الأشواق التائهة أحلام علوية مجنحة لا تعرف القرار ؛ يحدوها ألق ساحر ثم تستوعبه ، وتفتش عن عوالم ترضيها حتى اذا ما بلغتها لم تقنع بها وراحت تبدع عوالم جديدة لها ، ثم لم تكتف بما ابدعته ، بل أخذت روحها الخلافة تواصل الابداع متممة أو ناسخة . تلك هى الاشواق التائهة للشاعر الخالد أبى القاسم الشابي ، الذي ولد من النور ورضع وتغنى فى هيكل الحب أناشيد روحانية تفيض بالجمال
ولئن لم يعمر فى هذا الوجود فكذلك عمر النور ، لمحة من الابد ، وهو هو الأبد الذى لا أول له ولا آخر . يصفه المولعون ولا ينتهون ولا يشبعون وصفا وتعريفا . فلا عجب إذا تعددت الدراسات الشعرية لعبقرية الشابي ، ومنها مجموعة الأديب التونسي الاستاذ أبي القاسم محمد كرو ومجموعة الأديب الحجازي الاستاذ محمد العامر الرميح . إنها لعبقرية فذة توحى بتأملات لا حصر لها ، فتتولد من هذه التأملات أطياف وألوان جميلة لا تغني إحداها عن الأخرى . كذلك شأننا نحن ، فكلما درسنا شعر الشابي ودونا خاطرنا فيه ساقنا التأمل الى الجديد من الخواطر والشواعر وتفرعت عن نشوتنا نشوة أخرى .
ان شعر الشابى هو شعر العبقرية والتفوق ، فله قدسية نورانية يصعب تعريفها ، وسواء لدينا فجرها وشروقها ، لأنها على اختلاف منازلها تتألق بالجمال ، وتنم عن رسالة سامية لو لم يقلها شعرا لتألقت فى وجهه نورا واحساسا .
هذا الصبي الصغير الذى لم يبلغ العشرين يحس فى باكورة عمره الأحساس الرائع فيقول :
شعري نفثات قلبي إنجاش فيه شعورى
لولاه ما انجاب عنى غيم الحياة الخطير
لا أنظم الشهر أرجو به رضاء الأمير
بمدحه أو رثاء تهدى لرب السرير
حسبى إذا قلت شعرا إن يرتضيه ضميرى
لا أقرض الشعر أبغي به اقتناص نوال
الشعر إن لم يكن فى جماله ذا جلال
فانما هو طيف يسعى بوادى الضلال
يقضي الحياه طريدا فى ذلة واعتزال !
لسنا ممن يسوغ بأي حال وضع النقد الموضوعى موضعا ثانويا ، بحيث نرضخ الحكم على الطاقة الشعرية الى ما عداها من الاعتبارات فى تقدير القيمة الفنية للشعر ، ولسنا ممن يذهبون مذهب التشريح والتفلية الذي يتناسى وحدة القصيد ، ولسنا ممن يبخسون أى فنان قدره لمجرد انه ذو شخصية طالحة لا تستحق الاحترام ، ولسنا ممن يتعصب لشاعر ما ؛ لأنه يعبر عن فلسفتنا وعواطفنا تعبيرا أكمل ، متغافلين . عن قيمة الجوهر الذي يهديه وعن كفايته الفنية الخالصة ، ولسنا من عباد التعابير البراقة والبيان المزخرف الأخاذ ومع ذلك لا ننكر ان الفن إذا امتزج بالتسامي فى سبيكة واحدة ، وان الطاقة الشعرية المحلقة إذا تشربت الايمان الرفيع تشربا لا يفصم منها ، وأن الفن اذا صار ترجمان التسامي أو توأمه ، فان مثل هذا الفن المركب الرفيع يكون فى اعتبارنا جديرا باعتبار أسمى . وهذه نظرة تختلف جد الاختلاف عن إرضاخ كرامة الفن أو تقديره للاهواء الذاتية والتعصبات الشخصية والمسائل والاعتبارات العرضية .
وابو القاسم الشابي هو احد أولئك الافذاذ العالمي الروح الذين لم يبهروا النقد الموضعي فحسب من ناحية الطاقة الفنية القوية الغنية ، بل بهروا كذلك مقاييس المثالية الرفيعة من خاتمية ووطنية وانسانية ، وكانت مزيتهم فى الازدواج بين هذه المزايا وفى الانسجام التام بينها ، وهذا لا يكون إلا للصفوه الموهوبين
فهذا أبو القاسم الشابى الشاعر الوطنى الثائر الرائد فى " تونس الجميلة " ذو " زئير العاصفة " من صباه هو ذاته الشاعر الانسانى فى " لعلعة الحق " والشاعر الوجدانى فى " فن الظلام " و " الزئبقة الذابلة " و " الدموع " و " أغنية الأحزان والشاعر المتفلسف فى " نظرة في الحياة " و " مأتم القلب " و " الأمل والقنوط " والمصلح الاجتماعى ايضا ، وهو كذلك الشاعر المتصوف والعاشق المتبتل فى " شكوى اليتيم " و " أيها الليل " و الملل الأليم " و " أيها الحب " و " حيرة " و " جدول الحب " و " يا شاعر " . . وكل هذا التراث الثمين من شعر فتى لم يبلغ العشرين . أما بعد هذه السن فاننا نواجه الشابى ذاته ، ولكن فى نفس أطول ونضج أبلغ وتحليل أعمق وتفاعل أكمل وتصوير أمثل . استمع مثلا الى قوله من قصيدته " مناجاة " :
أنت يا شعر فلذة من فؤادى تتغنى وقطعة من وجودى
فيك ما فى من جوانحى من حنين أبدي الى صميم الوجود
فيك مافى من خواطرى من بلاء فيك ما فى عواطفى من نشيد
فيك ما فى عوالمى من ظلام سرمدى ومن صباح وليد
فيك ما فى عوالمى من نجوم ضاحكات خلف الغمام الشرود
فيك ما فى عوالمى من ضباب وسراب ويقظة وهجود
الى آخر هذه الأبيات التي تبلغ الستة والثلاثين عدا ؛ والتي تلاحق فيها الصور تلاحقا فنيا سريعا لا نعرف شاعرا آخر اغرم به ووفق اليه بهذه الدرجة المدهشة
لقد اكتشفت حياة الشابى هموم عديدة ولاقى من عنت الناس وجحودهم حية وميتا الشيء ؛ الكثير ، ومات والأدب أحوج ما يكون لالمعيته ، وصاح والداء ينشب أظفاره فيه :
سأعيش رغم الداء والاعداء كالنسر فوق القمة الشماء
أرنو الى الشمس المضيئة هازئا بالسحب والأمطار والأنسواء
لا ألمح الى الظل الكئيب ولا أرى ما فى قرار الهوة السوداء
وأسير فى دنيا المشاعر حالما غردا ، وتلك طبيعة الشعراء
أشدو بموسيقى الحياة ووحيها وأذيب روح الكون فى إنشائى
وأصيح للصوت الآلهى الذى يحيي بقلبي ميت الأصداء
وأقول للدهر الذى لا ينثني عن حرب آمالي بكل بلاء
لا يطفئ اللهب المؤجج فى دمي موج الأسى وعواصف الأرزاء
فاهدم فؤادي ما استطعت فانه سيكون مثل الصخرة الصماء
لا يعرف الشكوى الذليلة و البكا وضراعة الاطفال والضعفاء
ويعيش كالجبار يرنو دائما للفجر ، للفجر الجميل النائى
واملأ طريقى بالمخاوف والدجى وزوابع الأشواك والحصباء
وانشر عليه الرعب وانثر فوقه رجم الردى وصواعق البأساء
سأظل امشي رغم ذلك عازفا قيثارتى ، مترنما بغنائى
أمشى بروح حالم متوهج فى ظلمة الآلام والأدواء
النور فى قلبي وبين جوانحى فعلام أخشى السير فى الظلماء ؟
إنى أنا الناى الذي لا تنتهى أنغامه ما دام فى الاحياء
وأنا الخضم الرحب ليس تزيده إلا حياة سطوة الأنواء !
الى آخر هذه القصيدة العجيبة ، ولكنها ليست بأعجب من بقية شعره الذي يتجلى فيه جميعا حب الاستغراق فى المعانى والتحليق بالاخيلة والمثاليات النبيلة
والتأنق الموسيقي فى الألفاظ ، وكل ذلك عن طبيعة سمحة مصقولة رضعت من أفاويق اللغة ومن البيان العربى المصفى منذ طفولتها وفى طليعتها القرآن الشريف بكامله .
إن كل قصيدة من قصائد الشابى طالت أم قصرت ، صورة مكبرة أو مصغرة لهذه المزايا الفنية . وهو قبل هذا وبعده المؤمن بالحياة إيمانه بالجمال والحرية ، والساخط على طغاة العالم ، والمتأمل فى هيكل الحب ، والمناجى الطبيعة دون ملل ، والمتفائل دائما ، واللهفان على وطنه أو جنته الضائعة ، وأخيرا المعانق الموت فى غير وجل عناق الفيلسوف الفنان الذى ينشد التجربة والعلم حتى تجربة الموت !
لقد كانت حياة الشابى سلسلة متلاحقة من النكبات والمآسى فى حبه وفى اسرته ، وفى وطنه ؛ كما كان حساسا ازاء نكبات الانسانية عامة ، فرثى لسقطاتها وبكى لها كأنما كان يبكي قومه ، وأهاب بها لتنهض وتقوى وتنقى . وعشرات القصائد التى أتحفنا بها فى فترة من حياته لم تتجاوز ست سنوات هى ترجمان صادق لاحاسيسه الشريفة ، وذخيرة متميزة فى التراث الأدبى المعاصر . ومبعث قوة خارقة لأدب الانبعاث القومى فى العالم العربى لا فى تونس فحسب . فثورته على الطغيان والمتجبرين وعلى الرجعية المقيتة ، وعلى جميع القيود التي ترصف فيها البشرية ، هى شعلة متأججة هادية ولو لم يكن فن الشابى قويا بجميع عناصره ، أصيلا محلقا ، لما اكتسبت رسالته القوة التى خلعتها عليها مواهبه النادرة ، فالتعبير الغث قد يكون عبئا على الفكرة فيهوي بها بدل أن ينهض ولو كانت طبيعتها السمو ، وهذا ما لا يفوت الناقد الموضوعى المستوعب أى الذى لا يحصر أفق تأمله ونقد . لم يغرد الشابى سوى ست سنوات قيل بعدها إنه مات ، وأما هو فقد قال سلفا : -
سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء
قيل ان النقد الفني يجب أن يحصر همه فى الطاقة الشعرية الضائعة وحدها وكثيرا ما دافعنا نحن عن حقها فى التقدير ، ومع ذلك فقد لا تتجاوز الطاقة الشعرية الفاتحة طيش النيازك أوعبث الصواريخ أما الشابي فقد أبى أن تحمل طاقته الشعرية الخارقة سوى الحقائق . الأزلية الخالدة ، أبى ذلك بطبعه ويتزاوج الوعى مع اللاوعى فى نفسه تزاوجا غير
مفتعل ، فخلدت رسالته ، فى فنه ؛ وخلد فنه فى رسالته ؛ ولم يستطع أحد من آلاف المنتشين برحيقه أن يفرق بين الطعم والجوهر ، فهو وحدة شاملة تأبى على الناقد التحليل ، وتهب النشوة والالهام لصائدى النغم والخيال ولصائدي المثالية الحية على السواء :
ايها الشعب ليتني كنت حطا با ، فأهوي على الجذوع بفأسي
ليتني كنت كالسيول اذا سا لت تهد القبور رمسا برمس
ليتي كنت كالرياح فأطوي كل ما يخنق الزهور بنحس
ليتني كنت كالشتاء أغشي كل ما أذبل الخريف بقرس
ليت لي قوة العواصف يا شعـ بي فألقى إليك ثورة نفس
ليت لي لي قوة الاعاصير إن ضجـ ت فأدعوك للحياة بنبسي
ليت لي قوة الاعاصير لكن أنت حى يقضي الحياة برمس
ويقسو على شعبه ، ولكنها قسوة المحب المبصر ، وما كان يأسه أو استسلامه إلا عارضا زائلا يحفزه الى همة جديدة :
ها انا ذاهب الى الغاب يا شعـ بي لأقضي الحياة وحدى بيأس
ها أنا ذاهب الى الغاب علي فى صميم الغابات أدفن نفسى
ثم أنساك ما استطعت فما أن ت بأهل لخمرتى ولكأسى
سوف أتلو على الطيور أناشـ يدى وأفضى لها بأحزان نفسى
فهى تدري معنى الحياة وتدري أن مجد النفوس يقظة حس
خدم الشابي الأدب والعرب والانسانية بحياته وموته على السواء ، ودفع وحده الثمن غاليا لذلك الأدب . وبعد أن كانت مهمتنا جد شاقة فى الربع الأول من هذا القرن سعيا للتنويه بأدب الشباب صار المثل الاعلى الذى ضربه الشابي بشعره يحفز النقاد والمجلات الآن الى الاهتمام بأشعار شرنوبى والفيتورى وتاج السر وأمثالهم . واذا كان الشباب كالربيع رمز الحياة المتجددة فهو أول من يطالب باذاعة أدب الشابى فى هذا الشعر المجدد الحى

