الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

حياتنا العامة

Share

اذا نظرنا الى حياتنا العامة ، بمنظار الحقيقة التى لا يشوبها اى تزييف ، ولا يعتريها اى مجاملة او محاباة ؛ نجد انفسنا بالنسبة لغيرنا ، متأخرين في العلم والعمل هذه هي الحقيقة التى قد لا يستحسنها بعض شبابنا المثقف ، ولا يستسيغها اكثر حملة الاقلام فى بلادنا ولكن من الحق ان نقول ان حياتنا اليوم غيرها بالأمس نشاطا وتقدما ، وستترقى تدريجيا في المستقبل القريب لاننا اخذون في سبيل التقدم ، ومستمرون في العمل على ما فيه الصالح العام ، الا ان شيئا واحدا ينقصنا فى نهضتنا هذه ، ولعله يكون اكبر عامل فى تكوينها وتوجيهها بنحو الكمال . ذلك الشئ - هو التنظيم أقول التنظيم الذي يجب أن نرتكز عليه فى جميع مرافق الحياة ، فالتنظيم وحده غاية من الغايات النبيلة ، قبل ان يكون وسيلة من الوسائل التى يتوصل بها الى الغايات ، والحياة منذ كانت حياة كانت التنظيم اقوى عامل على رفاهتها وسعادتها .  

هى لاشك نهضة ولكنها غير مرتبة ترتيبا يضمن لها السير المستمر والتقدم المنشود ، وهي جهود ، ولكنها ليست منظمة تنظيما يكفل مضاعفتها واستمرار قوتها ، ونحن يجب علينا مساعدتها وإمدادها بكل ما يلزم لها من القوى والذخائر قبل أن نشيد باسمها ونخطب بعظمتها .

واذا أردنا ان نزود نهضتنا بالجهود المنظمة ، والعزائم الصادقة ، يجب أن نعنى بكل نواحيها - الادبيه . العلمية . الاقتصادية . التجارية . الزراعية . الفنية . وغيره هاته النواحي ، التى تتطلب مجهودا وافرا ، وعملا نشيطا ، واخلاصا

دائما مستمرا . والعناية بجميع هاته النواحي لا تكون دفعة واحدة ولا يتأتى لنا ذلك لان الطفرة محال . وجميل جدا ان نتناول منها ما يمكن ان نعمل على اصلاحه وتنظيمه وترقيته ، مما هو اقرب الى تذوقنا والمس بصلاحنا ، فنكرس جهودنا لنجاحه ، ونشحذ عزائمنا لتقويته ، وينبغى قبل كل شئ توحيد الجهود لاصلاح هاته النواحي والعمل على تنظيمها وربطها ببعضها ربطا محكما ، لان كل واحدة منها تستدعي قوة ومساعدة من زميلاتها ، فربطها ببعض ، وتنظيمها مما يكفل لها الحياة والنجاح .

وسنتتناول الآن بعض هذه النواحي بالبحث بقدر ما تقتضيه ضرورة الكلام ويتسع له نطاق العدد وتسمح به ظروفنا الخاصة ، وقد اخترنا ثلاث نواح من التى ذكرناها هي : الادبية . العلمية . الاقتصادية ، نظرا لاهميتها ، لانها أمس بحياتنا من غيرها ، وادعي لصالحنا العام ، والزم لتقوية نهضتنا المأمولة . وسنبدأ بالكلام في ذلك عن الناحية الادبية .  

الناحية الادبية

الناحية الأدبية في بلادنا ، هي أكثر هاته النواحي شيوعا ، وأقواها سمعة فهي الزم بالمجتمع والصق به من غيرها ، تنشط احيانا فيعجبك فيها نشاطها وقوتها - وتخمد احيانا حتى يخبو صوتها ، ويظهر ركودها لغير ما سبب ؛ ولا مسوغ سوى الجمود الفكرى والفتور الادبي المشين . ليست منظمة تنظيما يكفل لها الحياة والنجاح ودوام سيرها ، وليست متجهة بجميع عواملها نحو الكمال المنتظر لها يشوبها فى اكثر أحيانها التزييف المضنى لحركتها ، ويعتريها الاضطراب المخمد لجذوتها فلا تلبث ان تكون شعلة يتضاءل نورها ، شيئا فشيئا حتى يخبو وينطفىء فتصبح منها فى ظلام من أمرها ، وجهل من قضيتها . هذه التأثيرات لها اليد الفعالة فى خفوت صوتها وتصديع بنائها الناشئ ، ووقوف سير حركتها البسيطة .

والادباء فى بلادنا يهملون واجبا كبيرا عليهم ، نحو حركتهم الأدبية ، فهم لا يعيرونها التفاتا ، ولا يأبهون بتقدمها او تأخرها ، ولا ينشطون فى السير كما ينبغي وهم معرضون جدا عن النظر اليها نظرة يقدرها الواجب ويقتضيها الاداء . وليس من المعقول أن يقاوم هذه الحركة رجالها ، ويحملها أبناؤها

والتزيف أعظم خطر على كيانها ، واكبر فتك بشرى بين جوانحها ، فقد أصبح التزييف الأدبي والسرقات الفنية ، عادة لا تعاب ، بل ضرورة لابد من الاندفاع اليها تحت تأثير حب الشهرة والظهور الكاذب . وكثيرا ما يفتضح أمر هؤلاء السارقين ، ويظهر حال هؤلاء المزيفين ، فلا يخجلون أزاء اعمالهم هذه بل يستمرون فى النشر والجدل والمقاومة دون حياء من الله ولا من الفن ولا من المجتمع انها مصيبة عظمى يصم بها الفن هؤلاء الرعاع والدخلاء فى الفن وكانهم  يزدادون اكبارا لانفسهم وتقديرا لها ، كلما ازدادوا فضيحة واشتهارا فى السرقة والتزييف وهناك مدعون اكثر من هؤلاء فى التزييف واكبر ضررا ، ونحن لا  نريد ان نتبسط فى الحديث عنهم ، لانه ربما زادهم ايمانا بقواهم واوحى اليهم ، بما  يأملون لانفسهم من العظمة والشهره فى المستقبل ، لذلك كان من حقنا اهمالهم واغفال الكلام عنهم ، لان ذلك محتاج الى وقت نحن احوج الى صرفه فيما هو أهم من ذلك

ولترجع ثانيا الى الكلام عن الادباء فالادباء فى بلادنا ( وهم الفئة القليلة ) منفصلون تمام الانفصال فى حياتهم التفكيرية عن المجتمع وقل ان تمر باديب يصور لك المجتمع تصويرا دقيقا ويوفيه حقه من البحث . والدراسة والغرور والارستقراطية العمياء اكبر داء يتخلل حياة اكثرهم .

ينبغي للاديب فى كل امة ان يسبر غور المجتمع باحثا منقبا وان يحتك بهيئته

احتكاكا تاما ، فيخرج لنا من ذلك بصورة واضحة جلية تصور تمام التصوير حياة امته وأخلاقها ، فى جميع نواحي الحياة تفصيليا . الى غير ذلك من المزايا المهمة التى يتحملها الاديب على عاتقه ويلزم نفسه بتصويرها خدمة للفن والادب مراعاة للاخلاص المنتظر منه ، كما ان فيه ما يساعد على نجاح التفكير وحسن الانتاج ومحاكاة الواقع وأداء رسالة الفن على اكمل الوجوه وأفضل التصويرات .

هذا ما نكتبه اليوم عن الناحية الادبية اجمالا ، والى الملتقي فى الجزء القادم حيث نتم البحث فى الموضوع الذي طرقناه . . .

يتبع

مكة

اشترك في نشرتنا البريدية