انتشرت اللغة العربية اليوم انتشارا عالميا ، حتى انها أصبحت تذاع من اكبر محطات العالم اللاسلكية ، ولاسيما في أوربا ، فان انجلترة وفرنسة والمانية وايطالية كلها تذيع يوميا على العالم محاضرات وخطبا وأنباء باللغة العربية الفصيحة ، وفي مصر وفلسطين ، والعراق ، وتونس ، والجزائر ، والغرب الاقصى ، وسورية محطات عربية ، وكل هذا دليل واضح على حيوية اللغة العربية والاعتراف بحيويتها ولهذه المناسبة رأيت ان اترجم لقراء " المنهل " ما كتبه " ناصر الدين دينية " عن حيوية هذه اللغة سنة ١٣٤٨ ه ردا على الذين رموها يومئذ بالاندراس .
مشهور جدا ادعاء بعض دعاة " اللانينية " بان اللغة العربية الفصحي لغة ميتة ، أو هى مائلة إلى الموت ، وواضح جدا اشاعاتهم بان هذه اللغة اصبحت غير مفهومة من ثلاثة أرباع العرب وأما اللغة العامية فهم يعتقدون أنها غبار
ضئيل لتلك اللغة الفانية . وهي أيضا سائرة إلى الممات وستلفظ أنفاسها الاخيرة في القريب العاجل .
هذا ما يعتقده الكثيرون من أعداء اللغة العربية والواقع يضحك من زعمهم هذا ! ! ! .
فنظرة واحدة فى منتوجات مطابع البلدان الشرقية من صحف وكتب تقنعك كل الاقناع بان اللغة العربية لم تمت ، ولحظة واحدة فى آداب تلك الديار الشرقية من نثر ونظم تتركك نتيقن بان اللغة العربية لازالت حيه مزدهرة يقرأها ويتكلمها ويكتبها ويتأدب بادبها الملايين من المسلمين ، وأن الاوربين القاطنين فى الشرق يرغمون على تعلمها ليستطيعوا القيام باعمالهم ، واللغة العاميه المستعملة اليوم فى جميع الاقطار العربية هي أعظم دليل على حياة اللغة العربية الفصحى ، لأنها ليست بعيدة كل البعد عنها ، ولا يوجد هناك سوى تحريفات بسيطة لا تمنع الحجازيين ، والمغاربة ، والمصريين ، والسودانبين ، واليمانين ، والعراقيين ، من التفاهم بينهم بكل سهولة ومن أول وهلة ، والتحريف الوحيد الذى يستحق الذكر هو تحريف بعض هذه اللغة حرفي " الجيم " و " القاف " ونجد فى الحجاز اليوم آلافا من المسلمين الاعاجم منكبين على دراسه اللغة العربيه بجد واجتهاد واكثرهم يتكلم العربية بسهولة وان كانت السنه بعضهم لا تخلو من اللكنة ، وقد أمكننا ونحن بمكة أن نتحدث بدون صعوبة مع الجماويين والهنود ، والفرس والخراسانيين والسودانيين وغيرهم ، والحق الذي لا غبار عليه أن اللغة العربية الفصحى المقرر تدريجها رسميا فى جامعاتنا الفرنسية هي لغه حيه قوية مستعملة فى الشرق لها صحفها وآدابها وعلومها ، وأما اللغة العامية التى يتكلمها الاقطار العربية فان التحريف الواقع فيها لا يزيد عن التحريف الواقع فى لغتى جنوب وشمال فرنسا اللذين هما قطر واحد .
دراسة اللغة العربية الفصحى ، والعمل على انتشارها وتقويتها اصبح اليوم
من اهم الامور التى تستحق الاعتناء ، ولعل ذلك ضروري من الناحية الفنية أيضا . لان اللغة العربية كما هو معلوم هي اللغة القديمة الوحيدة التى لاتزال موجودة مستعملة ، ومن الواجب الفنى الاحتفاظ بهذا التراث العظيم فلو بعث اليوم رجل من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما عسر التفاهم معه فى قطر من الاقطار العربيه . . ولكن لا أظن ان يتفاهم أحد من اتباع " قيصر " مع بعض أساتذتنا الكبار اليوم ! . . وهذا كله لا يمنعني من الاعتراف بان الادب العربى أقل الآداب العالية انتشارا . ولذلك اسباب اهمها ان الادب العربي أقل الآداب ترجمه إلى اللغات الاجنبية ؛ لأنه اكبر الآداب ثروة وأوسعها مادة ولا تغرنا النماذج المترجمة منه فما هى الا خيال مشوه ولعلها لا تخلو من التحريف الكثير لانه لا يكفى لترجمة الادب العربي نقل الفاظه من العربية إلى غيرها كلا ! ! . . وفهم اللغة وحدها كذلك لا يكفى لهذا الغرض ، وانما يلزم على الذي يتصدى لهذه المهمة ان يكون متضلعا من الادب العربي ، عارفا بمراميه ، حادقا بانانينة وربما يجب ان يكون شاعرا حساسا ليستطيع ادراك كنوزه الثمينة الخفية والاطلاع على جماله الفتان ، فبهذا يمكنه ان يخرج لنا صورا شائقة صادقة من الأدب العربى الزاهر المدينة المنورة ترجمة بتصرف

