الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

خاصة لمجلة " المنهل" الزاهرة

Share

ان حقائق كثيرة ، ووثائق عديدة ، تكشفت في السنوات الاخيرة ، لها أثر كبير على كثير من الآراء والنظريات والقضايا التى كانت تعد في نظر الكثيرين من المسلمات فى مجال الفكر والثقافة والتاريخ ، مع أنها شبهات زائفة صيغت في صورة لامعة براقة خادعة فبدت كأنما هى حقائق ، واستمر خداعها زمنا طويلا ، و كان بعيد الأثر فى تحقيق أهداف التغريب والغزو الثقافي الرامية الى انتقاص قيمنا وزلزلة الثقة بمفاهيمنا وعقائدنا .

ومن شأن هذه الحقائق أن تدعونا إلى اعادة النظر من جديد في آفاق الفكر الاسلامي والثقافة العربية ، وموقفها من الفكر الوافد .

ومن اخطر ما تكشف في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية تلك المخططات الاستعمارية الصهيونية السرية الرامية الى تدمير المجتمعات الانسانية وخاصة المجتمع الاسلامى العربى عن طريق طرح عديد من النظريات والمذاهب الوثنية والمادية المتصلة بالنفس الانسانية والاخلاق والعقائد والتاريخ واللغة ومقارنات الأديان والتربية .

وقد قصدت هذه المخططات الى محاولة تغريب العرب والمسلمين وتفريغ الفكر الاسلامي العربى من مقوماته وقيمه واذابته في بوتقة الفكر العالمى الوثني المادى والعمل على اسقاط الفكر الاسلامى والقيم الاسلامية

واخراج المسلمين والعرب من قيمهم ومقدراتهم وتذويبهم في الآممية والعالمية .

وقد جرى ذلك عن طريق خلق دائرة براقة تحمل لواء ما يسمى بالحرية الفكرية والعصرية ، ثم عمدت هذه الدعوة الى اعلان شأن الماضى الفرعونى والأغريقي والجاهلى العربى واحياء الأساطير واعادة صياغة الوثنيات والفلسفات السريانية والمجوسية والباطنية واحاء عشروت وزيوس وباخوس . . الخ .

ثم عمدت هذه الخطة الى اخراج التاريخ الأسلامى وبطولاته من مفاهيمها العربية الاسلامية وذلك بالتشكيك فيها أو اخضاعها للمفهوم الماسوني الأغريقي الذي يختلف اختلافا واضحا مع مفهوم التوحيد الاسلامى .

ولم يقف الامر عند هذا ، بل ان هذه الخطة شملت طرح نظريات خطيرة في مجال العنصرية والأجناس وفي مجال علم الدين المقارن ، وفي مجال تزييف الاخلاق والقيم ومفاهيم الحضارة والتاريخ والادب .

وجرى ذلك كله من خلال نقطة انطلاق واحدة هي المادية التى ترفض الأديان والنبوات والرسالات السماوية وتدعو الى بعث الوثنات وأفكار الفوضوية والاباحية والالحاد .

ولقد وضعت هذا المخطط قوى كثيرة ،

هى الصهيونية والاستعمار والمادية وهي قوى كلها تجمع على العمل لسحق المسلمين والعرب والسيطرة على مقدراتهم وثرواتهم والحيلولة بينهم وبين امتلاك ارادتهم أو استعادة قوتهم وذاتيتهم .

وقد انطلقت هذه القوى من نقطة واحدة هى :

ازالة شخصية ( عالم العرب والاسلام)،  وتفريغ ذاتيته واذابته في الأممية العالمية ، واحتواء مفاهيمه وقيمه ، حتى يصبح تابعا ، ليس من جهة مقدراته وثرواته فحسب ، بل من خلال وجوده وكيانه وشخصيته .

ولقد جرى تنفيذ هذا المخطط منذ وقت بعيد ، وشاركت فيه القوى الاستعمارية والدولية والصهيونية ، واتخذت من التبشير ومعاهد الارساليات والمحافل الماسونية أداتها فقد انبث خريجو هذه المعاهد والمحافل فسيطروا على بعض وسائل الصحافة والثقافة والمدرسة واتخذوا منها في بعض الاقطار أداة قادرة على تغير فكر هذه الامة وتزييف مضامينه وبث الفلسفة الماسونية المادية التى تستهدف تدمير القيم والاخلاق والاديان بطرح عشرات من الشبهات والاشواك والأخطاء أمام المثقفين .

وقد استطاعت سموم هذه الشبهات أن تسرى في النفوس والعقول - آنذاك - لأن الاستعمار قد أفسح لها الطريق حين حطم

الحصانة النفسية والروحية التى كانت تحمى النفس العربية او الاسلامية من الغزو - حين ألغي دراسة الاسلام والعربية والقرآن من مناهج التعليم المفروضة والتى كانت جميعها أو أغلبها تدرس بلغة المستعمر الانكليزية في مصر والسودان وفلسطين والعراق ، والفرنسية في المغرب كله وسورية ولبنان .

فقد استطاعت قوي الاستعمار حين سيطرت على مناهج التعليم أن تفرغها من مفاهيم الاسلام الصحيحة ، وأن تباعد بين الشباب المتعلم ومنهج القرآن الفكرى والتربوى والاجتماعي ، ثم حولت مفهوم الاسلام الى مفهوم لاهوتى قاصر لا يمثل عظمة الاسلام الجامع ( دينا ونظام مجتمع)

ومن ثم دخلت الى مفاهيم الاسلام زيوف كثيرة ، واختلطت بمفاهيم الوثنية والمادية والأديان الوضعية غير السماوية ، التى خرجت عن التوحيد والفطرة .

لقد كان الاسلام في ذاته يحمل من الأصالة ما يجعل فكره متميزا عن فكر أى أمة أخرى ، هذه الأصالة التى استمدها من وحي السماء ورسالة النبوة وكلمات الله المنزلة .

ولقد كانت نقطة البدء في هذا المخطط كله كلمة واحدة : هي اخراج المسلمين والعرب مقومات فكرهم، هذه المقومات التي

أمدتهم في كل أزمة ولا تزال وستظل تمدهم بالقوة والصلابة والصمود في وجه كل غزو ، وازاء كل قوة خارجية .

وما دام المسلمون والعرب مستمسكين بمقومات فكرهم التى استمدوها من القرآن أساسا ، فان أى قوة غازية أو سيطرة تعجز- كما عجزت مرات على طوال التاريخ الاسلامي - عن ان تقف في وجههم ، وانهم اذا عادوا الى مصادرهم ومنابعهم فانهم سيكونون قادرين على الصمود في وجه أعتى قوى الارض ، ومواجهتها وسحقها .

ولذلك فان العمل الخطير - في تقدير حركة التغريب - هو تزييف هذه المقومات واشاعة الشبهات حولها ، ومسخها وضربها بمفاهيم أخرى على سبيل خلق الشكوك والريب ، وكذلك افساد المصادر نفسها بالأسرائيليات القديمة والجديدة ، وافساد القائمين على هذا الفكر بالتبعية والولاء والطموح الى المناصب والثراء ، وافساد من تلقي اليهم بتفريغ مناهجهم المدرسية من ( روح الاسلام )

ومن ثم يصبح ما يتبقى من مظاهر الاسلام كدين لاهوتى بدون قيمة حقيقية ولا قدرة له على التصحيح .

ومن ثم فهى لن تحمى هذه النفوس والعقول من أهواء المغريات التى يطرحها بريق الحضارة تحت الأضواء وحول النار:

نار الشهوات واللذات والمتع والمغريات مع سريان مذاهب الاباحة والالحاد ، وتشبع الثقافات بها ، وترويج القصص الجنسية لها .

ومن شأن وسائل الاغراء بالصورة العارية والكلمة المكشوفة ، أن تقدم في هذا المجال ما لا يدع للنفس العربية الاسلامية ولا للعقل العربي الاسلامى مجالا للبحث عن قيم الأخلاق والايمان والتوحيد ظنا منهم انها ستذوب كلها تحت ضربات معاول الهدم الصارمة .

ذلك هو لب المخطط الخطير الذى فرضته القوى الاستعمارية الصهيونية على عالم العرب والاسلام ، واستطاعت خلال خمسين عاما أن تغرقها فيه اغراقا في الوقت الذى زحفت قوى الغزو الصهيونى واستطاعت في غفلة مؤقتة أن تسيطر على فلسطين فالقدس .

وان أخطر ما يواجه العرب والمسلمين اليوم أنهم قد يتحركون من داخل دائرة الفكر الذي فرضه عليهم النفوذ التغريبي الخطير ، ولذلك فان أول علامات اليقظة والمقاومة هي التحرر من مقاييس التغريب ومذابه والمفاهيم التى حاول أن يفرضها- وهي زائفة أصلا - من أجل تدمير النفس العربية الاسلامية واحتواء العقل العربي الاسلامى .

ان أول علامات اليقظة أن نكتشف هذا المخطط وأن نعيد النظر في المفاهيم الخاطئة

والمصطلحات المنحرفة والشبهات المطروحة

ذلك ان أصالة الذاتية العربية الاسلامية الجذور ، الصلبة المؤمنة تتمثل في أنها لم تستسلم أبدا ، وأن هناك ضوءا كاشفا أخذ يدحض هذه الشبهات وهو ضوء قد امتد مع الزمن ولم يتوقف ولم ينقطع ، استيقظ قبل الغزو الاستعماري ، ولا تزال الاحداث توقظه وتمده بالقدرة على المقاومة ، ولقد كانت أزمة ١٩٦٧ واحتلال القدس عاملا هاما فى التفاته الى الحقيقة التى ليس بعدها حق ، التفاته الى المصادر الأصيلة لوجوده وكيانه وحياته ، فقد كشفت له الاحداث والتحارب أن بلسم جراحه ، وضياء روحه ،

لن يكون الا من داخله ، لن يصل اليه من مصدر آخر غير المصدر الاول ، الذي تشكل منه عندما بزغ ضوء الاسلام ، وان آية النصر ما زالت هي الاستمداد من المنابع الأصيلة ، وان أمة ما لن تستطيع أن تعود الى الحياة ،

ولا أن تصمد في وجه الغزاة الا اذا التمست الضياء من أعماقها ، من داخلها ، من كنزها المدخر ، الذي ان زهدت فيه حينا وتطلعت الى ما فى أيدى الآخرين ، فانها قد آمنت أخيرا ، بعد الصدمات والتضحيات أنه لا سل أمامها الا التماس المنابع الغنية والمصادر الثرة التى كونت الذاتية الاسلامية العربية وشكلتها أول مرة ، ووضعت لها مقومات حينها وقوتها وانبعاثها مرة أخرى كلما ألمت

بها الأحداث وادلهمت حولها الخطوب .

ان المصدر الحقيقي هو القرآن ونقطة البدء هي التوحيد وفي هذا الضوء ننظر في هذه الشبهات التى طرحها التغريب ونعيد النظر في هذه القضايا والنظريات .

ونحن نذكر هنا جيدا كيف قام كفاح المسلمين فلم يتوقف لتحرير الفكر الاسلامى من هيمنة الثقافة والعقلية التى سلطها عليه الفرس واليونان والهنود ، كان ايمانهم بابتعاث شخصيتهم الاسلامية العربية ، والحيلولة دون أن تذوب وتتلاشى هو مصدر كل نصر وقوة وحياة .

ان المحاولات الدائبة لاخراجنا من اطار فكرنا الاسلامى العربى لم تتوقف منذ أكثر من خمسين عاما ، وهى تتشكل كل يوم في صورة أو أخرى ، حمل لواءها الاستعمار والتبشير والاستشراق والشعوبية والتغريب والغزو الثقافي ، وحاولت انتهاز كل نكبة أو نكسة لتجدد دعوتها المسمومة ، التى تحاول أن تلقي أمتنا في تيه مظلم لا ضياء معه ولا نور حين تدعونا الى أن نتحرر من كل المقدسات والقيم وأن تتخلص من الماضى كله ، وأن تزدرى العقائد ومقاهيم الأديان السماوية ، وتعمل على دفع النفس العربية الاسلامية عن الخروج عن ذاتيتها ومزاجها النفسى بخروجها عن الاخلاق والايمان

ولقد جرت منذ نكبة ١٩٦٧ م اقلام كثيرة بكلمات ماكرة ، تبعث اليأس وتدعو الى الخروج من القيم والاديان وتزدرى التاريخ والتراث والشريعة واللغة ، وهي دعوات باطلة لأنها تصدر ممن لا يؤمنون بهذه الامة ولا يريدون لها الخير .

ولقد طرحت هذه الدعوات أفكارا ومذاهب وآراء أثارت الشبهات في صدور شبابنا وعقولهم ، فحق لأداة التصحيح أن تظهر ضياء الحقيقة ، وأصبح ضروريا ان تحرر القيم وتصحح المفاهيم وتكشف البواعث والغايات التى تكمن وراء هذه الشبهات المسمومة .

ان الهدف هو ( تغريب الفكر الاسلامي)  ووضعه في قيود الوثنية والمادية والالحاد والاباحة .

ولكن الفكر الاسلامي صاحب الأصالة المستمدة من جوهره الناصع القرآنى ، ومن ماضيه الطويل وجذوره العميقة الثابتة ، قادر على أن يدفع عن نفسه هذه الموجة الطاغية كما دفع الموجات المتوالية السابقة وانتصر عليها ، ذلك لأنه يستمد معينه من التوحيد ومن الحق ومن الفطرة ، من القرآن ، الذي يفرق بين الحق والباطل والذي نزل للانسانية هاديا من حيرتها ، فقد جاء القرآن تصحيحا لكل المفاهيم والمذاهب . "

السماوية الحقة ، على أيدى رسل الله ، فكشف عن كل عوامل التحريف ووضع لنا القواعد التى لا تبلى في مواجهة أخطار التغريب والتزييف .

لقد أقام الاسلام عالما من الحق والايمان في مواجهة عالم الباطل ، فحق عليه أن يجالد أخطار الوثنية والالحاد ، ولا يتوقف عن المجالدة على مدى الزمن صامدا قادرا مستمدا أسانيده وحججه من ذلك المعين الصادق الفياض .

لقد جاء الاسلام بعد أن تشكلت الوثنيه المادية فلسفة ومناهج ومذاهب فكشف عنها القرآن وزيفها وأبان وجه الحق فيها ، وما تزال موجة الوثنية تقوم في غيبة الحق وتعلو وتنشر جناحها ، ثم يجيء المصلحون الأبرار

من علماء المسلمين فيكشفون الزيف ويردون الحق الى نصابه .

ونحن الآن نعيش موجة ضارية من هذه الموجات استطاعت ان تلبس لباس العلم والفلسفة ، وأن تقيم باطلها على أساليب براقة خادعة في عالم اضطربت مقاييسه ونظمه ،

فحق على المسلمين ، وفرض عليهم ان يتقدموا يحملون مشعل التوحيد والايمان لتحرير المفاهيم وتصحيح الآراء ، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ويتم الله نوره ويعلى عالمه ويدل عالم الوثنية المادية .

واذا بدا أن المادية الوثنية مسيطرة اليوم فانما هي جولة من جولات الباطل ثم ينكشف الحق واضحا ، والحق ظاهرا .

(ويريد الله أن يحق الحق بكلماته) .

اشترك في نشرتنا البريدية