الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

خاصة بالمنهل, وظيفة علماء الدين

Share

بقلم فضيلة الاستاذ الشيخ محمد البشير الابراهيمى رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ورئيس تحرير جريدة البصائر الغراء

لا توجد فى الاسلام "وظيفة " اشرف قدرًا ، واسمى منزلة ، وارحب افقًا ، واثقل تبعة ، واوثق عهدًا ، واعظم أجراً عند الله_ من وظيفة العالم الدينى ذلك لانه وارث لمقام النبوة وآخذ باهم تكاليفها وهو الدعوة الى الله وتوجيه خلقه اليه وتزكيتهم وتعليمهم وترويضهم على الحق حتى يفهموه ويقبلوه ، ثم يعملوا به ويعملواله .

فالعالم بمفهومه الديني فى الاسلام_ قائد ، ميدانه النفوس ، وسلاحه الكتاب والسنة وتفسيرهما العملى من فعل النبى صلى الله عليه وسلم وفعل اصحابه ، وعونه الاكبر على الانتصار فى هذا الميدان ان ينسى نفسه ويذوب فى المعانى السامية التى جاء بها الاسلام ، وان يطرح حظوظها وشهواتها من الاعتبار ، وان يكون حظه من ميراث النبوة ان يزكى ويعلم وان يقول الحق بلسانه ويحققه بجوارحه ، وان ينصره اذا خذ له الناس ، وان يجاهد فى سبيله بكل ما آتاه الله من قوة .

اما الوسيلة الكبرى فى نجاحه فى هذه القيادة فهي ان يبدأ بنفسه فى نقطة الامر والنهي فلا يامر بشيء مما امر به الله ورسوله حتى يكون اول فاعل له ؛ ولا ينهى عن شيئ مما نهى الله ورسوله عنه حتى يكون أول تارك له . كل ذلك ليأخذ عنه الناس بالقدوة والتاسى اكثر مما ياخذون عنه بوساطة الاقوال المجردة والنصوص اللفظية . لان تلاوة الاقوال والنصوص لا تعدو ان تكون تبليغا ، والتبليغ لا يستلزم الاتباع . ولا يثمر الاهتداء ضربة لازم ولا يعدو ان يكون تذكيرا للناسي وتبكيتًا للقاسي ؛ وتنبيها للخامل ؛ وتعليما للجاهل وايقاظا للخامل وتحريكا للجامد ودلالة للضال . . أماجر الناس الى الهداية بكيفية تشبه الالزام فهو فى التفسيرات العملية التى كان المرشد الاول يأتى بها فى

تربيته لأصحابه : فيعلمهم بأعماله ، اكثر مما يعلمهم بأقواله لعلمه - وهو سيد المرسلين - بما للتربية العملية من الاثر فى النفوس ؛ ومن الحفز الى العمل بباعث فطرى فى الاقتداء وقد رأى مصداق ذلك فى واقعة الحديبية حين امر اصحابه بالقول فترددوا : مع انهم يعلمون انه رسول الله ، وانه لا ينطق عن الهوى ، ثم عمل فتتابعوا فى العمل اقتداء به وكانهم غير من كانوا .

كان الصحابة لاستعدادهم القوى لتحمل الاسلام بقوة يحرصون على اخذ همات العبادات من فعله صلى الله عليه وسلم ، كما يحرصون على التمثل باخلاقه والتقليد له فى معاملته لله ومعاملته لخلقه ، وعلى التأسى به فى الافعال والترك فى شؤون الدين والدنيا ، لعلمهم ان الفعل هو المقصد والثمرة وان الأقوال فى معظم احوالها ؛ اما هى ادوات شرح ، وقوالب تبليغ وآلات امر ونهى ، ووسائل ترغيب وترهيب ؛ وان فى قول قائلهم : " أنا اشبهكم صلاة يرسول الله " لدليلا على تغلغل هذه النظرة فى مستقر اليقين من بصائرهم وانهم كانوا يتشددون فى اخذ الصور العملية من افعاله صلى الله عليه وسلم كما هى ، ويتحرجون من التقصير فيها ؛ ومرماهم فى ذلك أن العمليات الماخوذة من طريق العيان اقرب الى اليقين وموافقة مراد الله منها ؛ وبذلك تتحقق آثارها فى النفوس ، وقد كانوا يفهمون العبادة بهذا المعنى : أن تعبد الله كما شرع على الوجه الذى شرع ؛ فالكيفيات داخلة فى معنى التعبد ، لذلك لم يحدث السلف زوائد على العبادات من اذكار وغيرها بدعوى أنها زيادة فى الخير ، كما عمل الخلف ؛ وكانوا يفهمون يسر الدين بمعناه السامي وهو أنه لا ارهاق فيه ولا اعنات ، وانه ليس فى المقادير الزائدة عن اقامة التكاليف أوفى المعاذير الصحيحة العارضة للتكاليف ، لا كما نفهمه نحن تساهلا وتطفيفا .

فهم علماء السلف الاسلام كاملا بعقائده وعباداته واحكامه واخلاقه وفهموا ما بين هذه الاجزاء من الترابط والتماسك ووحدة الاثر والتأثير ، وآنها - فى حقيقتها - شئ واحد ، هو الدين ، وهو الاسلام ، وان ضياع بعضها مؤذن بضياع سائرها ، أو ذريعة له ، فلا يقوم دين الله فى ارضه الا باقامة جميعها ، واذا قال القران :

( وان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) . فمعناه اقامة جميعها ، وانه ليس من هذا الدين ان يصلى المسلم ثم يكذب ، ولا ان يذكر الله ثم يحلف به حانثا باللسان الذي ذكره به متقربا اليه ، ولا ان يمسك عن الطعام ثم يأكل لحوم الخلق ، ولا ان يخاطب ربه: ( اياك نعبد واياك نستعين ) ثم يتوجه الى غيره عابدا ومستعينا فيما هو من خصائص الألوهية ، ولا ان يقول بلسانه ماليس فى قلبه ؛ ولا أن يأمر الناس بالجهاد ثم يرضى لنفسه بأن يكون مع الخوالف ، او يبذل المال فى سبيل العلم ثم يقبض يديه كانه خارج من التكليف ، او بالبر وينسى نفسه ؛ ولا ان يترخص فى الحق ارضاءا لغوي اوغنى ولا ان يؤخر كلمة الحق عن ميقاتها حتى يضيع الحق

وكان كل واحد منهم يرى انه مستحفظ على كتاب الله ، ومؤتمن على سنة رسوله ، فى العمل بها وتبليغها كما هى ؛ وحارس لهما ان يحرفهما الغالون أو يزيغ بهما عن حقيقتهما المبطلون ؛ او يعبث بهما المبتدعة ؛ فكل واحد منهم حذر أن يؤتى الاسلام من قبله ؛ فهو لذلك - يقظ الضمير ، متأجج الشعور ، مضبوط الانفاس ، دقيق الوزن ، مرهف الحس ، متتبع لما يأتي الناس وما يذرون من قول وعمل ، سريع الاستجابة للحق ، اذا دعا داعيه ، والى نجدته ، اذا ريع سربه او طرق بالسر حماه .

وكانوا يأخذون انفسهم بالفزع لحرب الباطل لاول ما تنجم ناجمته ، فلا يهدأ لهم خاطر حتى يوسعوه إبطالا ومحوا ، ولا يسكتون عليه حتى يستشرى شره ، ويستفحل امره فتستغلظ جذوره ، ويتبوأ من نفوس العامة مكانا مطمئنا .

وكانوا يذكرون دائما عهد الله ، وانهم أخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لا يقولوا على الله الا الحق ، وان الحق هو ماجاء به محمد عن ربه لهداية البشر وصلاح حالهم . وكانوا يزنون انفسهم دائما بميزان الكتاب والسنة ، فما وجدوا من زيغ اوعوج قوموه فى الحال بالرجوع والانابة ، كما يفعل المفتونون بالجسمانيات فى عصرنا هذا فى وزن ابدانهم كل شهر . ....

( للمقال بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية