الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

خاصة بالمنهل, الشخصية العربية، فى المحيط الدولى

Share

لعل من الخير ان نحدد فى المستهل مفهوم (( الشخصية العربية )) ومفهوم (( المحيط الدولى )) فى اطار الفكرة العامة التى كتب من اجلها هذا المقال ..

فالشخصية العربية لا تعنى فقط الشخصيات العربية التى تولت زمام المعارك السياسية دفاعا عن مصلحة العروبة والاسلام فى المعترك العالمى وانما هى الروافع القومية التى اخذت فى السنوات الاخيرة تنبعث من صميم الشعوب العربية لتعبر عما تنطوى عليه نفوسهم من آمال وآلام ويجب ان لا يستنتج من ذلك ان الدور الذى قامت به القيادة العربية المخلصة هو دور ثانوى محض .. فالقيادة الصميمة الصادقة ليست فى الواقع الا لسانا معبرا عن تلك الروافع القومية فى اطارها الشعب العام ، وبالاسلوب الذى تقتضيه فنون الدبلوماسية الحديثة .

وبالمحيط الدولى نعنى هذه التيارات التى تلم بالعالم العربى ، فتعرض مصالحه الجوهرية الى ما يعتقد الشعب والقيادة المخلصة أنه سئ وضار والتيارات الدولية التى يتكون منها المحيط الدولى ليست كلها على نمط واحد ، فتضارب المصالح بين القوى العالمية المختلفة يوفر فى بعض الظروف فرصا

للاستفادة ، وعلى قدر المستوى الذى بلغه الوعى الشعبى والنباهة التى تتسم بها القيادة الحكيمة تتوقف مدى الاستفادة من هذه التيارات .

فالشخصية العربية فى المحيط الدولى هى اذن قضية الاستعداد على تفهم مجرى السياسة الدولية وتيارات القوى العالمية ، واثر ذلك على المصلحة العربية الاسلامية ((المحلية والاقليمية)) ومقدرة الوعى القومى والقيادة الواعية على مواجهة هذا التحدى .

وقد تميز عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بميلاد مناطق جديدة فى الكرة الارضية كانت الى ما قبل ذلك جزءا مهملا فى صراع القوى العالمية . وهذا الاهمال مرده استتباب النفوذ

لبعض الدول الكبرى فى تلك المناطق استتبابا تقليديا جذوره فى التاريخ الاستعمارى الحديث ، ومن العوامل البارزة الأخرى التى سببت هذا الاهمال هو عدم توفر اسلحة الدفاع الدبلوماسى لكثير من شعوب تلك المناطق ( ومنها طبعا العالم العربى والاسلامى ) ازاء التفوق والبأس العسكرى والدبلوماسى العظيم التى كانت تحتكره حفنة من الدول الكبرى

والشرق العربى الاسلامى خير مثال لتلك المناطق الجغرافية المهملة التى كانت تعتبر مناطق نفوذ لهذه أو تلك من الدول الكبرى .

وجاء عالم ما بعد الحرب الاخيرة فى ثناياه تطورات على غاية من الخطورة تطورات لم تقتصر فقط على الافكار والنزعات التحريرية التى شملت المناطق الخاضعة للاستعمار وانما امتدت الى ابواب جديدة منها التنمية الاقتصادية واكتشافات المواد الاولية الهامة وازدياد حاجة الدول الصناعية الكبرى الى هذه المواد بازدياد مجهودها الصناعى وتقلص المسافات الشاسعة بين القارات والشعوب واتساع المواصلات الفكرية ( اذاعة وصحافة وما الى ذلك ) وما استدعى ذلك من ارتباطات فكرية وعاطفية قوية بين الشعوب والجماعات التى تتحد جذورها الفكرية والعنصرية والدينية والجغرافية والتاريخية كالشعوب والجماعات العربية والاسلامية .

وفى مثل هذا الجو العالمى الجديد ، دخل العرب معترك السياسة الدولية فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية

وكان مؤتمر سان فرنسكو لوضع ميثاق الامم المتحدة عام ١٩٤٥ فاتحة عهد جديد فى الدبلوماسية الحديثة .

فقد كانت السياسة العالمية قبل ذلك تجرى فى اطار الكتمان الشديد وتكلف الصراحة لخدمة مآرب هدفها لا تخدمه الصراحة .

وفى مؤتمر سان فرانسسكو ، افتتحت نوافذ جديدة على الدبلوماسية الدولية دخلت منها اضواء جديدة لم تكن الدول الكبرى المحتكرة لسياسة القوى الدولية تحسب لها حسابا كبيرا ..

ومن هذه النوافذ الجديدة دخلت (( الشخصية العربية )) المحيط الدولى فى قالب جديد .

فقد كان فن صياغة الوثائق والقوانين والتشريعات الدولية قبل مؤتمر سان فرنسكو يكاد يكون مقصورا على دولتين أو ثلاث من الدول الكبرى ، فجاءت شخصيات عربية فيها الكفاءات الكامنة ما اتاح لها أن تساهم فى جد ونباهة مساهمة فعالة فى صياغة ميثاق الامم المتحدة والوثائق الفنية المتفرعة عنه . ومحاضر جلسات ذلك المؤتمر التاريخى لا تزال تسجل مجهود القانونيين العرب امثال الدكتور عبد الحميد بدوى ( المصرى ) عضو محكمة العدل الدولية العليا اليوم .

وفى فن المهارة الدبلوماسية برزت فى سان فرنسسكو جهود لشخصيات عربية كان نشاطها فى السابق محليا أو أقليميا بمعنى انها كانت مشغولة

بتوطيد المصلحة المحلية للبلد الذى يتولى الاشتغال بمصالحها ، وبمصلحة المنطقة الاقليمية التى تتجاوب فيها مصالح اقطار شقيقة ، ومن اعلام هذا الجهد الدبلوماسى فى اطاره الدولى الدور الذى لعبه سمو الامير (فيصل) رئيس وفد المملكة فى سان فرنسسكو آنئذ ..

ولم يقتصر دخول الشخصيات العربية المحيط الدولى الجديد على النواحى الفنية والمهارة الدبلوماسية فحسب فى مستهل عهد الامم المتحدة اذ سرعان ما هبت عواصف سياسية دولية طارئة على الشرق العربى ومنها مسألة جلاء الفرنسيين عن سوريا ولبنان . ففى هذه القضية برزت لاول مرة مقدرة العربى على استغلال البلاغة والمنطق والثقافة القانونية والمهارة الدبلوماسية وانتهاز تضارب المصالح بين الدول الكبرى فأدى ذلك الى فوز مبين لقضيتى سوريا ولبنان

وقد حدث ذلك فى زمن كان العرب فيه فى الامم المتحدة منفردين فى الصراع ، فلم تكن تسندهم دول أسيوية أو دول شرقية ، فقد كانت الهند والباكستان واندونيسيا وغيرها من مجموعة دول باندونج لا تزال خاضعة للاستعمار الغربى . ولم يكن لها مقاعد واحداث فى هيئة الامم ، والتاريخ يسجل ان جهود الدول العربية فى مستهل عهدها بالمحيط الدولى فى هيئة الامم كانت موفقة فى الدفاع عن مصلحة اندونيسيا توفيقا لم يجانسه الا غضبة الشعوب العربية والاسلامية فى عقر دارها لنصرة اخوانهم المسلمين

فى اندونيسيا .

وكأنك بالدول الكبرى قد لمست قوة هذه الامكانيات التى توفرت للعرب شعبا وقيادة فى المحيط الدولى فتكاتفت تلك الدول على الحد من هذا الاتجاه ، وفى قضية فلسطين ونكبتها على يد الامم المتحدة مثل على عزم الدول الكبرى ذوات المصالح على ايقاف الدول العربية عند حد معين فى نجاحهم الدولى .

ومأساة فلسطين فى هيئة الامم ودقائق النكبة وخيبة الآمال والوان الخديعة والمكر فى المحيط الدولى وغير الدولى اصبحت معروفة للجميع .

الا أن السنوات التسع الاخيرة منذ نكبة فلسطين فى هيئة الأمم قد وفرت للشعوب وبعض الحكومات والشخصيات العربية فرصة ثمينة للتدرب والنضال على اتقان المهارة الدبلوماسية فى المحيط الدولى .. وانك لتجد اليوم بين المجموعة العربية ممن تخصصوا فى شئون الامم المتحدة من يستطيع اذا توفرت له فرص النضال النظيف فى هيئة الامم ان يتصرف تصرف القادر الخبير الممتلئ معرفة وخبرة بهذه الشئون .

وقد استغلت بعض الشخصيات العربية التى من هذا النوع مقدرتها المكتسبة على الدخول فى معارك عربية جديدة منها قضيتا مراكش وتونس فحققت الوانا من الانتصارات لم تكن كلها من صنع الشخصيات العربية فى المحيط الدولى ، فقد كان صراع اخواننا المغاربة فى بلادهم أكبر دافع لهذه الانتصارات وانما استطاعت

الخبرة الممارسة التى توفرت لبعض الشخصيات العربية فى المحيط الدولى فى وزارات الخارجية وفى ميدان مجلس الامن والجمعية العامة لهيئة الامم ان تحقق نفعا عمليا قيما لصراع اخواننا المغاربة ازاء الاستعمار الغاشم

وثمة أمر آخر اكتسبته الشخصية العربية النبيهة فى المحيط الدولى ألا وهو توجيه القول الى من يستطيع أن يسمع ويقرأ فى ألسنة الرأى العام العالمى حيث تعجز تلك الشخصية من اقناع ممثلى الدول الخصوم ممن رسمت لهم دقائق السلوك بحيث لا يجدى المنطق أو البلاغة أو عدالة القانون فى الاقناع بعكس ذلك .. وهذا الاتجاه اقتضى معرفة باتجاهات الصحافة الغربية وطرق التحدث اليها وهو فن قائم بذاته ..

ثم دخلت السياسة العربية فى المحيط الدولى فى دور جديد أثر انضمام عدد جديد من الدول الاسيوية والافريقية الى المجموعة الدولية ممثلة فى هيئة الامم .

وفى مؤتمر باندونج كان دور العرب ايجابيا وفعالا ، فقد استطاعت جهود النفر المخلص من الشخصيات العربية التى حضرت مؤتمر باندونج

أن تستخلص من بقية الدول الاسيوية والافريقية المجتمعة قرارات وتواصى وتصريحات شملت كل قضية ومسألة من القضايا العربية والاسلامية .. وهذا فى الواقع نصر مبين . فاهمية مؤتمر باندونج لم تسجل بعد تسجيلا تاريخيا صميما ، وهذا شأن معظم الاحداث التاريخية فانها لا تعطى حقها فى ميزان التقدير الا بعد أن تمضي عليها فترات من الزمن تختمر فيها النتائج فى صميم الحياة التاريخية للشعوب فنجد المؤرخ النبيه ليسجل ما لها وما عليها فى نزاهة العالم .. ودقة المؤرخ ، واصالة الرأى الصادق العميق ..

وبعد فهذا العرض الموجز لموضوع الشخصية العربية فى المحيط الدولى الذى تفضل فاختاره لى الاستاذ رئيس تحرير المنهل - هذا العرض لا يمكن أن يشبع الموضوع حقه ، ففى ثناياه تفصيلات ودقائق لا يتسع المجال لاستيعاب جزء واف منها .. وحتى اذا اتسع المجال فان تسجيلها يجب أن يكون من مهمة مؤرخى المستقبل لهذه الفترة الدقيقة من تاريخ العرب والمسلمين .           جدة

اشترك في نشرتنا البريدية