ان احتلال البريمي ، يعد من الحوادث السياسية الكبرى ، فى الشرق ، بالنسبة لما يكون له من عواقب سيئة التأثير .
وواضح أن الصراع الدولى العالمى اقتصادى ، اليوم ، وقد انقضى الزمن الذي كانت الدولة الكبيرة ، لاتستطيع أن تؤمن فيه على مصالح اقتصادية ، تكسبها الا اذا وضعت مقابل ذلك جيوشا حرارة . تسد بها الانفاس ، وتعقل الالسنة ، وتحصى الحركات والسكنات .
أجل أصبحت المنافع الاقتصادية ، المشتركة بين الدول الكبيرة والصغيرة هى محور الصراع السياسي بين الدول الكبرى .
والحق أن تأمين المنافع الاقتصادية لدولة كبيرة ، دون دولة كبيرة ، صراعه لا يكون الا بين الدولتين الكبيرتين بالذات ، سواء أكان الصراع بينهما مكشوفا ، كالصراع بين أمريكا وروسيا ، أم كان مستورا كالصراع بين أمريكا وبريطانيا .
وسلاح هذا التنازع الاقتصادى قائم على السباق ، في عقد المعاهدات وتبادل المنافع ، وموالاة نشر الدعايات وبث الاعوان والارصاد الذين يؤثرون فى مختلف الاوساط الحكومية
والشعب .
كل ذلك لاستمرار الثقة بحسن نيتها . واستمرار الثقة بحسن نيتها ، ليس بالقليل ابدا ، اذ عليه يتوقف بقاء التبادل الاقتصادى المشترك ، حتى فى أضيق الظروف ، وأحرج المناسبات .
ولكن انكلترا كان مثلها كمثل " ذات النحيين " لم يكفها ما بيمينها من زيت العراق والكويت و . . . فمدت شمالها على وطننا لتنتزع منه البريمي ، لما عرفت ما فيه من ذخر ثروة هائلة ، فافقدها طمعها الطاغى هذا أثمن شئ تفزع اليه فى الملمات ، أفقدها " الثقة بها " فى قلوب أصدقائها في الشرق والغرب .
وبريطانيا الآن بين أمرين .
١ - أما أن ترجع عن خطئها ، توطيدا للثقة بها فى القلوب ، وأمانا على مصالحها فى المستقبل . وقديما قيل : " الرجوع عن الخطأ فضيلة "
2- واما ان تركب رأسها اعتزازا بتفوق قواها الحربية . ولكن يجب أن تذكر أن تفوق القوى الحربية ، لبس هو كل شيء في استدامة حياة الدولة مهما عظمت ولو كان الامر كذلك لدامت دولتا بابل وآشور ، أو الفرس والروم .
والواقع أن استمرار حياة الدولة يعود - قبل استمرار تفوق القوى الحربية - الى سيادة روح العدل فيها حتى اذا فقد فقدت الدولة على أثره .
والحكومات أبدا تحاول أن تكون أعمالها ، تمثل العدل بقدر الامكان . أما أنها تعدل عن العدل بالمرة ، وتطرحه أرضا وتدوسه بقدميها ، كما فعلت بريطانيا فى البريمي فهذا كثير ! ! وأكثر منه ان تتخذ لظلمها هذا وجهة شرعية تستند عليها .
ها هى ذي تزعم لوزارة الخارجية السعودية ، فى مذكرتها التى بعثت بها اليها ليلة الخميس ٢٧ اكتوبر عام ١٩٥٥ ، انها ما كانت لتستطيع أن تحتل البريمي ، لو لم يكلفها بذلك حاكم مسقط وشيخ " ابي ظبى " فهي باسم الرجلين وللرجلين تبرعت بهذا الاحتلال .
انظر مذكرتها بالذات : " ان الحكومة البريطانية ، باسم حاكم مسقط وشيخ أبي ظبى قررت احتلال منطقة البريمي المتنازع عليها . . "
اذن فبموجب هذا السبب الذي اعتبرته بريطانيا فى هذه المذكرة قانونيا ، يدخل فى صلاحية حكام المقاطعات من أى وطن أن يعطوا اذنا لأية دولة غريبة ان تحتل جزءا من وطنهم باسمهم ، ويكون حينئذ احتلال الدولة الغريبة ، من الوجهة الشرعية الدولية ، فى محله لا يستحق مقاومة ولا مؤاخذة . .
وعلى منطق هذه المذكرة يدخل فى صلاحية حاكم جزيرة وايت الانجليزية أن يعطى الحقوق القانونية لدولة غريبة ، كفرانسا منلا ان تضع يدها عليها ، أو على سواها ، ويكون حينئذ احتلالها في منطق الحقوق الدولية قانونيا لا ينبغي ان تقاومه هيئة الامم ، ولا يجوز ان تستنكره محكمة العدل الدولية ، او يرفضه رجال الحقوق فى العالم .
وكم نجد نحن - ابناء الوطن الأم - المملكة العربية السعودية ، من غرابة والتواء وسخرية بالشرائع والقوانين وبجامعة الدول وبحضارة القرن العشرين وبالدعوة الى السلام في هذه المذكرة .
والعجيب انها تعتبر حاكم مسقط وشيخ ابى ظبى سوانا نحن أبناء الجزيرة العربية .
قد يصح هذا الامر لو اعتبر الانجليز ، أن حاكم " وايت " سواهم
وهذا لسان حاكم مسقط وشيخ " أبي ظبي " بل لسان كل أبناء الجزيرة قديما وحديثا يقول :
وهل أنا الا من غزية ان غوت
غويت ، وان ترشد غزية ارشد
ولا يحسبن الساسة الانجليز أن الامر انتهى الى هذا الحد ، اذ محال أن يقرر العالم ان الانجليز الغرباء عن الجزيرة العربية ، هم أحق بالبريمي أو بأي بلد آخر من ابنائها . وستضطر انكلترا أن تخضع للحق
وعلى كل حال فحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم ، وحضرة صاحب السمو الملكي ولى عهده والقادة المسئولون ، لهم من سواد الشعب فى الداخل والخارج أسمى التقدير : وأروع الاعجاب لمواقفهم الحكيمة الحازمة العميقة الادراك ، ولهم أيضا منه عظيم التضحية ، وكامل الطاعة والاهبة لتلبية النداء ساعة الطلب والنداء .
" وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " .

