الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

خاصة بالمنهل, العرب بين المادة والروح

Share

منذ اتصل العرب بالمدنية الغربية الحديثة أخذت تلك المدنية تستهوى قلوب البعض ، وتستثير تفكير البعض الآخر ، خاصة وأن هذا الاتصال قد ابتدأ فى فترة كانت فيه الحضارة العربية الاسلامية فى ضعف وتقهقر بينما كانت الحضارة الغربية فى قوة وتقدم وازدهار ، مما رجح كفة الغرب وجعل منهم سادة مسيطرين ومستعمرين غالبين ، ولم يكن بد لبعض المفكرين العرب من أن ينظروا فى اسباب تقدم الغرب

وتأخر الشرق وسيطرة احدهما على الآخر . ولما كان مظهر القوة فى الحضارة الغربية متجليا في اخذها بأسباب العلوم المادية بينما كان الشرق غارقا في التأملات الروحية التى داخلها لسوء الحظ فى عصر التدهور كثير من الخرافات ، فقد رأى أولئك المفكرون أنه لا خلاص للشرق الا اذا آمن بالمادة وتخلى عن روحانيته ، حتى قال أحدهم : " ألا من يعطيني طائرات ويأخذ فلسفات " وانه لمن الغريب أن نلاحظ أنه فى الوقت الذى كان يسرف فيه بعض الشرقيين فى الدعوة الى المادة كنا نرى نفرا من الغربيين يدعون فى بلادهم الى العودة الى الروح ، والكف من سيطرة المادة على حياتهم ، وكثيرا ما كانت تلقي هذه الدعوة استجابة فى أعقاب الحروب الطاحنة التى أثارتها القوة المادية ، ودفع اليها الجشع المادى .

والآن وقد أخذنا نلمح طلائع النهضة فى الكثير من البلاد العربية ، لا يخلو من فائدة أن نقيم الميزان بين المادة والروح لكى نحدد الى أى حد يجب أن نأخذ بأسباب المادة وماتتيحه

من قوة وحضارة والى أى حد يجب أن نحتفظ بالسليم من القيم الروحية باعتبار أنها لا تعوق ما نبغى من نهضة ، بل لعلها تساعد على تأصيلها فى بلادنا وغرس جذورها حتى لا تظل نهضته مستعارة وقوة مجتلبة .

ان الكثيرين من مفكرى العرب ، يدعون اليوم فى قوة الى الاخذ بأسباب العلوم المادية ، ويفضلونها على العلوم الانسانية وعلى الروحانية لانهم يدعون الى استثمار خيرات أرضنا بالوسائل العلمية الحديثة في الزراعة والصناعة والتعدين ، ويرون أن رفع مستوانا المادى هو السبيل الصحيح الى العزة والكرامة والقوة التى تحمي زمام الوطن والمواطنين .

ولكن من يتعمقون دراسة الحضارة الغربية ، لا بد ان يدركوا انها فى أساسها تقوم على الانسانيات التى ورثها الغرب عن اليونان القدماء . ثم عن العرب والشرقيين فى خلال القرون الوسطى وأن حضارتهم المادية الحديثة لم تبتدئ الا بعد بعثهم للانسانيات القديمة والوسيطة ، وذلك لان البحث العلمي ذاته واستنباط قوانين الكون التى تمكننا من السيطرة على المادة واستخدامها في رفاهية الانسان يقوم أصلا على القيم والمبادىء الانسانية والروحية .

ان البحث العلمي في أساسه مبادئ خلقية ، وذلك لأنه يقوم على نزاهة الفكر ودقته واصراره على

اليقين . كما يقوم على الصبر والتواضع والايمان ، وكل هذه من صميم المبادئ الخلقية والروحية لانها تستمد حقيقتها من الحقيقة الكبرى .

والبحث العلمي لا يتقدم كما قد يظن البعض بفضل الآلات والتفكير الوضعى ، وانما يتقدم كما أثبت العالم الرياضى الفرنسي الكبير هنرى بوانكاريه بفضل ملكة التصور والخيال . فهذه الملكة هي التى تهدى رجل العلم الى افتراض الفروض لحل المشكلة التى تعترضه ، ثم تأتي بعد ذلك الآلات والمخابر . ويأتي التفكير الوضعى او الرياضى لتحقق هذا الغرض وتثبت صحته أو عدم صحته وحله أو عدم حله للمشكلة المعروضة واذا لم ينجح هذا الفرض لجأ رجل العلم الى خياله لكى يسعفه بفرض آخر ، وهكذا . .

والذى لا شك فيه ان الانسانيات والروحانيات هى التى تثقف ملكات النفس المختلفة وتنمي مبادئ الاخلاق الشخصية ، وبذلك تسلح العلوم المادية بأسلحتها الأساسية التى لا تستطيع ان تتقدم بدونها .

والانسانيات او الروحانيات تقيم ركنا أساسيا فى حياة الأفراد والمجتمع ، وهو ركن لا يقل اهمية فى تحقيق السعادة الممكنة عن الركن المادي ، ونعني بذلك الركن فهم الناس

بعضهم لبعض ، واقامة المعاملات بينهم على الاسس الخلقية والدينية التى أثبتت التجارب الانسانية انها خير الاسس ضمانا للمصلحة الحقيقية لغالبية البشر الساحقة ، بل انها لتساعد الانسان على أن يفهم نفسه بنفسه وان يتقى خداعها وغرورها ومغالطاتها ، وبذلك تنجيه من كثير من مواضع العطب .

ومع كل ذلك فان العقل السليم يدعوا الى مراجعة الكثير مما نسميه بالقيم الروحية لانها قيم مزيفة كانت

من أسباب تقهقرنا وقد حان الحين لأن نتخلص منها وأن نبرئ منها ديننا نفسه ، وذلك مثل الايمان بالخرافات ، والتواكل والدعوة الى الانصراف عن الحياة وخيراتها المشروعة والتهرب من المسئولية ، ومن ثمن الجد فى الحياة والاخلاص فى السعى . وان الدين لا يتعارض مع كثير من اتجاهات الحضارة التى مكنت للغربيين من رقابنا وأوطاننا وخيراتنا ردحا من الزمن .

اشترك في نشرتنا البريدية