فى صباح باكر (*) ، من اصباح الشتاء كان واضح الصحو ، قارس البرد ، وطبقات الغيم الكثيفة لم تزل لاصقة بوجه الارض ، كانت السيارة تنهب بنا الطريق نهبا ، بين الضاحية والمدينة ، لندرك الساعة الاولى للعمل .
وكانت السيارات ، امامنا ومن حولنا ، تسير عجلى كسيرنا ، منها ما يحمل اهل الكد ، من الكبار والصغار ، متوجهين الى الدواوين والمتاجر والمدارس ، على عادتهم اليومية المضنية ومن بينها سيارات اخرى فيها اناس عليهم سـيماء النشاط للمتعة ، والحزم للقصد المحبب ، والعمل اللذيذ : كانوا جادين ، فى هزل ، مرحبين فى عزم ، وقد بدت على ظواهر السيارات ومن دواخلها ، بنادق وكنانات وابواق ، وخيام وأزواد ، وكلاب الصيد رابضة حولها تتقد نظراتها من وراء زجاج النوافذ ، وقد تبدى الادميون في لبوس الصيادين من اهل الهواية ...
انه يوم اباحة الصيد ، وانها قوافل الهواة تقصد الى البرارى والغابات ، فى طلب الرياضة واللهو .
فسرنا وساروا ... حتى بلغنا منعرج الطريق ، عند مدخل المدينة ، فافترقنا .. متوغلين نحن فى الحضارة ، وقد اصحر رفاقنا الى البوادى . وانغمسنا نحن فى حياة المدينة ، بين تشييع الابناء الى المدرسة ، وقضاء الحاجة من الدكان ، والمبادرة إلى الكلية ، ثم الانقلاب الى المحكمة ، ولم يزل في النفس صوى يشايع رفاق الطريق ، ولم تزل انفاس الصحو ، واشعة الشمس تميل بنا الى حيث مالوا .
وقصدت مسرعا الى دكان احد الكتبيين ، فى حاجة خاطفة ، فاذا الصيادون الدين فارقتهم عند مدخل المدينة ، يطلعوننى بحياتهم الزاهية البهيجة المرحة ، من واجهه دكان الكتبى ، واذا عشرات من المجلدات ، جذابة صورها ، ناطقة عناوينها ، تدور كلها حول الصيد والصيادين ، من تاريخ الصيد وصلاته
بالادب ، ومذكرات الصيادين ، وروايات محورها الصيد ، وكتب عن حياة الحيوان وطباعه الى قوانين الصيد العلمية ، وفنون تركيب آلاته ، وخصائصها ومواقعها .
عجبا .. هذه حياة الفكر والادب والفن ، تتصل بالحياة العملية وتماشيها ففي اليوم الذى يسيطر فيه الصيد على حركات اناس ، ويجلب اهتمام آخرين ، يريد الكتبى ان يقنع هؤلاء وهؤلاء بان من روح تلك الحياة وسرها ومتعتها وفنها ، ما يوجد بين رفوفه ، ولا يوجد بين الاحراش والغابات .
امتلات النفس عبرة بهذا المعنى ، وقلت : هكذا تكون الاداب قوية ، بسلطانها على الحياة العملية وهكذا تكون الحياة العملية ناعمة منشرحة ، بما يفيض حولها من الادبيات .
وانصرفت بسرعة الى مقارنة حال آدابنا العربية بحال تلك الآداب الغربية التى امتزحت بالحياة العملية ، امتزاجا اكسبها ما فازت به من قوة سلطان ، واكسب حياتهم العملية ما امتازت به من رونق الادب . فكم من نكتة ادبية ، سامية رائعة ، تلاحظ عندهم ، فى تسمية الديار التجارية ، وفى تسمية المطاعم ، وفي تسمية اصناف الاطعمة والحلويات ، وكم من تعبير له وزنه البلاغي ، المرتفع في الحسن والقبول ، وحليته البديعة التى يزيد بها حسنا ؟ يقترن بشئ تافه من شؤون الحياة اليومية ، فيروجه ، يشيعه ، ويرفعه في منازل الاذواق الراقية . وان ذلك لفن مهجور فى ادبنا ، وشان متروك في حياتنا العملية ، كما يصدق ذلك كل من عرف اللغتين من ذوى الالباب . افترى ان ما فى حياتنا الادبية من عزلة وضعف سلطان ، وما فى حياتنا العملية من خشونة وجفاف امر ذاتي لادبنا ، ليس له من مطمع معه فى ان يساير الاداب الغريبة فى تلك المسالك ، او تراه امر عرض لادبنا بعلة تقبل العلاج . الحق اننا اذا استعرضنا فنون الادب العربى فى عصور حياته الزاهرة تبين لنا ان ما عليه اليوم ، من عزلة فى شؤون الحياة العملية ، لم يكن ذاتيا له ، اصليا فيه ...
وان كثيرا من تلك العلوم ، التى قد يزدرى اهل الثقافة العربية اليوم ، باعتبارها علوما ، لما يرجع الى ذلك الموضوع الذي كان حديثنا ، وهو موضوع الصيد ففيه " علم البيزرة " و " علم الرمي" و "علم الفهود " وفى كل منها رسائل وكتب خاصة ، لو حليت بها واجهة كتبى فى يوم افتتاح فصل الصيد ، لكانت مظهرا لما نصبو اليه ، من سلطان الادب على الحياة العملية ، وازدهار الحياة العملية برونق الادب ، فلو جمعت طرديات أبي
نواس ، وديوان اسامة بن منقذ ، والكتاب المنصورى فى البيزرة والفهود ، الذي منه نسخة خطية بديعة ، فى المكتبة الاحمدية بجامع الزيتونة الاعظم هى من تراث الخزانة الملكية المستنصرية الحفصية ، وكتاب تحفة الانفس وشعار اهل الاندلس لابن هذيل ، لاروت هذه الكتب واضرابها ، من معينها الفياض ، حياة الصيادين فى ذلك اليوم ، ولكن تفكك الاوصال بين فنون العلم والادب بذاتها ، هو الذي قضى بتفكك الاوصال فى ما بينها وبين الحياة العملية .
فان الثقافة لما ضاق مدلولها وجفت الادب وجفت منه ، انكسر الجسر الواصل بين الحياة العملية وبين الحقل العلمي . فمنذ اعتبرت الثقافة قاصرة على العلم ، الذى هو الالات والدراسات والبحوث ، وسقطت طرائف الانتاج الادبى عن المنزلة الثقافية ، فاتصلت بالشؤون العامية والمطالب الامية ، سد من يومئذ ، فى وجه الحياة العملية ، مسلكها الى مقام الادب ، وفي وجه الادب ، مسلكه الى سعة الحياة العملية .
فان الثقافة لما ضاق مدلولها وجفت الادب وجفت عنه ، انكسر الجسر الواصل بين الحياة العملية وبين الحقل العلمي . فمنذ اعتبرت الثقافة قاصرة على العلم ، الذي هو الالات والدراسات والبحوث ، وسقطت طرائف الانتاج الادبى عن المنزلة الثقافية ، فاتصلت بالشؤون العامية والمطالب الامية ، سد من يومئذ . فى وجه الحياة العلمية ، مسلكها الى مقام الادب ، وفي وجه الادب ، مسلكه الى سعة الحياة العملية .
ذلك هو طور الانكماش الذي اعترى الاجهزة الفكرية فى ما بعد القرن التاسع ، وهو الذى ضيق مدلول " الثقافة " فحددها بمفهوم " العلم" وجعل البواقى الراكدة من آثار الاتساع الثقافي محشورة فى مدلول تلك الملكة التى اعتبرت وسطا بين الملكات العلمية ، والسذاجات الامية ، وهي الملكة التى عبروا عنها قديما يملكة " المحاضرة " . وباعتبار ملكة " المحاضرة " تكونت طبقة سميت طبقة الادباء احترازا من طبقة " العلماء " واصبحت طبقة العلماء عن تلك الطرائف الادبية بمعزل ، واستفحل الامر حتى صار الادب والمحاضرة يزريان بمقام العالم . فرجعت شؤون الحياة العملية ، التى كانت سجلتها الاداب في القرون الماضية ، الى حفرة السذاجة والامية .
فلقد كان لظهور الصنف الجديد من التآليف الموسوعة الجامعة ، الذى اطلق عليه اسم : " دائرة المعارف " واكتمال حظه فى الادب الانكليزى والادب
الفرنسي في القرن الثالث عشر مسيحيا ، اثر قوى فى احكام الصلة بين مختلف فنون الثقافة نظريها وعمليها ، وتمتين اللحمة بين روح الادب وبين مجاري الحياة ، بحرص دوائر المعارف على استيفاء ما يتعلق بكل مادة من المواد اللغوية ، من استعمالات وتصاريف ، فتاتى على ما فيها من المثل الشرود اللفظ الكتاب المنتخب ، وما اتصل بها من استعمال اصطلاحى فى مختلف فنون العلم ، والاثار الادبية التى ترجع الى ذلك الموضوع ، بحيث صارت المادة اللغوية الواحدة تبسط في دائرة المعارف باعتبار معناها اللغوي الاصلى ، والمعانى الاصطلاحية المتصلة بها : من علم الفلك ، او علم الحيوان ، او العقائد الخرافية البائدة ،وما يتصل بها من اوضاع علمية فى اسماء الرجال ، او البلدان ، او الاشياء وما يتفرع عنها من آثار ادبية وفنية فى اسماء التآليف ، او عناوين الروايات والمسرحيات او اسماء القطع الغنائية والصور الزيتية والتماثيل .
فلما دخلت دائرة المعارف " فى اوضاع التآليف العربية ، فى اواخر القرن الماضي ، بتاليف بطرس البستاني ، بدات تجمع شتات الثقافة العربية ، من بين مصادر العلم ومصادر المحاضرات ، وبدأت تصل بين الحياة الأدبية والحياة العملية ولكن تأثر الستاني في وضعه الدواعي المباشرة لوضع تأليفه العظيم ، وهي دواعي الاخذ باسباب النهضة الصناعية ، جعله اكثر انصرافا الى نواحى المعارف العملية منه الى نواحي النظريات والاداب . ومع ذلك فان ما احيي البستانى من الجوامد ، وحرك من الرواسب ، قد جعل له على بعث روح الادب العربى وتجديد صلتها بمجاري الحياة الادبية يدا لا تجحد .
فلذلك ابتهجنا ايـما ابتهاح عندما راينا احد اخلافه الامجاد ، وهو الاستاذ فؤاد افرام البستاني رئيس الجامعة اللبنانية ، قد توفر على تجديد دائرة معارف البستاني وتهذيبها وتوسيعها ، وانه فى عمله ذلك قد جبر ما كان فيها من نقص ، بادراجه الامثال والشواهد وجوامع الكلم واسماء الكتب والرسائل والسير ، وتعاريف الفقه ، وتحاديد الفلسفة .
وإذا كان بعض ناقدى الاستاذ فؤاد افرام البستاني يرى انه خرج عن التقاليد المتبعة فى مثل هذه الموسوعات . فاننا نرى ان مقارنة دائرة معارف البستاني ، فى وضعها القديم ، بأمثالها من دوائر المعارف في اللغات الاوربية ، يدل على انها قد كانت حقا قاصرة عن التقاليد المتبعة . ولكنها فى تهذيبها الحديث . قد جاءت غير خارجة عن تلك التقاليد العلمية النبيلة . ولعل هذا التهديب الجديد الذي تظهر به اليوم دائرة معارف البستاني هو الذى سيجدد سلطان الادب عل الحياة العملية ، فتكون ما اخذه عليها الناقد اصل تفوقها ....
