العقل المعلل
لكل فعل علة أوجدته أو ساعدت فى وجوده . . والفعل ازاء العقل الانسانى لا يخلو من نتيجتين : فعل العقل نفسه وقبول الفعل من غيره .
فالأول : هو النشاط والتصرف يقوم به العقل كشئ من وظيفته وقيمة هذا الفعل تخضع لقدرته وخصائصه الطبيعية ، قوة وضعفا . .
والثاني : قبول الفعل من الغير ، وأقصد به ذاك الذى له به ارتباط . . ولعل من نافلة القول ذكر وجهة نظر منطقية مفادها : ان العقل المدرك لا يقبل فعل الغير الا اذا علله بادراك اسبابه ووزن تأثيره ونتائجه . . ويسأل سائل واذا لم يكن هذا فما النتيجة ؟
أقول : ان العقل القابل يصبح مقلدا أو واذا صار كذلك آل الى الجمود ، ومن ثم فقدان حضارة أمة يكثر فيها ذلك الصنف من البشر . واحترز من هذا التعميم بايضاح أن التعليل لا يعنى تلك السفسطة المنغمسة فى متاهات الجدل النظرى المراد والآخذ فى اسلوبه التافه في موضوعه ، ولا هو ذلك الافتراض الشاطح الشاط فى
وحل التخيل الموهم ، بل هو معرفة الفعل قبل الاخذ به وقبل قبوله . .
واذا قلت ان حضارة المجتمع الذى يأخذ دون نظر ، مهددة بالزوال ، فان ذلك هو منطق التاريخ الذى قرر ويقرر انه ليس أخطر على أمة من التصديق بكل شىء قبل معرفة علله ووزن غاياته ولا أضر عليها من القبول في محل الرفض او الرفض في محل القبول . . ذلك بالمعنى الدقيق يعرف بـــــــــ (( الاتكالية الفكرية )) تستلذ لها العقول الخاملة وتستطيبها النفوس العاجرة ، ثم لا تلبث ان تفقد عطاءها وديناميكيتها لتأخذ دون تمييز ، وتشرب دون تصفية ، والخاتمة هى الانتكاس الحضارى بكل صوره ومعانيه . .
ان التعليل هو الغربلة ، هو رفض الاتكالية الفكرية . ومنطق (( العهدة على الراوى )) وبالتالى رفض الفعل اذا لم يكن سليما . . أبو بكر الصديق يأتيه نبأ يفيد بأن جماعات من المسلمين قد تلكأت أو امتنعت عن الزكاة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم . . علة الفعل موت الرسول فما هى الوسيلة لابقاء اركان الاسلام ببقاء أحدها وهو الزكاة . . وفي برهة التفكير فى الامر ينطلق صوت خافت من أعضائه فى المشورة يستحسن معالجة الامر بحكمة الاناة . .
ولكن الصديق يرفض ان تقمع الردة الا بالقوة : (( والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه الى رسول الله لقاتلتهم على منعه )) . . لماذا ؟ . . ان ابابكر علل الفعل وعرف آثاره وتأثيراته وهو بالتأكيد لم يخف من انحسار فى مورد الزكاة بل خاف زعزعة كامل نظام الاسلام
. . وتخلخل الكيان . . وانتشار الفوضى فى الاحقاب .
فمعالجة ( الفعل ) السالب اذن تكمن فى استعمال ( فعل القوة ) الموجب يقوم بذلك الحاكم القوى للقضاء على الخارجين على ارادة الاسلام ، وكانت النتيجة ان عودة الطمأنينة تحت حماية القوة أوجدتها معرفة العلة . . مرة اخرى أقول ان العقل المعلل لا يوجد الا فى الانسان العالم . . الانسان المفكر . . الانسان المتبصر ، ولم تكن شريعة السماء تخاطب الا ذلك النوع من الانسان . . تقدره وتضرب به المثل . ( ان فى ذلك لآيات لقوم يعلمون ) . . ( ان فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) . . ( ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) . . صدق الله العظيم . .
قوة الضعيف
القوة حين يمارسها القوى يظل الشئ يسير وفق طباعه . والضعيف حين ينخذل أمام قوة القوى يبقى فعله مألوفا ، ولكن ما أقسى القوة حين يمارسها الضعيف ينتقم لنفسه من غيره . . بالطبع لا اعنى ذلك الذى يمارس القوة يسترد بها شرفه ويثأر لكرامته من غاصب ظالم فتلك لعمرى طبائع الرجال لا تثنيهم القوة المستبدة ولكن أعنى ذلك الضعيف في نفسه . . فى كرامته . . فى تاريخه يثأر من ضعيف لا يحمل سلاحا ولا يملك مالا . . يذله ويحطمه كأنه ينتقم من نفسه العاجزة عن قوة الرد على الاقوياء . . هو جبن الضعيف حين تخنقه حبال
القوة يتسلط على من هو أضعف منه . . ذلك عمل ضعيف ردىء الخصال سكت عن حكومة بريتوريا التى تعتبر الافريقى من درجة متدنية . . تقتله وتطارده وتنبذه وتنفر منه وسكت عن مثيلها فى روديسيا سميث . . تقلصت همته العجوز عن محاربة العنصرية وقويت على نساء جعل منهن متاعا لوحوش السلطة في زنجبار وما كان لهن ذنب الا انتسابهن للحضارة العربية وما عرف ان هذه الحضارة بجلبابها الروحى العظيم كافحت من أجل ان تجعل منه بشرا لا فارق بينه وبين آخر فى الجنس ومـــــــــــــا درى انه ما من حضارة وجدت على الارض نبذت بقوة فوارق الاجناس مثل حضارتنا . . ولكن عذر ذلك الضعيف المستوى انه غاص الى أذنيه فى رذيلة الماسونية حتى تنكر لقيم الانسان ومثل الرجال . ولعل هذا الفعل الردىء منه ومن أمثاله ممن تنكروا لهذه الحضارة يكون الحافز لامتنا على تصحيح مسيرتها الحضارية تحيطها رهبة الذات ويدعمها جانب القوة ، ومن يدرى فربما شفيت الاجسام بالمرض .
حوار عابر
اذكر انى منذ سنوات رأيت في بلد عربى أديبا عربيا بدت عليه سمات الشحوب ،
وهو فى متوسط عمره وارتسمت على محياه قسمات البؤس والعذاب ، تداعب أنامله حبات )) مسبحته (( دون انتظام وينفث من فيه دخانا بلا حساب عله كان يستبطئ الوقت فيقتله . قال صاحبى : ألا تعرف انه كان كذا وكذا . . قلت : لعلك تعرفه اكثر منى . . انما اعرف انه مفكر عربى ، فى فكره أصالة الفكرة وسلامة المقصد والغاية . قال : ألا تعتقد أن للحياة المادية اثرا فى حالته التى تراها ؟ قلت : لا ادرى ولكنه من حيث العموم ألم تر ان النابه في أمتنا يحرق نفسه ، ذاته . يشدو لأمته لتطرب ويكتب لها لترقى . . يعطيها روحه وعقله . . يخلصها طهره وصفاءه ، ثم هو في النهاية يحزن ويشقى . يستثقل الحياة . . يستعجل النهاية . . يموت وهو حى تخبو جذوته ، وتنطفئ شمعته وحين تنظر اليه أمته تصفه بأنه من الدروايش المساكين . .
قلت : وعلى أى حال نحن خلاف الغربيين الذين يحترمون الفكر ممثلا في رجاله ليعلو بذلك شأنه ويزيدوا نماءه . . كان ذلك حوارا عابرا جريئا في زحمة الطريق وزحمة المارة اعادته الذاكرة وأنا أكتب نهاية هذا الحديث . .

