيفة . لقد خلت من كل شئ حتى من الريح وخيم عليها سكون ثقيل ممل . فخيل الى انه المسافر الوحيد الذى فاز بحرية التجول فى المدينة . فشعرت احيانا انى كنت اسمعه يمشى ويتنفس ثم يقف فيتأمل ويستغرب من المدينة ومن الناس ومن الطبيعة . فلقد كانت الاشجار قائمة سوداء وكان كثير من جدران المنازل والدكاكين حجارة مبعثرة قد لونها الدم واختلطت بالغبار والماء العفن فاصبحت اكداسا مختلفة مريعة . اما الارض فلقد تشققت وكثرت حفرها . فأطلت النظر اليها وفكرت لاول مرة فى ارضنا المبسوطة الممدودة وتساءلت ان كان للناس فى الارض مفر فاين مفر الارض فى الارض ؟ واين مفرنا ان فرت الارض ؟ اصابتنى حسرة على مدينتنا واهلها وارضها ومنازلها . فيا حبذا تلك الليالى التى كنت اتجول فيها فى مدينتنا التى خلقت لتعرض حسنها ليلا !

اسرعت فى مشيتى ورتبت معطفى الابيض حتى تظهر عليه علامة الهلال الاحمر التونسى وذلك اتقاء شر المظليين الذين احتلوا قسم بنزرت العصرى. لقد سمح لامثالى ان نتجول فى الليل عندما تدعو الضرورة الى ذلك . فكنا معرضين للخطر فى كل لحظة لكنى كنت ابذل الجهد لتجنب كل مصيبة . عرضت هلالى على صدرى حتى يبدو واضحا ثم مسكت هويتى . اكثرت من ضجيج قدمى حتى لا يغدرنى غادر . مررت بفرقتين من الجنود فنظر الى الحارس نظرة حادة لكنه لم يخاطبنى . فخلت الى الشوارع فلم ار الا الظلام يجرى امامى ويسد على كل مخرج . فشبه الى ان الحرب ليلة سوداء ضاع فيها الانسان واختفت فيها الدنيا . توجهت الى منزلى فى القسم المحتل من المدينة وعلى مقربة من بطحاء بوشوشة ومقهى البلور اللتين كنت اطل عليهما من شباكى .

مشيت عازما مفكرا فى لذة النوم لكنى ماكدت اندمج فى الشارع المقابل لشارع بيتى حتى خيل الى انى سمعت انسانا يمشى ورائى . فتباطأت فى مشيتى ثم نظرت ورائى متحذرا . فلم ار شيئا سوى الظلام يملأ الشارع . خفت متوقعا وجود شخص يريد متاعى . تقدمت متصنعا الثبات ثم وقفت فجاة والقيت نظرة خلفى فرايت خيالا اسود يغيب فى الظلام . ركضت خائفا

فدخلت منزلى وسعيت فى تذكر ملامح الخيال لكنى لم ادرك منه الا صورة غامضة لا تفيد . صعدت المدرج مسرعا ونظرت من شباك الى الشارع. فرايت جنود الجيش التونسى وراء اكياس رملهم وفوق السطوح يراقبون جيش العدو . فكانت تفصلهم عنه شبكة طويلة هائلة من الاسلاك الشائكة تعلقت بها فبدت لى متشعبة سوداء قد سلطت عليها انوار خافتة . تركت عينى تداعبانها وتتبعانها الى الجهة الاخرى من الشارع . قادتنى وقحة متباطئة مزعجة . وما كادت عيناى تبلغان نهايتها حتى ارتعشت ارتعاشا . لقد رأيت الشبح الاسود واقفا فى آخرها . اقتربت من النافذة وامعنت النظر فلم ادرك شكلة تماما . نظرت ثانية فخيل الى انى رايت امرأة ملفوفة فى حجاب أسود . فتحت شباكى وبحثت عنها فصعب على وجودها لكنى فزت بها بعد دقائق . لقد كان الشبت يمشى ويقف . تقدم من النور فظهر جليا ثم دخل الظلام فذاب فيه واصبح جزءا منه . رايته يعود الى النور فاستحسينت ظهوره ثانية رغم خوفى عليه فرايت امراة ملفوفة فى حجاب اسود . واستنتجت انها عجوز عرجاء لان مشيتها كانت ثقيلة وكانت تجر رجلها اليمني حرا . فاستغربت من ذلك فما تفعل عجوز عرجاء فى الليل قرب الاسلاك الشائكة ؟ ألا تخاف على نفسها ؟ والله لا تفعل ذلك الا مجنونة ؟ تاخرت قليلا وفتحت فمي واسعا لانهرها حتى تعود عن غيها . لم اتمكن من ذلك لانها تنحني على الاسلاك الشائكة فتربطها بحبل وتدخل فى الظلام قليلا ثم تنفض الاسلاك كانها تريد ان تدرك مقدار قوتها ومقاومتها . اصاب الاسلاك اهتزاز تحول الى اهتزازات متوالية كان كبرها يزداد كلما اقتربت من منزلى ، فرايت الاسلاك تزحف نحوى هائلة قد برزت انيابها فى الضوء وتلاطمت فتضخم ضجيجها وتسارعت في زحفها . قفزت نحو الشباك فغلقته ووقفت الى جانب الحائط مترقبا وصول الآفة الى . سمعتها تصدم حائط منزلى عنيفة ثم عقبتها طلقات رشاش ثم سكون .

قصدت فراشى مسرعا جبانا . أصابنى أرق فاتانى بصور مزعجة منها صورة ميت عجوز . كانت عيناه مفتوحتين تنظران الى كل شىء وكانت يده اليمنى موضوعة على راسه ويساره مطلوقة مثل العصا . قادتنى صورته الى هرع الناس عندما اطلقت الطائرات شرر نيرانها علينا . فكان منهم من ظل هاويا فارغا قد نام نوم الابد ، ومنهم من هلع وارتاع ففر من النار ثم عاد اليها , ومنهم من كان يزحف بطيئا يتخبط فى دمه وغشوة عقله وقلة امله . فبدا لى الحق يجرى وينادى ويتخبط ثم يخر مخنوقا مشلولا . والغريب فى الفظائع انها لن تصل كاملة الى عقول الغائبين عنها . فهم دائما متسامحون ولو كانوا من لحمنا ودمنا . فالموضوعية متواضعة والحقيقة معتدلة . عدت الى التفكير في عجوزى العرجاء فلم افهم قضيتها . لعلها ستلاحقنى فى الليلة القابلة ؟ الا يحسن بى ان اخذ سكينا لحماية نفسى ؟ لكن ما عسى ان تكون حيلتى لو فتشنى جنود المظلات فوجدونى مسلحا ؟ اقبل على النوم دون ان اجد حلا

للقضية . ظننتها قد حلت من تلقاء نفسها لانى عدت مرتين ليلا الى بيتى فلم ار اثرا لعجوزتى العرجاء . نسيت الامر وحسبته حدثا عرضيا لا قيمة له .

كانت الليلة باردة سوداء نزلت فيها امطار كثيرة على بنزرت . فاكفهر الجو وازدادت وحشة المدينة . كنت امشى مسرعا فاندمجت فى شارع مظل ضيق بالمدينة العصرية كي اوجز طريقي . فما كدت ابلغ نصف الشارع حتى رايت العجوز العرجاء واقفة تترقبنى فى آخره . نظرت اليها قليلا ثم درت واطلقت رجلى للريح . لم اجر بضع امتار حتى رايتها تطل على من ناحية الشارع الاخرى . انهزمت وعدت من حيث هربت لكنى هدأت واختفيت وراء ساريا وترقبت . مرت دقائق لم ار ولم أسمع فيها شيئا . اردت ان اخرج لاهرب لكنى وقفت لانى سمعت صوتا واضحا ينادينى :

- الله يهديك ياسى ابراهيم ! اتركنى اقرب منك . انت دائما خائف هارب كالطفل

- لا ، لا ، من انت ؟ انا لا اعرفك . ظلى فى مكانك . - لا تخف ، فلن آكلك ! اتخاف من امرأة ياسى ابراهيم ؟ تبارك الله ! عضلاتك مفتولة ، قوية وانت شاب شجاع. - من يضمن لى انك امرأة ؟ ومالك تتصرفين هذا التصرف ؟ ثم اضفت مهددا

اتركى والا ساصيح فضحكت ضحكة فيها اخلاص وتهكم. - ان صحت فاننا سنهلك معا لان جنود المظلات عمى وخاصة فى الليل. انهم يطلقون النار حتى على ظل السحب . انا كنت مجبورة على تتبعك لانى لم اقدر على الاقتراب منك .

فخضعت لحجتها - لكن اينك يا . . ؟ كيف تعرفين اسمى ؟ - انا اعرفك وانت تعرفنى ايضا . نحن فى حاجة الى مساعدتك . اتبعنى ولا تخف . هيا . هيا . ها انا امشى امامك.

ترددت لكنى تقدمت مرغما فرايتها تمشى امامى متباطئة تجر رجلها جرا . فكانت تحف بالجدران فتغيب عنى احيانا فاضطر الى ندائها فتظهر وتشير الى باتباعها . مشيت تقريبا نصف ساعة عائدا على اعقابى حتى بلغنا مستودعا تخيلته فى منطقة المستشفى . دفعت بابه الثقيل فاتبعتها ثم فتحت بابا آخر واندمجت فى مدرج سفلى فيه نور . خفت على نفسى فاردت ان أهرب . لكنها

نادتنى فلم أستمع اليها وصممت على الخروج فاذا بيد تقبض على . التفت فرايت شابة حسناء سمراء سوداء الشعر باسمة الثغر. - ياسى ابراهيم ! ركضت وراءك ليالى حتى كدت افنى ، والآن تريد ان تهرب . عيب ! عيب! لكن من انت ؟ اين العجوز السوداء ؟ - انا هى ٠٠٠٠ - انت ! انت ....ابدا ! مع السلامة فتعلقت بى

 - يا سى ابراهيم نحن فى حاجة اليك . نحن فى حاجة ملحة الى مساعدتك .  - الى اين تريدين ان اذهب معك ؟  - الى الاسفل . الى غرفة الشغل ؟ - شغل ماذا ؟ من يوجد بالغرفة ؟ هل انت وحدك ؟

فلم تجبنى ومدت الى يدا لطيفة متوسلة ثم ابتسمت الى ابتسامة مشرقة فيها صداقة وغرور واغراء . تبعتها فدخلنا بيتا كبيرا قليل الاثاث . فجلست على كرسى كبير وظلت واقفة بجانبى . ارادت ان تحدثنى فقاطعتها حانقا متحديا

- من انت وماذا تريدين منى ؟ كيف تعرفين اسمي يا سيدة . .؟ - نسيتنى يا ابراهيم ! تذكر قليلا ؟ انظر الى . تذكرت فجأة ان فجور النساء يزدهر فى الحروب والمصائب فتصبحن خطيرات على الوطن.

- ولكنى ما عرفتك بتاتا . هل تريدين مالى . . فانا لست غنيا . ونظرت الى باب غرفة مجاورة خاشيا وجود لصوص فيها . لمت نفسى على ترك عنانها لحجج هذه الشابة . - ان خروجك على الموضوع لا يهم . فانا لست بنت هوى ولا لصة . انا اختك . فالمهم مساعدتك لنا ان امكن ذلك

فتجاهلت كلامها ممتعضا لانى شعرت انها تتحدانى . فهى تعرف اسمى وتخفى عنى اسمها وتطلب منى مساعدة لست اعلم فحواها . فلا شك انها تريد ان تتهكم على وتقودنى الى هاوية لم اكن مستعدا للوقوع فيها لا سيما فى هذه الايام . فنظرت اليها والى لباسها راجيا الفوز بشئء يذكرنى اياها . فبدت لى متوسطة القامة ، هيفاء ناهدة قد ضم جسمها لباس ازرق بسيط ممتع . ظلت واقفة امامى صابرة هادئة تترقب عودتى الى موضوع مساعدتها. فلم تنزعج ولم تتحرك عندما وجهت الى تفاصيل جسمها نظرة وقحة . تعلقت

عيناى بشعرها المتجعد الدجوجى وبعينيها الخضراوين الباسمتين . ازداد شخصها غموضا فجمعت كل ما لدى من قوة الحجة والحيلة وقررت الفوز بسرها سواء كان هدفها مخلصا او كاذبا . أمرتها .

- تحولى واستقيمى امامى حتى اعرف من انت . لابد ان اعرف من انت . ترددت وتجعد جبينها ثم جرت رجلها العرجاء ووقفت امامى راضية مرضية ونظرت الى وفى عينيها صفاء وصدق . فازداد وسواسى . اردت ان استفزها لاقضى على صدق مظهرها فاتمكن من معرفة حقيقتها . استعملت ما اكتسبته من خبرة عن حساسية النساء.

- متى اصبحت النساء العرج مثلك تسخرن بالرجال ؟ ما سنك ؟ ومالى اراك لا تحسنين لباسك ؟

صفعها كلامى صفعا فتحرجت لكنها ظلت هادئة - هذا كله لا يهم يا سى ابراهيم نحن فى بنزرت ياسى ابراهيم. - لكن بنزرت لا تمنعك من ذكر اسمك ؟ السيدة تعلمنى الوطنية! - كلامك معقول . . . انى ادعى حياة . فهل لك سؤال آخر قبل ان ندخل فى جوهر الموضوع . انى الآن اترقب جوابك . انا متأخرة.

نظرت اليها مليا واستعرضت وجوه من عرفت من الفتيات والنساء . فلم اذكر هذا الاسم . استغربت من مرونتها ومن هدوئها فاعتقدت انها تتسامح وتتساهل لتنال منى ما تريد . فسالتها - لكن ما هى المساعدة المطلوبة ؟ - الاسلاك الشائكة . نحن نريد رفعها . اعنى الاسلاك القريبة من منزلك . - من تعدين بنحن ؟ كلامك كلام مجنونة.

- اعنى انت وانا واخوان آخرون ذهبوا معى منذ ثلاث ليال فنفضوا معى الاسلاك لادراك قوتها ومقاومتها . انها ليست صعبة المنال نريد ان نرفعها ليلة 19 اوت . - لكن كيف ذلك ؟ هذا جنون . انت امرأة . اليس الاحسن ان تعودى الى منزلك .

- هذه الاسلاك قد قسمت قلوبنا . فهى وامثالها فى العالم حاجز بين الاخوان والشعوب . لقد نقلوا الينا اسلاك الجزائر.

ابتسمت مشفقا على غضبها وتحمسها لانى ظننت ان الانسان الشاعر بقوة غيره انسان كافر بكل قفزة ونهضة . بادرتنى مستفزة اياى. - يظهر ان قلبك قد مات . لقد مات املك وحماسك اللذان عرفتهما فيك . اهى السن التى غدرت بك ؟ فصحت

- انا ما عرفتك ولا انت عرفت املى وحماسى . انت تريدين الهجوم على المظليين بالمظاهرات السلمية والاناشيد القومية وعينيك الخضراوين . كفانا امواتا . هؤلاء حطمونا . - حطمونا فلهم ذلك . فالغلبة لهم لكن النصر لنا وللشعوب المتحمسة الكادحة الطاهرة . . تيقنت ان هذه الشابة من اهل التياسرية فاردت ان اقمعها - النصر بجثث الاموات تضيفين اليها جثتك وجثث غيرك . الميت حمل ثقيل يا . .

لم تحبنى ثم بادرتنى متسرعه لاهثة - فكرة طيبة ! فكرة طيبة ، جثث الاموات لرفع الاسلاك . طيبة للغاية. ثم ارتمت على صدرى فوقفت متأخرا مدهوشا يا ابراهيم ! يا ابراهيم باسم حبنا الماضى ، حب الشباب الغالى ، ارجوك ان تساعدنا .

فازداد استغرابى . قلت يائسا يابسا : - لكن اية مساعدة ؟ - سلفنا 15ميتا من المستشفى. فوجمت وكدت ان اصفعها لكنى اعرضت فهممت بالخروج . سبقتنى الى المدرج متعثرة

- ابراهيم ! ابراهيم عدنى انك ستعود بعد اربعة ايام . اعدك بشرفى انك لن تجد الا الخير . تذكر حب صبانا . والله لن اطلب منك الاموات. لكن ارجع .

لكن ما هو مرادك من كل هذا ؟ - رفع الاسلاك الشائكة . انها تمزق قلبى وقلوب اخوانى. - لكنك تريدين تحرير الوطن بالاموات. - وهو كذلك . تلك غاية مجيدة . نحن نستطيع ان نحيى الاموات . انا احيهم بعينى الحضراوين

فتيقنت انها مجنونة لكنى اردت ان اخلص نفسى منها فتلطفت معها - انت خاطئة . فانت تدافعين عن قضية عادلة بحجة ضعيفة واهية فسكتت وتركتنى اخرج . فهربت هروبا وتنفست الصعداء . لكن هذه الشابة الحسناء حيرتنى . فهى تدعى أنى عرفتها وان حب الصبا قد جمعنا. انها تطلب منى مساعدة بسيطة : ١٥ ميتا ، كانهم من ارث المرحوم السيد الوالد . فوالله لن اعود اليها بعد هذه المرة.

قضيت ثلاث ليال افكر فى تلك المرأة التى جعلتنى اخشى جنونها ومخاطرتها . كانت صورتها تلاحقنى وكانت عيناها الخضراوان تلوعاننى . سعيت وراء كل وسيلة للخلاص منها لكن دون جدوى . قررت عندئذ ان افكر فيها عمدا واتخذ قرارا . فاما اقتل صورتها فى نفسى واما اعود اليها فأشاركها جنونها. ابتدات فاستعرضت تاريخ حياتى لعلى اجدها فيه واضحة الملامح . لقد عرفت شابات ونساء كثيرات . عرفت فاطمة الشقراء وعينيها الزرقاوين وغموضها المفيد . وعاشرت سامية السمراء وابتساماتها الحزينة وحماسها المفاجئ . واستحسنت الزوجة سلوى التى كانت ترتمى على صدرى وتتحسر لانها لم تعرفنى قبل زواجها . مرت امامى وجوه واضحة رايت فيها الحياة تبتسم وتغرى وتفيد . لكنى لم افز بوجه صاحبتى الغريبة ولم اعرف امرأة عرجاء مثلها ولم افلح بحسنها وعينيها اللتين كادتا تسرقان قلبى فى تلك الليلة . فلعلي عرفتها ونسيتها ؟ لعلى احببتها حبا جما فلم ادركها فيئست منها وعلى قدر عضة الهوى وخيبته ياتى الانتقام فيكون النسيان ؟ لكنى لم اعرف فتاة عرجاء . لعلى عرفتها فاحببتها ولم الاحظ عرجها اذاك ؟ لا يستبعد انها اصبحت عرجاء بعد فراقنا ؟ كل شئ ممكن فى هذه الدنيا ، حتى احياء الموتى وما يمنع ذلك . فلقد خلق الانسان وسائل الفتك والتدمير فاتقنها واحسنها فلعل الرحمة تصيبه يوما فيتحمس للخير وحده فيخلق حياة الحياة الابدية. ان الانسان ساحر عاقل وحيه كامن.

لقد قالت لى الفتاة الغريبة انها قادرة على احياء الموتى . فكيف ذلك ؟ وما هى وسيلتها ؟ عيناها الخضراوان وابتساماتها المشرقة وسرورها ونور وجهها. لقد كانت تتكلم كلام اليقين عندما طلبت منى 15 ميتا لاحيائهم . بخلت عليها بذلك وحرمت خمس عشرة جثة من العودة الى الحياة . والله ان محياها يحيى الموتى ! فلو سلمتها ما طلبت لفعلت خيرا . لان فى موتانا اباء ظل ابناؤهم يتامى لا مرشد لهم ولا معين ، وفى موتانا شباب متحمسون همهم الفوز بالحياة . حزنت لذلك فجبت بيتي ثم لبست معطفى الابيض ودخلت فى الظلام . فلقد قررت ان اسلمها الموتى وارجوها ان تفيدنى متى عرفتنى . قصدت المستودع الذي قادتنى اليه لكنى لم ادركه لان الظلام كان حالكا والشوارع متشابكة لم أيأس فعدت أبحث عن منزلها . مشيت ووقفت وتأملت وهمست وناديت

لكن دون نتيجة لان النهار بلغني فوجدت نفسى متوجها نحو حي الخروية نهكنى التعب فجلست فارغ الراس بارد الاعضاء . اصابني ولع داخلى لاني اهملت امرأة كانت مستعدة لاحياء 15 ميتا واحياء نفسي . فمذ راتتها اخ قلبى يستيقظ من سباته ويعود اليه شبابه .

رجعت الى بيتى متثاقلا فنمت كامل نهارى . تجاسرت على واجبى فأبيت الذهاب الى المستشفى ثم عدت فخرجت فى الظلام دون ان اتنبه انى تركت معطفى الابيض . فما كدت اقترب من المستشفى حتى سمعت مطلبا فرنسيا يستوقفنى مزمجرا . تجاهلته وركضت فصرخ واطلق على النار فدوى الرصاص بين رجلى وفوق راسى وحذا كتفى فكانت شرارته تتراقص امامى متنوعة الالوان وتتلاعب فى اشكال هندسية مختلفة . بالغت فى الركض واندمجت فى شارع جديد فرايت فى آخره مظليين كثيرين يزمجرون ويطلقون على النار . فطار عقلي وبت التوى واتمايل وانحنى وأنبطح حتى استنفذت جميع الحيل. ازداد تعنتتى فركضت هامسا اسم " حياة " . فلما اشتد على الرصاص صحت كالمجنون

- حياة ! حياة ! حياة ثم اندمجت فى شارع خال فاذا بى ار المرأة السوداء ملفوفة فى حجابها تترقبنى امام باب المستودع الكبير . جرتنى الى الداخل - كدت تموت ياسى ابراهيم . فلولا حظك فى وحظى فيك فاجبتها مخنوقا غاضبا - فلو مت ، لمت وحدى . فردت على متحمسة مستثمرة لهثى واضطراب نفسى .

- هل تظن ان الذين ماتوا فى هذه المدينة اموات عزل ؟ يوجد من احرار العالم من مات معهم ولو مثقال ذرة . الاحرار فى العالم اخوة . وانت منهم لست ادرى ما عسى ان تكون لوعتى لو قتلت فى الشارع . انك عزيز على عزة نفسى ، واكثر يا ابراهيم .......

خانتنى قواى وصعب على الرد عليها . نسيت صحة كلامها واخلاصها فتشبثت بكلماتها العاطفية اللطيفة . تكاثر عرقى فمسحته ونظرت اليها . فوجدتها جميلة مثل الشباب وشابة مثل الجمال . فكلما امعنت فيها لفت نظرى شىء طريف جديد فيها لم الاحظه من قبل . فكان يبرز بدعة مفاجئة فرايت فى شفتيها بريقا ولمحت فى عينيها ذلا فيه حنان وحرارة . فالجمال سيخلد فيها ولن يفنى فيها ولو عجوزا . ابتسمت الى ثم ادمجت اصابعها فى شعرى الاسود الكثف فارتعشت

- استرح قليلا ثم الحقنا الى الغرفة السفلى . فسنستقبلك على الرحب والسعة سواء ساعدتنا او هجرتنا . ثم فارقتنى . توقفت بعد خطوات وقالت لى - لاتخش شيئا لقد اجتهدنا فتحصلنا على 15 ميتا .

صفعنى كلامها ففارقت كرسيى لكنها اسرعت وتوجهت الى المدرج . ظللت واقفا انظر الى مشيتها الرشقة فلاحظت انها تمشى مشية عادية كانها لم تكن عرجاء . فبادرتها وسألتها عن سبب ذلك

- تلك حيلة استعملها فى الشارع لأتجنب شر المظليين . قل ان تطلق النار على من لا يهرب منها.

والله ان هذه المرأة شيطانة ! انها ستسلبنى عقلى . ازداد تعلقى بها فتساءلت : اهو الحب ؟ فان كانت هذه بدايته فما عسى ان تكون نهايته ؟ انى اخشى العاطفة الحرى . فهى كالنشوة كثيرا ما يفقد فيها العقل زمامه . اردت ان الحقها فشجعتنى على ذلك اصوات كثيرة اتية من الاسفل . رتبت ثيابى ونزلت . دخلت البيت فسمعت ترحيبا بقدومى . رايت اربعة عشر رجلا جالسين على رفين متقابلين . رمقونى واهتموا بالشابة التى توسطتهم قرب شاب مليج الطلعة طويل قوى البنية مرتب اللباس . جلست فى آخر الرف الغربى فسمعتها تقول :

- كل شئ على احسن ما يرام . عندنا الآن 15 ميتا وعما قريب سنجتاز بهم الاسلاك الشائكة لدفنهم فى مقبرتنا بالمدينة العربية .

نظرت اليناكلنا ثم التفتت الى الشاب القريب منها ومسحت بنظرها شعره ومحبه ثم ابتسمت اليه ابتسامة مشرقة متامرة حنونة . بدت لى ابتسامتها شتمة فى عرض وتعديا على شرفى ورجولتى . تحركت واردت ان اقوم فأعبر لها عن حنقى لأنها ضحكت على . اعرضت عن فعلى لانى رأيت حنقى فى عيون جميع الشبان الجالسين . فأدركت انها ضحكت علينا جميعا . فنحن اذا متساوون فى السذاجة والبله . رايتها تقوم لانها فهمت ما سرى فى نفوسنا

أظنكم تعرفون أخى عبد القادر . لقد انضم الينا ليعمل معنا . انه أخى شقيقى . . وانتم اخوانى فى الشعور والمصير فرايت الوجوه تشرق والاطمئنان ينعكس فى تحرك الاجسام واهتزار الاكتاف العريضة . لكن ذلك لم يسعدنى لأنى ادركت انى ساواجة اربعة عشر مزاحما . ليت اخاها كان عشيقها اذن لسهل على الامر ! سألها احد الشبان مبتسما ابتسامة المحتشم - انا ما تمكنت من اختيار ميتى لرفعه . انا اقل الجماعة قوة

ما فى ذلك بأس . تفضل ادخل البيت المجاور لتختار ميتك . فقام ودخل البيت . اضافت حياة - بقى خمسة منكم لم يختاروا موتاهم . ليفعلوا ذلك الواحد بعد الآخر . بقى ميت واحد دون حمال . فهل لك ان تحمله يا سى ابراهيم ؟ فاجت متلعثما

لا ارى مانعا فى ذلك . فبادرتنى متحمسة مبتسمة - الله يعيشك ! انا اعرف ان قلبك حى لن يموت . سادخل معك الاختيار ميتك.

دخلت معها ثم عدت قبلها يكاد الضحك ان يفلقنى . فاستغرب الحاضرون وغضبوا . اما حياة فكانت مضطربة ثم صاحت فى - مالك ؟ مالك يا ابراهيم ؟ هل جننت ؟ - لا ، والله ما جننت لكن المؤدب  الوحشى اضحكنى . - لكن ما الغريب فى ذلك ؟ المؤدب مات . قتلوه غدرا .

فازداد ضحكى وتلعثمت الشابة الجميلة واستولى عليها حزن كنت احس انها تتنفسه . فشعرت ان المرأة الجميلة الحساسية مرآة ما ملكت يداها . فلم وضعنا قطا فى حضنها لشابهته . ارتمى على اخوها فتجنبته . فقلت والضحك يخنقنى - يا جماعة اسمعوا حكاية المؤدب وسوف تعذروننى .

وقصصت عليهم انه لا يمكن للمؤدب سى الوحشى ان يموت . فهو لم يخلق ليموت بل ليدخن التكرورى فى الزوايا والاماكن الهادئة . انه من ناس خلقوا للراحة كما خلق آخرون للكفاح وآخرون للسرقة والبهتان . تابعت كلامى فقصصت ان شرطيا كان يتجول قرب الميناء القديم ببنزرت فرأى دخانا كثيفا خارجا من دكان صغير . فظنه حريقا فاقترب من الباب وطرقه . فلا مجيب طرق ثانية . فلا مجيب . تاخر ودك الباب ففتح . تاخر ثانية لانه لم ير شيئا فترك الدخان يخف ثم عاد فدخل . راى اشخاصا جالسين يتوسطهم شيخ معمم .

فسألهم - ما تفعلون يا اهل الخير ؟ - والله ننتشى " بمزة " من التكرورى . نعتقد انك لا ترى مانعا يا أخانا

- تبارك الله على اخوانى ! هاتوا هوياتكم - نحن متأسفون وأضاف احدهم كانه فاز بحجة الاستعمار الكلب حرمنا منها - لكننا استقلنا منذ سنتين فاجابه احدهم متذاكيا - لكن رواسبه ما زالت عندنا . -

فلم يجبه الشرطى فسأل اولهم عن شغله فاجاب انه " عوادجى " اما الثانى فكان " قهواجى " وكان الثالث " درباكجى " والرابع " كما نجى " أى نخبة من الفنانين . فلما وصل دور الشيخ المعمم ساله الشرطى متلطفا معاتبا .

هو شغلك ؟ - وانت يا سيدى الشيخ ، ما هو شغلك ؟ - قرآنى والله يا وليدى ! اقسم لك بالستين حزبا ، انا قرآنى !

ضحكت فلم يضحك معى احد بل رايت وجوها صامتة جامدة تعبر عن العتاب والغضب . شعرت عند ذاك بموت المؤدب . لقد رايته ملقى على حصير ملفوفا فى كفن ابيض . اما وجهه فقد لوثه دم داكن وغبار وتبخرت من جسمه نتونة مخنقة . جلست وسكت . بادرتنا حياة

- اظن ان كل واحد قد ادرك مأموريته ومسؤوليتها . اننا سنرفع الاموات ليلة 19اوت . ارجو ان تكونوا هنا فى الساعة الثامنة من تلك الليلة . الى اللقاء .

فرايت كل الشبان يمتثلون اليها مشغوفين بها . بدا لى ان تلك الشابة قد سحرتنا . تأخرت ساعيا الاختلاء بها لكنى رايتها تنحنى على شاب وتقبل خده بحرارة وهمست له فاشرق وجهه . ياحيرتى ! لانى كنت اتصور ان الرجل هو القادر الوحيد على حب نساء كثيرات . فهل انقلبت الآية اليوم؟ اردت ان اسألها عن ذلك فبادرتنى

- يا ابراهيم يا سيدى ، الغيرة خطيرة لا سيما فى ايام العسر . سوف اجعلك تتذكرنى . انا المرأة التى عرفت واحببت . . انا حية فى ذاكرتك. ثم تركتنى ودخلت بيت الاموات وغلقت بابه . فظللت حائرا ثم خرجت متثاقلا ، متحمسا الى رجوعى ليلة 19 اوت لاعرف حياة.

كنت استمع الى شابين من المتطوعين يتحدثان . فكان احدهم يدعى سالما. فهو لطيف المحيا مجعد الشعر . خاطب صاحبه

كيف عرفتها يا على ؟ - طرقت بابى المقابل لهذا المستودع . فاحترت من امرها . لكنها اقنعتنى  بعد حين انها حياة ابنة جارنا المكاوى بالمهدية . فلقد تعارفنا واحببنا بعضنا حبا جما . لكننا تفارقنا منذ سنوات عندما قصدت بنزرت للعمل بالميناء . انى مسرور بوجودها هنا رغم خوفى عليها من الخطر . فسكت ثم ابتسم واضاف

- نهاية بديعة . فلقد ذكرتنى بكل تفاصيل حياتى . فلست ادرى كيف استطاعت تذكر كل ذلك . انا مسرور بذلك . انى ساخطبها من اخيها للتزوج بها بعد مرور هذه الازمة .

- لكنى عرفتها ايضا . انها حياة المعلمة التى كانت تدرس بمعهد شارع روسيا الثانوى . لقد عرفتها عندما كنا نطارد طالبات المدارس . كنت ارغب احدى تلميذاتها فاذا بى افوز بها . لقد وجدتنى بمعمل الاسمنت مختفيا ويبدى رشاش . انها جميلة . هذا المساء بعد الرجوع سوف اخطبها من اخيها .

نظر الشابان الى بعضهما مدهوشين متعارضين . تركتهما واقتربت من شاب آخر فرايته يتلذذ حديثه ويبتسم لنفسه ولغيره . قال لصاحبه - يا اخى الاخت حياة جميلة مثل القمر ! تعلمنا فى مدرسة واحدة بقرية القلعة الجرداء وعطفنا على بعضنا عطفا عميقا . والله ! والله ! ما كنت انظر انها ستصبح تحفونة حبوبة . فحين تجلس مع اخيها هناك سأخطبها للتزوج بها . ما قولك فى هذه الفكرة ؟

- فكرة فاسدة للغاية . اجد ما احسن منها لانى فكرت فيها قبلك . وقع هذا الحديث بين الشبان فى بيت المستودع السفلى وكانت الساعة قد بلغت السابعة مساء . كنا نتترقب حياة واخاها لدفن الموتى . لاحظت ان الشبان كانوا منهمكين فى حديث حام . فتيقنت انهم يتحدثون عن حياة . تحولت بينهم ثانية فعلمت ان كل شاب من الحاضرين كان يدعى انه عرفها . فكنت اكثرهم لوعة لانى كنت اجهلهم بها . ولكنى ادركت انهم مشتركون جميعا فى الغموض . فلم اسمع احدا يؤكد انه يعرفها حق المعرفة . بل كل مافى الامر انها اقنعتهم بمعرفتها كل على حدة فعشقوها وهى غامضة وساحرة فلا مفر من ذلك . فاقتنع كل على شاكلته انها حياته فى روحها ونفحتها وثروة نفسها وجسمها .

قبضت على عزمى من ناصيته وقررت ان استبد بخطبتها . لقد قررت ان ارتمى عليها فاضمها الى صدرى واقبلها قبلة شهر وذلك حين تضع رجلها فى اخر درج . فان احتجت هى او اخوها فان حجة ردى ستكون قوية . الم تقل الى تلك الشابة انها احبتنى واعزتنى ؟ فان كذبت ذلك الا يصح لى ان انتقم

منها موضحا للشبان انها ضحكت علينا جميعا ثم اترك لها عندئذ تحمل عاقبة غضب المحبين الفاشلين ؟ فان استحسنت قبلتى فان الشبان سيقبلون الامر المقضى ويتركونها الى . اقتربت من المدرج وترقبت ناظرا الى الشبان الاخرين الذين مضوا يتحدثون عنها واشتدت مزاحمتهم عليها حتى كادت تنقلب الى مشاجرة صريحة لولا أننا سمعنا حس اقدام تنزل المدرج . سكتنا واستويناوا واقفير بعد ان رتب كل فرد منا ثيابه وشعره . رايت من الشبان من كان يتمتم ومنهم من كان يمد عنقه ويرهف السمع كانه يعد الخطوات بالمدرج . ابتدأت الخطوات سريعة ثم تباطأت ثم توقفت . كان نفسنا يسرع ويتباطا ويقف سمعناها تنزل المدرج ثانية ، متباطئة ثقيلة . فكنا نحسب مقدار قربها منا لان كنا نعلم ان المدرج يحوى عشرين درجة . لقد بلغت الآن الدرج الرابع عشر . الثالث عشر . . الثانى عشر . . . السادس ثم توقفت فجأة . لم يجرأ أحد على الاقتراب من المدرج للاستخبار . وفجاة اسرعت الخطوات فنزلت الدرجات الرابعة ، والثالثة ، والثانية والاخيرة . . وظهر اخو حياة وحيدا . فتعلقنا به ومد بعضنا يديه له وسألته عيوننا . كان مهموما ثقيلا . التففنا حول خائفين على حياة . اشار الينا بالجلوس ثم قصد كرسيه فبرز كرسيها فارغا ساد البيت سكون محرج ثقيل . تجرأت وسألته

- اين حياة ياسى عبد القادر ؟ هل هى اتية عما قريب ؟ فنظر الى حزينا وحرك راسه نافيا فاستفسرته - فارقت بنزرت ؟ تركتنا لتكافح فى مكان آخر ؟ ان ميادين الكفاح فى بلادنا كثيرة .

- لم تفارقنا حياة . انها معنا فى هذا البيت ادرنا كلنا رؤوسنا الى البيت وسقفه ومدرجه . سمعنا صوت اخيها يرن - انها فى بيت الموتى . . . لقد قتلها المظليون البارحة . فقفزنا قفزة رجل واحد وهجمنا على باب الموتى . سبقنا اخوها اليه ومنعنا من الدخول

- يا جماعة ارجوكم ان تكونوا من العاقلين الصابرين . عندى وصية من حياة اليكم . انها تناشدكم مواصلة عمليتنا ثم انها ترجو منكم ان لا تفضلوها على غيرها من الاموات. فسندفنها معهم .

ثم فتح الباب فكشف عن وجهها الهادىء الوضاح . فرايناها جميعا وكنا صامتين متساوين فى الحزن عليها . ان الغريب فى هذه المرأة انها عودتنا على اشتراكية الاعتقاد فى مفاهيم شتى . فلو ظلت حية لجعلتنا ندرك القمر . فلو ظلت حبة لجمعت امة كاملة للكفاح من اجل خبز الفقير وفرحة القلوب والحياة الكريمة . انحنى عليها احد الشبان متسرعا مضطربا

- انا احملها الى المقبرة فارتمى عليه آخرون وارادوا ان يمنعوه ليفوزوا بها لكن اخاها اعترض - هى اختى . اتركوها الى ارفعها فلم ينازعه احد . اقترب منى عبد القادر ثم همس فى اذنى - حياة كلفتنى ان ابلغك وصية . . لا تؤاخذنى ان صدمتك - ما هى وصيتها ؟ قلها ولو قتلتنى.

فانحنى على واخبرنى ان وصيتها تتعلق بتذكيرها اياى. فذلك وفاء منها بالوعد . علمت انها حياة ابنة جارنا سى منصور العدل الشاهد الذى يسكن فى رقم 14 من نهج تربة الباى . لقد تعارفنا منذ تسع سنوات ، كنت اذاك فى الثامنة عشرة . فكنت افوقها بثلاث سنوات . تعلقت بها مدة شهر ثم تركتها لانى وجدتها ساذجة طفلة لا تستحق التقدير ولا ترضى معاييرى لقد لاحظت اذاك سحر عينها وجمال طلعتها لكنى بغضبت سذاجتها وثقلها. وبعبارة اخرى وجدتها لا تناسبنى فى رقصى وتفلسفى وتذوقى هذا الشاعر دون ذاك وهذا الممثل دون الآخر . فلقد كانت متخلفة عنى . فنسيتها وركضت وراء المليحات والقبيحات ممن تعفرتن فى الحديث والدلال والتبرج أى من كن يصفعن مخيلتى ويثرن فى نوعا من الاعجاب والاغراء والفضيحة . فما ظننت ان مراد الحب العميق يسبط متواضع . وما علمت انه سيتخذ حيا مثالا له . تلك حبأة التى عرفتها . وحدتها اليوم جديدة لذيذة قد اكسبها الكفاح جمله . اليس جمال المرء ياتى من تفانيه فى سبيل اخوانه المحتاجين اليه ؟ سالت اخاها وفى عبارتى سذاجة الحزن

- هل كانت تفكر فى دائما ؟ - كلما طالت السنون ازداد حبها لك . انها احبت لانك نسيتها. فياليته ما قالها ! نسيتها فشغفت بى وفنيت فشغفت بها فكأن الحب يخلد عندما يخيب . قال اخوها

- حياة تطلب منك فضلا واحدا .ترجوك تترأس الشبان الذين  سيحملون الموتى لانك الوحيد الذى يملك هوية ممرض شرعية . اما هويات الآخرين فهى مزورة . فان اطلع المظليون على هويتك الصحيحة من المحتمل ان يتركوا الآخرين يمرون دون تشدد فى مراقبتهم . فسالته

- لكن ماهو الهدف من عمليتنا ؟ أدفن الاموات ام رفع الاسلاك الشائكة ؟ - ألم توضح لكم حياة ذلك ؟ - اظن انها كانت تعنى رفع الاسلاك. - لن نهتم بآلاسلاك . فهى من عمل المتظاهرين . فنحن سندفن الاموات.

وتلك عملية رمزية نريد ان نسجل بها ان هذه البلاد حق لنا دون غيرنا نفعل فيها ما نشاء ومتى شئنا .

- لكن المظليين لن يتركوا الاموات يمرون ولا الاحياء يتجولون فى الليل  لا سيما بعد مظاهرة النهار التى اتصورها ثقيلة عليهم وعلى اعصابهم . الانخاف على انفسنا من شرهم ؟

- من النادر ان تطلق النار على من يحمل ميتا ويتجه نحوك . فالميت وحامله حياديان. - ليت المظليين يفهمون ذلك. تلك مسؤوليتنا وخطرها.

لم نخرج فى تلك الليلة لان مظاهرة 19 اوت الصاخبة قد جعلت جنود الاحتلال يهتمون بكل صغيرة وكبيرة . فخشينا ان يكشفوا امرنا . فافترقنا على موعد الرجوع فى الليلة المقبلة على الساعة التاسعة

سبقت جميع رفاقى فبلغت المستودع فى الساعة الثامنة والنصف . جلست مدة على كرسى لكن سكون البيت تقل على . قمت فتفسحت ثم فكرت فى دخول قاعة الموتى . لقد اشتهيت ان انظر الى حياة نظرة الوداع . فان سئلت عن وجودى بقربها اجبت بأنى اتفقد ميتا وادرس احسن طريقة لنقله تشجعت وتقدمت من الباب خاشعا مضطربا . دفعت الباب وقدمت راسى ابحث عن جثة حياة فلم ارها . فتحت الباب واسعا ونظرت فلم ار ميتا واحدا استغربت من ذلك وظننت انى فتحت باب غرفة اخرى . نظرت ورائى ويميني وشمالى . فلم اجد غرفة اخرى . عدت الى الباب فدفعته فوجدت الغرفة فارغ لا ميت فيها . فما اعجب الفراغ ! انه يكسب الاشياء مساحة تكاد تصبح م وحشتها وبرودتها . كدت اجن . اين الاموات ؟ هل احيوا ام رفعوا ؟ فلعل المظليين قد اخذوهم ولعل حياة قد احيتهم جميعا ، ولعل الاخوان سبقوني فرفعوهم لدفنهم ؟ اذن وصلت متاخرا ؟ لكن ذلك غير ممكن . لقد طلب من عبد القادر الرجوع فى الساعة التاسعة . نظرت الى ساعتى فرايت انها توشك ان تعلن التاسعة . خرجت من بيت الموتى واجتزت قاعة الاجتماع ثم صعدت المدرج مرعوبا لاهثا فرايت عبد القادر داخلا . صحت فيه

- الاموات فروا ! لا يوجد لهم اثر فى البيت . فاجابنى هادئا متهكما - ذهبوا يتناولون العشاء. واردف مجدا

- متى اصبح الاموات يفرون يا سى ابراهيم ؟ انهم موجودون فى البيت الأسفل . فقلت مخنوقا

اقطع لسانى لو تجدهم . - انا متيقن اننا سنجدهم بالبيت . هيا ساعدنى على اخذ المعاطف والطاقيات لنبرز كلنا فى زى الممرضين

ثم جرنى الى البيت الاعلى الوحيد الموجود فى زاوية . قضينا عشرة دقائق رتبنا فيها المعاطف ونزلنا . رايت الشبان المتطوعين مقبلين فرادى . وضعنا المعاطف فاقترب منى عبد القادر - تريد ان تراهم ؟

- من ؟ - الموتى . انهم هنا بالبيت . هيا معى لتراهم بعينيك الآن . اقترب من الباب وتأهب لفتحه فمنعته ثم دفعت الباب رويدا رويدا. الاموات فى البيت . ملقون على الارض ، ملفوفون فى اكفانهم البيضاء ، مرتبون حسب الطول والنقل . كانت رائحة كريهة تتبخر منهم  . كانوا صامتين جامدين يكاد سكوتهم يتكلم . نظرت اليهم مليا وانحنيت على اقربهم فمسسته ثم التفت الى عبد القادر

- يظهر انى فتحت باب غرفة اخرى . العفو ! العفو! ذلك من ولعى على حياة . وذلك السهو . ألم تر كثيرا من الناس يبحثون عن شىء ضاع وهو بين ايديهم ؟ غلقت الباب ولحقت الجماعة . سمعت عبد القادر يقول : - سنرفع بعد حين امواتنا ونجابه الخطر . اذن تعقلوا وتمهلوا ثم استمعو الى اوامرى وحججى ولو بدت لكم واهية رايته يمر بجميع الشبا ن فيهمس فى اذاانهم فتتهلل وجوههم . همس فى اذنى

- مستعد ؟ لا تنس وصية حياة . انها تحبك . رفعنا امواتنا فتراست الجمع وتقدمنا متجهين نحو الاسلاك عازمين منظمين . كادت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلا . رايت فى السماء سحبا سوداء تخفى علينا القمر . فكان يطل علينا ويختفى اخرى كانه يخشى علينا . كنا

نمشى بعيدين عن بعضنا ، محاولين الامتزاج بظلال المنازل وللسحب على الارض . ادركنا مظليين فى مدخل المدينة العصرية . اضطرب الحارس قليلا لكنه لم يوقفنا عندما راى الهلال الاحمر على صدورنا . نظرت خلفى فرايت عبد القادر حاملا حياة . ابتسم الى ابتسامة منتصرة مشرقة فيها من ابتسامات حياة نور وسرور واخلاص . تاخرت لحظات لأسوى المؤدب على كتفى . التحقت بالآخرين . فما كدت ابلغ رابعهم حتى سمعت ميته يكح . سالته مترددا

..- هل سمعت احدا يكح ؟ - لا ، لم اسمع ذلك . - لقد خيل الى ان ميتك قد كح . فسكت عنى ثم اضاف متهكما على - لعله مات وفى نفسه كحة....... ؟

.تركته واسرعت حتى بلغت اول الصف فرايت معسكر المظليين حول الاسلاك الشائكة وقرب بيتى . وقف بعض الجنود حاملين رشاشاتهم وكثر عددهم . تصففوا مهددين . لحقنى عبد القادر وعلى كتفه حياة . سألنى ملازم مظلى.

- الى اين رائحون ؟ ومن انتم ؟ - نحن ممرضون نريد ان ندفن هؤلاء الاموات . - لكن الاتعرف ان ذلك ممنوع لا سيما فى الليل . هلا تخشون على انفسكم من رشاشاتنا ؟

لقد اجبرنا على ذلك لقلة وسائلنا وتعفن الاموات وذلك خطر على الصحة العامة . نحن ممرضون مسالمون وهؤلاء اموات - ان الاموات اخطر من الاحياء احيانا . - الميت ميت . فهو حيادى ليس اليك ولا عليك.

- الميت شبح عالمى تفوح رائحته فتنغص نفس قاتله وتهيج عزم اهله . الا تعرف ان فى النتونة حياة ؟ الم تدرك انها حياة ! يا سيد ، حياة! اضطربت لانى ظننته يعنى حياة صاحبتنا . اخذ الضابط هويتى فامعن النظر فيها بينما اخذ جنود آخرون يصففون الشبان الذين كانوا ورائى . قال لى الضابط وقحا

- هؤلاء كلهم ممرضون ؟ هل تعرفهم ؟ - انهم زملائى . انا اضمن لك ذلك لانى اسكن بالقرب منك . لقد سبق لك ان رايتنى مرارا . تقدم يصحبة جنديان فجس جميع الموتى وحدق فى جميع حامليهم . رايته يرجع مسرعا وقد سد انفه باصبعيه متجنبا شم نتونة الاموات التى فاحت اذاك كانها اججت

- اذن ضعوا الموتى هنا قرب الاسلاك . صففوهم . فنحن نتكلف بدفنهم - لكن ذلك مستحيل . هؤلاء موتانا . الا ترى ان النتونة تكاد تنفجر منهم . فلاحظ متفلسفا انهم موتانا ايضا . فنحن قتلناهم ونحن ندفنهم غدا مبكرا . - لكن . .

اقترب منى عبد القادر فامر - ضعوا الاموات واتركوهم للجنود يدفنوهم فقدت أعصابى فصعقت فيه - اتريد ان تتركهم لهم ؟ انهم سيقتلونهم ! - هل رأيت ناسا قتلوا موتى هؤلاء سيسنون السنة . . .

- فان كان الامر كذلك فان موتانا سيجاهدون . انا اعرف امواتا جاهدوا وهم اموات . وضع الشبان حملهم ففعلت مثلهم مرغمالانى تذكرت أنى وعدت بطاعة اوامر عبد القادر . ظللت واقفا مبهوتا . اقترب منى عبد القادر يريد ان يهمس الى فظفنتها رسالة حب من اخته . لكنه قال لى

- الاحسن ان تترك بيتك هذه الليلة . من المحتمل ان يصيبك شر . فلم ادرك ما قاله الا بعد حين . اردت ان استفسره فلم اجده . نظرت حولى فرايت بطحاء بوشوشة والجنود التونسيين يستغربون منا ويتاههبون للدفاع عنا عند الحاجة . ورايت الموتى قرب الاسلاك والجنود الفرنسيين بعيدين عنهم ما يبلغ اربعمائة متر . بحثت عن الشبان رفاقى . لقد ذابوا . كدت اصيح لان نفسى كانت ثائرة على سيرتى وسلوكى . فكيف اترك امواتا اتفقنا على دفنهم كلف ذلك ما كلف ؟ اني لم افهم عبد القادر . لقد كنت اتصوره افضل

من ذلك ! انه جبان ولعله خائن . لكن اليس الذنب ذنبى ؟ الا ترانى قبلت اهداف حياة الغامضة ؟ الم تقل اننا نريد رفع الاسلاك ثم عدلت عن ذلك راغبة فى دفن الاموات للقيام بعمل رمزى يؤيد اعمال شعبنا الاخرى الايجابية البطولية ؟ والآن ترانا نترك الاموات للمظليين دون مقاومة ؟ من هى هذه حياة ؟ من اوفدها الينا ومن انتدبها لنا ؟ الشعب والحق ؟ لكنهما لا يرضيان بالاعمال العفوية مثل هذه ولا بغيرها .

شعرت انى اخطأت خطأ عظيما . لقد ضحيت بصحوة عقلى فى سبيل عينى حياة . واخال الاخرين فعلوا مثلى . لقد كانت امى تردد لى " استيقظ يا ابراهيم حتى لا يروح بك ماء الوادى .

القيت نظرة اخيرة على الاسلاك فتعلقت عيناى بحياة والمؤدب . لقد ماتت الاولى شابة دون ان تشبع بالحياة ، ومات المؤدب دون ان يشبع " بالتكرورى " . قصدت بيتى ففتحت شباكه وجلست على كرسى لأنزع حذائى . فما كدت انحنى حتى سمعت جنديا ينادى

- يا ملازم الاسلاك ! الاسلاك الشائكة ! - ما لها ؟ - الاموات ! فاجاب الملازم بصوته النائم - ماتوا وكفى . - لا ، لا ، يمشون . . يمشون كالاحياء . . فروا بالاسلاك الى المدينة العربية .

كفاك عبثا يا جندى . نحن لسنا فى اول افريل . . آه ! فروا بالاسلاك ! اطلقوا عليهم الرصاص اقتلوا الاموات . . جميع الاموات ! أطفأت ضوئى واغتنمت فرصة اضطراب الجنود ففررت راجيا النجاة من شر الجنود مؤملا الفوز بحياة .

اشترك في نشرتنا البريدية