أسباب صمود اللغة العربية الفصحى وفشل العامية
تشتمل اللغة العربية الفصحى ، على عدة اسباب ذاتية ابديه الحياة . تجعل فشل الدعوة - الى أية لغة عامية ، لتحل محل اللغة الفصحى ، وتفى بالتزاماتها ، وتمثلها فى كل مجال - قدرا مقدورا .
ومثل فشل هذه الدعوة منذ اللحظة الاولى ، مثل سقط طرحته أمه فى (( مارستان )) خيل لها جنونها انها اذا احتفظت به يحيى ، ويتكامل ويحقق العجائب ، التى لم تحقق بعد . ولم يدر فى خلدها انه سقط مائت ، وانه لن يحقق شيئا سوى ما حققه الموت فيه !
او مثل اعمى غاظته الشمس واكبار الناس لها ، وفى زعمه انها قديمة ، ولا تصلح للحياة الجديدة ، لانها لم تضئ له أحاسيسه فى الأشياء التى يمسها من قريب . فاوقد شمعة واخذ يصرخ وهو يلوح بها .
(( أيها الناس ، الى متى أنتم فى عمى ، هيا أقبلوا وأفيدوا مما أوقدت لكم ، فهو أحدث نور فى الوجود ، وهو وليد الساعة ، واهجروا الشمس ، فان الدهر أكل عليها وشرب )) . .!
وهكذا انتقل ظلام عينيه الى قلبه فأطفا نور بصيرته . .
واخيرا احترق بما اوقدت يداه ، وكشفته أشعة الشمس الحية المتجددة ، فحمة خامدة مطموسة المعالم ، وهذه نهاية الظالمين المعتدين المحتومة . .
. . . والآن أباشر عرض الاسباب التى وفقنى الله - جل وعز - الى درسها وتدوينها . .
الاول :
تطور اللغة العربية الفصحى . هو تطور ذاتى طبيعى أصيل مرتبط بنواميس كيانها الصاعد النامى : بدا ، ومتصل بوحدة حياتها المصيرية فى نطاق تقدمها الصناعى العلمى المتصل بأصولها الالزامية ، وقواعدها الاساسية الخالدة ، أى هو تطور حيوى ذاتى صاعد فى نطاق النواميس لا يتخلف ، ولا ينهزم ، على مدى الاجيال .
وليس تطورا مفلتا ينتاب اللغة الفصحى بالخلل المميت ، والادواء التى تأتى عليها من جذورها ، وتمزقها أشلاء ، شأن اللغات القديمة الاخرى ، أمثالها ذات التطورات المفلتة المتروكة لتقلبات ظروف العامة ،
وتفاخرهم بالتواء السنتهم بالكلمات وتعسفهم بها التعسف الاجش . الخطر . .
الثانى :
تمرين ألسنة الناشئة فى كل اقليم ، عن أقاليم المجتمع العربى على اخراج أصوات الحروف الفصيحة من مخارجها الاصلية بواسطة التعليم والتربية الفنية الحديثة حسب المناهج المفروضة من قبل وزارة المعارف فى كل دولة عربية .
ولا توجد فى المجتمع العربى مدرسة واحدة تدرب طلابها على مخارج أصوات الحروف العامية أيا تكون . .
وليس في استطاعة الذين يتنادون بتفضيل مخارج أصوات الحروف بالكلمات العامية المنحرفة ، عن منهاج أصوات اللغة الفصحى أن يفرضوا مخارج الأصوات العامية على المعاهد العلمية الوطنية والاجنبية التى تثقف ناشئة العرب سواء في مجتمعهم أم خارجه . لأن فرضها لا يكون الا باجماع الشعوب العربية وحكوماتها . . وما يؤذى أسماعنا من ذلك سوى لغو ملغى . لا يتجاوز أقلام ذويه الخمس او دون ذلك . . !!
الثالث :
اشتمال اللغة الفصحى على المثل الاعلى الذى هو روح حي ابدى بطبعه . وليس صنع المثل الاعلى فى طاقة البشر . بل هو عن صنع الله الذى اتقن كل شئ صنعا . .
وتحققه في شئ هو تحقق الابدية فى ذلك الشئ . . .
واللغة العربية تشرفت باشتمالها على أبدية المثل الاعلى . ولا ريب ان الذى
أكسبها ذلك هو اشتمالها على وحي الله المعجز (( القرآن المجيد )) ، الذى نفخ فيها الروح الخالد . . وفى ذلك يقول الله عز وجل : (( وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا )) ٤٢-٥٣
الى جانب أبدية تحدى الاعجاز . . .
(( قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا )) ١٧-١٨
ومن أبدية تحدى الاعجاز للمتكلمين باللغة العربية الفصحى جاءت الضمانة السماوية بحفظه الدائم فى قوله تعالى :
(( انا نحن نزلنا الذكر ، وانا له لحافظون )) ١٥-٩ الحجر
الرابع :
كل جماهير الاقاليم العربية يفهمون ألفاظ اللغة الفصيحة المستعملة فى التثقيف العلمى القريب ، وفى الآداب السائدة ، وفي الصحافة والاعلان والتلفزة والاذاعة . .
ولولا أنهم يفهمونها لما تقيدت بها كل وسائل الاعلان الاجنبية فى صحافتها ، ونشر ثقافتها ، وفى استشرافها . ونشراتها الطبية ، ولولا ذلك لقدمتها على كل اللهجات العامية المنتشرة في كل اقاليم المجتمع العربى .
حتى انها لو ارادت أن تعلن أمرا من الامور لاقليم بعينه ، فلن تتجاوز اللغة الفصحى الى عاميته ، لأنها تعلم انه يوجد للعامية الواحدة ، فى الاقليم العربى الواحد ، عدة لهجات فاعلانها باحداها دون سواها فهات للغاية المرجوة من تبليغ أهل الاقليم .
الخامس
معظم الجامعات الكبرى الاجنبية فى العالم ، تشتمل على فروع للتخصص العالى فى العربية وفلسفة حضارتها وشريعتها وآدابها وتاريخها .
وتدرس ذلك باللغة الفصحى الى جانب لغة الجامعة الاصلية التى تقدم بها اطروحة نيل اجازتها العليا : الدكتوراه . .
فعامية أى أقليم عربي يريد هذا النفر النافر ان يفرضها على فروع هاتيك الجامعات لاحلالها محل اللغة العربية الفصحى ؟ . .
. . أعامية اليمن بقسميه . . !! أم عامية السعودية . . . أو المغرب العربى بأقسامه الثلاثة ، أو السودان ، أو مصر ، أو العراق ، أو سوريا ، ولبنان .
ناهيك وطلابنا فى هاتيك الجامعات ، لا ينتمون الى اقليم واحد من أقاليم المجتمع العربى ، بالاضافة الى سواهم ، حتى تتخذ لهم لهجة أقليم واحد . . حتى لو فرضنا المستحيل وكان كل الطلاب من اقليم واحد ، فان العسر يظل قائما فى اختيار احدى لهجات ذلك الاقليم .
السادس :
اللغة العربية منذ نزول الوحي الالهى بلسانها ، قد نهض بها تطور علمى صناعى مطرد على مدى الاجيال ، يقوم به فحول علمائها المتخصصون ، واعلام أئمتها المجددون ، بالاضافة الى التطور الطبيعى الذى الاصيل الذى لا ينفك عنها ابدا . .
وهذان التطوران هما للغتنا كجناحى الطائر ، إذا سلما من الآفات فانها تسلم من التخلف ، وتسمو بهما الى أوج منارات الخلود . .
ولو لم تصب لغتنا العربية الفصحى فى تطورها الصناعى العلمى المرتبط بعلومها بجمود التخلف . وشلل الاتكال على موائد الآخرين ، والاعراض عن مناهج التجدد والابتكار ، لما تفوقت عليها اية لغة راقية فى عالم الحضارة الحديثة - وان بلغ أهلها بسلطان العلم القمر . وتحدثوا بها منه الى الناس جميعا . .
السابع :
أنتطور العامى المفلت يظل مرصودا منعزلا فى زاويته . ولن يختلط باللغة الفصحى فى ميدان من ميادينها ، حتى يستطيع أن يقضى عليها . .
وما أكثر ميادينها وهى : التعليم ، الصحافة ، نشرات الانباء ، الاعلام ، دواوين الدولة ، الترجمة من اللغات الاجنبية ، الادب الرافى نظما ونثرا . التخصص الجامعى العربى الاسلامى والاجنبى ، المؤتمرات الخاصة والعامة ، التأليف ، السمر الادبى ، القصص .
ولم تقبل اية دولة من الدول العربية ان تجعل لغتها العامية ولا سواها رسمية فى شئ من ذلك . . بدلا من اللغة الفصحى .
وكل فرد من اى اقليم عربى ينحرف عن منهاج دولته وشعبه ادنى انحراف ، يهجر هو وادبه وعلمه ومؤلفاته ، من قبل دولته وشعبه ، والدول العربية الاخرى وشعوبها .
ولم لا يهجر وهو أكبر عامل هدام لبناء أواصرها الاجتماعية ووحدتها اللغوية ، وأكبر قاض على قومها الاقتصادى العام بين شعب اقليمها وشعوب الأقاليم العربية الأخرى ؟ .
الثامن :
اللغة العامية فى صعود مستمر الى قمة
الفصحى ، وليس بينهما من تنافر فى أى اقليم من أقاليم أمتنا العربية . .
وسبب ذلك أن نأبتة أمتنا الناشين يتلقون ثقافتهم بمنهاج لغتهم الفصحى المفروض عليهم من قبل دولتهم . وهم يمارسون لغتهم العامية تلقينا . بحكم الاستمرار البيئى غير المثقف . ولكن ممارستهم لها فى أحاديثتهم وفى أدبهم العامى فيه سمو وترفع عن السقوط فى أخطاء الاميين الفاحشة .
وبالجملة فالاددب العامى المثقف اليوم يكاد يكون فى ألفاظه وتراكيبه واسلوبه وسموه صنو الفصحى ما خلا الحركات الاعرابية واقحام بعض الالفاظ الدخيلة . .
لان رجاله بحكم ثقافتهم وان كانت وسط يرفضون ان يكون ادبهم قاصرا على أهل اقليم واحد او فريق واحد . .
على اننا نجد الادب الامى العامى نفسه يجهد ليكون قريبا من الفصحى حتى يكون قريبا من فهم الجماهير العربية فى كل اقليم . . .
وهذا يشير الى قرب التقاء العامية بالفصحى فى مجال واحد . . ويومذاك يتكلم العامى بعاميته الموحدة ، كما يتكلم المثقف بلغته الفصحى دون ان يجد عسرا فى التفاهم ، أو بعدا يغلق ما بينهما الابواب .. !!
التاسع :
وفرة امكانات اللغة العربية وطواعيتها فى تجدد الكلمات على ألسنة أهلها .
ألا تشاهد تفجر الكلمات الجديدة من محيط اللغة العربية ، وقواميسها ، بأيسر قاعدة من قواعد نموها وتجددها كالاشتقاق والنحت والتعريب والاشتراك فى الاوزان المتعارفة ، ووضع المصادر الجديد .
يدلك على ذلك قدرة قدامى العرب فى وضع الالفاظ الجديدة التى يضطرون الى وضعها بحكم تطور مطالب الحياة وتجددها يضعونها على صيغ صحيحة من المصادر المتناقلة بين ايديهم . أو من مصادر ، هم من وضعها على حس الاعوزان المعروفة يبتكرون وضعها على حسب الاوزان المعروفة لهم ، ووفق مشتقاتها .
انظر كيف اشتقوا من مصدر (( انجنون )) لفعل جن وأجن بمعنى الاخفاء والاظلام - (( الجن )) لانهم في خفاء عن أعين الناس ، و (( المجن )) أى الدرع لانها تخمى صدر المتدرع به والجنين للولد فى بطن أمه لانه مخفى أيضا و (( الجنة )) البستان لانها تخفى وجه الارض وتغطيه بمزروعاتها و (( الجنان )) القلب لخفائه فى الصدر ،
(( والمجنون )) لخفاء عقله عنه (( والمنجنون أو المجنين )) لمخضة الماء التى يستقى بها وهذه أدنى مناسبة لأن الماء الذى يخرج بها يغطي وجه الارض عن حوضه او فى مجراه . . وتستطيع ان تلمس من هذه السهولة فى وضع الكلمات لادنى المناسبات ، السبب الذى من اجله كثرت المترادفات فى اللغة العربية للشئ الواحد ، أو لتمييز بعض الصفات عن بعض . انظر ما وضعه العرب من أسماء الاسد او السيف او الابل والى الصفات الخاصة بكل اسم من الاسماء تدرك هذه الحقيقة .
وهل تظن المثقفين من العرب المحدثين يعجزون عن مباريات الاقدمين الاميين فى وضع الكلمات المناسبة لما يجد بين ايديهم من مقتضيات الحضارة الحديثة التى تتكاثر يوما فيوما تبعا للتقدم العلمى الصاعد ، وهم أهل علم وقدرة وفن وتجديد ووعى وذكاء وحرية وخير ونشاط ؟!
وميا يكن فيستظل امكانات تجدد الالفاظ
العربية الفصيحة لديهم كدفق الينبوع السرمدى . .
العاشر
سهولة النطق بالالفاظ العربية الفصيحة وعذوبتها وصفاؤها وسحر جريانها على الآلسنة ، إذا هى قيست ، بالالفاظ العامية المحرفة ، أو الدخيلة المضخمة .
خذ مثلا : لفظة ماء الفصيحة وقارن بينها ، وبين تحريفات العامة التى انتابتها بالادواء فى مختلف أقاليم الامة العربية ، فانك تألم لهول التحريف والتوائه على الالسنة . . فهناك فريق من العامة ينطفون (( مويه )) (١) وآخرون (( ميه )) ((٢) وآخرون (( ما )) ((٣)) وآخرون وآخرون .
وخذ أيضا لفظة (( شطيرة )) ، العربية الاصيلة ، وامرر لسانك عليها ، وعلى جمعها (( شطائر )) فانك تحس سهولتها وخفتها بالنسبة للفظة (( سندويش )) مدلولها الدخيل الاجش المتعاظل . .
ولا غرابة اذا رأينا من يؤثر الالفاظ الاعجمية المنحرفة ، على الالفاظ العربية الفصيحة . لأن شيوع اللفظة يسهل استساغة الانحراف ، ويجعل الداء عين الدواء .
على ان التثقيف اللغوى الحديث آخذ نشاطه فى كل دولة عربية وبالحرى فى مجال الاعلام العام والخاص . وفى الوظائف
الرسمية للدولة ، وذلك بفضل رؤساء الحكومات العربية ، وسهرهم على حفظ مصير الامة العربية ولغتها ، والابقاء عليها من الزوال والفناء حفظا لكتاب الله من الضياع ، وللاسلام من الانفراط . .
الحادى عشر :
السهولة الجذابة الممتعة فى لغتنا الفصيحة الحديثة التى تنسكب اساليبها المتجددة الدقاقة على ألسنة المنشئين والمتحدثين سحرا ساحرا ، وفتنة فاتنة . . تخلب الالباب وتطير بالافئدة متعة ولذة . . .
سواء أكان المنشؤون والمتحدثون من أدبائنا الفنانين العباقرة ، أم من علمائتا الاعلام الراسخين .
فالادباء جددوا وابتكروا وتفننووا حتى جاءوا بألوان من البيان كباقات الزهر ، لها جاذبية المغناطيس ، واشراق الفجر ، وشدو البلابل . . .
والعلماء نزعوا بأساليبهم العلمية الى الوضوح الناطق فى الصور المتحركة ، حتى يكاد السامع أو القارئ يتخيل أن ما يلقى اليه هو بعض ما يحسه ويعيه من قبل .
الثانى عشر :
انك تجد مثقفى عصرنا ، ومن ينزعون منازعهم من العامة المهذبين والممثلين : المتفوقين يؤثرون التراكيب العربية الفصيحة فى احاديثهم العادية ، وسمرهم ، ومحاوراتهم وفى القصص التمثيلى . اذ يلذ لهم رنة وقعها الموسيقى على أسماعهم ، وخفتها على السنتهم وسحرها البيانى ، ولو لم يتقيدوا بقواعد الاعراب من كل وجه .
هم يتجنبون جهدهم اغراب العامة والتواء ألسنتهم ومعاظلة كلماتهم وتعمدهم فى تضخيم الحروف . .
وتجنب الشبان المثقفين هذا الاغراب والتضخيم والتواء الالسنة فى الكلمات ، أمر قائم على قدم وساق في كل اقليم عربى .
وانى كلما أصغيت الى هؤلاء الشبان المثقفين فى أحاديثهم فى الاذاعة أو التلفزيون ، أو الى كلماتهم في الندوات والصحافة ، أبارك لهم هذا النشاط العجيب وافخر به واعتز . . .
الثالث عشر :
ضخامة التكاليف والمشاق التى لا بد أن تتحملها الجامعة العربية ، ودولها كافة اذا فرضنا المستحيل وقرروا احلال احدى اللغات العامية محل اللغة الفصحى : لتصبح صالحة للتدريس والتأليف العلمى والفنون الادبية والصحافة والاذاعة والمحاضرات وكل وسائل الاعلام . . !
أجل هى مشاق ضخمة وتكاليف باهظة هائلة تفوق المشاق والتكاليف التى يمكن ان يتحملها المصلحون للنهوض باللغة العربية الفصيحة لتصبح لغة عالمية علمية فنية حديثة ، يتوافد المثقفون فى كل أمة على مناهل معارفها وآدابها وفنونها . . .
والآن نصارح النفر الذين ينفقون الاموال الطائلة ، والجهود المتتابعة محاولين القضاء على لغتنا العربية الفصيحة الجامعة ، نصارحهم بأنهم محل الرثاء الساخر ، والتندر الباكى . . لأن كل محاولاتهم تبوء بالفشل المبرم . لانها لن تتجاوز ألسنتهم وأسماعهم . ومدادها يجف على أسلات أقلامهم .
الرابع عشر :
نشاط أهلها واهتمامهم بها . ومودتهم لها وجدهم لنهوض بها . وبذلهم فى سبيل ذلك الكثير الكثير . .
وكم قرأنا ونقرأ للمهاجرين الابطال الذين يغادرون المجتمع العربى الى سواه من المجتمعات . فانهم لا ينفكون يوالون لغتهم الفصحى كل الولاء : يثقفون بها أطفالهم ، ويدونون بها آدابهم ومعارفهم ويخلدونها .
وأبرز هؤلاء المهاجرين ، المهاجرون من لبنان وسورية الى امريكة وأفريقية ، والمهاجرون من حضرموت الى الهند وأندونيسية والباكستان .
وأنك تجد لهؤلاء واولئك علماء : لهم بمدارسهم وصحفهم ومؤلفاتهم وآدابهم العالية ومناهج ثقافتهم الخاصة .
وهذا يدل ان اللغة العربية الفصحى القريبة السهلة الموصولة بالقلوب والاسماع ، هى لغة التفاهم بين أبناء الاقاليم العربية ، إذا اجتمعوا فى دار هجرة ، أو مؤتمر ، أو ناد . وما الى ذلك . . .
هذا واضح فى محاضراتهم وآدابهم ومؤلفاتهم ومراسلاتهم وصحفهم ومجلاتهم ، وامثالها . .
الخامس عشر :
لن يكون طغيان اللغات العامية فى مجتمعنا العربى على لغته الفصحى الخالدة ، لتحل محلها ، وان عمل دعاتها بكل جهودهم على أن يظهروا أن دعوتهم ذات قيمة ، وان لها أنصارا عداهم . .
وهيهات هيهات ان تطغى اية لغة عامية فى مجتمعنا العربى ، على لغته الفصحى . الا اذا فرضنا المستحيل . ومسخ أخاؤه قردة وخنازير . لا يميزون بين الخير .
والسر . ولا بين وحدة اللغة الفصحى وروابطها النقابية ومنافعها الاقتصادية المتشابكة . .
المتغلغلة فى كل الوان حياتهم الاجتماعية الاجتماعية وبين العامية التى تشتمل على تمزيق لغتهم . وبالتالى على تمزيق مجتمعهم ، واقامة السدود والحواجز بين أقاليمه .
وما دام المسخ مستحيلا فستظل وحدة اللغة الفصحى ، هى الروح الجامعة . فى هذا المجتمع العربى ، ضد كل مؤامرة تمزيق تستهدفه ، من أية جهة حاقدة دست . .
ولن يقبل أهل العلم والادب والسياسة والاقتصاد والفنون الجميلة - الذين تملأ آثارهم آفاق هذا المجتمع العربى مجدا وسحرا وبهجة وخلودا - أن ينطووا على أقليمهم ، ويتجاهلوا أخوتهم ابناء الاقاليم الأخرى ، الذين تربطهم بهم وحدة المصير والمصلحة واللغة والتاريخ والثقافة . .
٠٠ لا لا لن يكون هذا . ومحال ان يكون . . بل هم سيظلون عربا مخلصين لوحدة لغتهم الجامعة ، ومدركين ما توفره لهم من مكانات ناهضة بهم وبأمتهم ، وما تقدمه من منافع كذلك لكل اقليم لهم بالذات .
وأيهما أنفع لنفسه وأمته واكبر اسما وأسمى انسانية وحكمة وأخلد ادبا وعلما وفنا ووسع افادة : المؤلف أو الكاتب أو الصحافى الذى يكتب ويؤلف بلغة يفهمها عنه مئة مليون وما وراءهم ممن يتابعون النهضة العربية الحديثة ، وما يصدر عنها من مؤلفات ؟ أم الذى يكتب لأهل اقليمه بلهجة من لهجاته العامية ، ولو كانوا أهل الاقليم المصرى الذين يزيد عددهم على الثلاثين مليونا ؟! ولا حاجة الى الجواب لأنه صريح فى منطق العلم والادب والفن ، وما يقدمه من الخير لاهل العلم والادب والفن .
له ثقله في موازين الخلود ، وله نفعه . . غير المحدود لامتهم العربية افرادا وجماعات فى كل أقاليمها . .
السادس عشر :
طواعية لغتنا العربية الفصحى وسيلانها ووفرة امكانات تجدد كلماتها لادنى المناسبات ، فى كل عصر ومصر . . والسبب سهولة مصادر الاشتقاق والتعريب والنحت والترادف والاشتراك اللفظى والمعنوى .
واذا كان أهل الجاهلية الاميون قد استطاعوا أن يصعدوا الى أعلى قمم الترادف اللغوى ، حتى أفضى بهم الأمر فى وضع الكلمات ان يضعوا للمعنى الواحد جملة من الالفاظ . .
( أنظر الى اسماء الجمل واعضائه ، واسماء السيف واجزائه والماء ومجاريه ، والصحارى وأنواعها ) فهل يعقل أن يقصر عن شأوهم أهل الحضارة المثقفون القادرون ، وبين أيديهم المخترعات تكثر يوما فيوما : كأنواع الطائرات والصواريخ والمحطات الفضائية والمراقب الفلكية ومختلف الموازين مما يفوق الحصر ، وما سيكشف يتخطى ما يفوق الحصر . .
نعم عجز مثقفو عصرنا عن وضع اعلام عربية فصيحة لكل ما جد من المخترعات . . ولكن تبعة العجز كما ذكرت مرارا . . لا تعود ولبن تعود الى تحجر فى قواعد اللغة ، أو ضيق فى أصولها ، او التواء فى طرقها ، أو ضباب في آفاقها ، أو ضآلة فى مادتها - عادلامت لا تزال تلك القواعد والاصول والمادة هى هى . كما كانت في الجاهلية - والعرب يومذاك أوهن خلق الله شأنا ، وأقل خلق الله علما -
. وانما تعود الى نفسيات معظم المثقفين العصريين الذين يستعملون اللغة العربية الفصحى فى كتاباتهم الخاصة أو العامة . اذ تشتمل على القلق والخوف والاهمال وعدم الحماسية لها ، وعدم المبالاة بها ، وعلى الضعف والتخلف والخنوع والنفعية . .
ولو كانوا أولى قوة وحماسة وتضحية من أجل لغتهم كما يفعل الغربيون من أجل لغاتهم لاستعملوا الالفاظ التى تضعها المجامع اللغوية ، أو علماء اللغة ، ولم يفرطوا فى كلمة واحدة منها ، واذا لم يجدوا كلمات موضوعة لما يريدون الكتابة عنه ، فليضعوا هم الكلمات التى يحتاجونها وليستعملوها بحزم ، وهذا الاستعمال هو الاساس فى القضاء على سيل الالفاظ الاجنبية التى تكاد تقضى على عروبة اللغة ، واساليبها الفصيحة الصحيحة فى عقر دارها ، لان عدم الاستعمال هو جريمة قتل : لا قتل فرد بل قتل أمة بأسرها . .
نعم رجال السلطة التنفيذية قادرون على أن يفرضوا على رجال الثقافة والتعليم والصحافة والادب والموظفين استعمال الالفاظ العربية الصحيحة . إذا كانت موضوعة ، ولكن هي لا تستطيع أن تضع الكلمات المطلوبة .
وهكذا تتبين أن التبعة تنصب على علماء اللغة والادب القادرين على اشتقاق الكلمات ، من قبل ان تنصب على رجال السلطة القادرين على فرض استعمال الكلمات الموضوعة من قبل رجال رسميين ، أو علماء معروفين ، اذمصيبة المصائب ، وداهية الدواهى في هى أن تنفق الدول العربية النفقات الطائلة على الجامع اللغوية التى تكلف بوضع الكلمات ثم تهمل تلك الكلمات بعد وضعها ، اهمالا بغيضا .
ومصيرنا الثقافي الاصيل متوقف عليها كل التوقف ، تهمل بدون حذر ولا مبالاة ولا شبه مبالاة ، كأن أمر اللغة الفصحى الجامعة لا يعنيهم بقاؤها أو زوالها . هذا كثير هذا كثير . . !!
