الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

خاص بالمنهل, خمسة عشر عاما فى جدة

Share

"يحدثنا اليوم المستر قارى أوين أحد المعجبين بجدة المغرمين بها بدليل وجوده فيها هذه المدة الطويلة مفضلا إياها حتى على الظهران . . وهو أ حد الذين يعتزون بصداقتهم لكثير من الناس الذين عرفهم وعرفوه ، وكذلك هو أحد كبار رجال أرامكو ، وقد طلبت إليه حديثا " للمنهل العذب " بناء على رغبة الاستاذ عبد القدوس الانصارى . . فكتب للمنهل ما أملاه عليه ضميره " . .

اذا كانت أعمار الأمم تقاس بالأعمال لا بالسنين . فاننى أريد أن استعرض بمقالى هذا ما رأيت وما عاصرت من أعمال جرت على مسرح هذه البلاد فى خلال فترة الخمسة عشر عاما التى مكثت فيها فى هذه البلاد الكريمة . . ويسرنى أن أختار التحدث عن المنطقة الغربية منها . . ذلك أننى قضيت معظم هذه المدة في هذه المنطقة من البلاد . . ولو أرادت البلاد البدائية أن تسير تدريجيا في سلم الحضارة لما استطعنا أن نصل إلى ما نشاهده الآن فى هذه البلاد إلا بعد أجيال                                                          وأجيال . . ولكن المؤرخ المنصف لابد

له من أن يسجل أن البلاد كانت تقفز قفزا حتى تيسر لها . . ان تصل الى ما وصلت اليه الآن . . وإذا عدنا لقراءة ما كتبه المؤرخون ولو من مدة وجيزة عن جدة مثلا لعجبنا وضحكنا مما كتبوه ولاعتقدنا أن ما كتبوه عن جدة لم يكن إلا في عهود القرون الوسطى الغابرة السحيقة فى سجل التاريخ . .

فجغرافية جدة التى كانت لا تتجاوز عدد أصابع اليد من الأميال المربعة مساحة تراها تجاوزت اليوم كل تقدير . . انها تمتد شمالا باتجاه المدينة وباتجاه مكة وبكل اتجاه عشرات

وعشرات الاميال . . واذا كان الخبراء يقدرون عدد السكان منذ عشر سنوات بخمسة وثلاثين ألفا فانهم يقدرونهم اليوم بثلائمائة وخمسين الى نصف مليون . . ولا يزيد عدد سكان بلاد ما عادة إلا عندما تتوفر أسباب الحياة . فالناس عادة يهرعون من القرى والدساكر الى المدن التى تتضخم فيها الاعمال ويستتبع ذلك تدافع الايدى العاملة وأصحاب المصالح والباحثين

عن الرزق لأن يتجهوا نحو هذه البلاد التى اخذت الحياة والانتعاش يدبان في شرايـينها والانسان عبد للجاجة . . إذا مسته بنابـها صبر عليها واحتال بكل مواهبه الى أن يقهرها . . وتصبح احدى وسائله . . فهو يحتاج الآلة . . ويعيش بائسا بدونها . . ويحتال على اقتنائها بأي ثمن . . فهو إما يشتريها أو يصنعها . . فيركبها ويستثمرها لاغراضه . .

ولقد كان لابد من أن تنتقل بعض الصناعات لهذه البلاد . . فأخذ سراة التجارة وأرباب الصناعة والمهن يجوبون أقطار الأرض بحثا عن مصانع ينقلونها الى بلادهم تيسر للمواطن عمله وتخفف عن كاهله تكاليف باهظة باستيرادها من الخارج وتقهر عامل الزمن الذي كان الانتظار الطويل سببا في الخسارة المادية واضاعة الوقت هدرا . . وعلى ذلك لابد ان نفخر كمخلصين يريدون للبلاد الخير والتقدم حين نرى معامل ادوات البناء متوفرة في البلد الآن وفي الوقت الذي لم نكن نشاهد بناء واحدا بالأسمنت المسلح منذ عشر

سنوات ترانا نشاهد اليوم بيوتا لا تقل روعة وجمالا وتنسيقا عن أجمل بيوت مصر أو  أوروبا . . كما نشاهد اليوم معامل مختلفة في البلد لصنع بعض ادوات السيارات على اختلاف انواعها . . وكذلك اسطوانات الاوكسجين . . وكذلك صنع بعض أدوات الطائرات . .

وانتقل الناس الى تيسيرات الحياة . لنقلها الى البيوت لتخفيف وطأة الحر والتغلب على قسوة الجو في هذه البلاد . . فأدخلوا المكيفات الى البيوت وفي هذا فائدة مضاعفة الانتاج وزيادة الراحة والنشاط والاقبال على العمل . . وبينما كانت المكيفات من الكماليات أصبحت ضرورة من ضرورات الانتاج الوطني في الحياة العامة . . وازدهرت الاسواق . . وامتلأت بكل متطلبات الانسان . . وحل المطبخ

الكهربائي محل بريموس الكاز ٠٠ والغسالة الكهربائية محل الغسل باليد . . والسخانة الكهربائية محل الفحم . . وأخيرًا . . بل أولا . . الاضواء الكهربائية محل الأتريك والفانوس . . فكانت الكهرباء ولاشك هى العامل الرئيسى والاول فى تطور الحياة إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن من حضارة وتقدم . .

ولا يمكننا تجاهل الماء . . . الذي يسير والكهرباء على قدم المساواة بالتقدم بالامة الى المستوى اللائق بها بين  أمم الأرض . . وبينما كنا نشترى صفيحة ماء (الكنداسة ) في أوقات أزمات الماء في بعض المواسم المعينة بريال وأحيانا بأكثر أصبح الماء ميسورا وبكثرة ووفرة ويمد بالأنابيب الى

البيوت وبعد ان كنا لا نرى اكثر من شجرتين أو ثلاثة بجدة أصبحنا نرى عشرات الألوف من الأشجار فى كافة أنحاء جدة . . بل وتحيط الحدائق والأزهار والأعشاب والأشجار المثمرة مئات وألوف البيوت . .

ولا بد لنا من أن نشيد بالعلم الذى كان له فضل كبير فى هذا التطور السريع . . فازدياد نسبة المدارس في المدن والقرى وازدياد نسبة المتعلمين والمبتعثين في شتى العلوم والفنون . . واخيرا هدية جلالة الملك قصوره لشعبه . . مما كان له أكبر الأثر في زيادة الاقبال على العلم والانتفاع بزاده . . كل هذه العوامل تعتبر من دعائم هذه النهضة التى نشاهد اطراد ازدهارها يوما عن يوم . .

ويستتبع ذلك ، أو بالاحرى يتمشى معه جنبا الى جنب الاهتمام بالناحية الصحية . . فهنالك فى طول البلاد وعرضها الآن مستشفيات بنيت . . وأخرى فى طريق بنائها . . وهى جميعها تيسر لابن المدينة والقرية . . وابن البادية . . العيش الصحى النظيف البعيد عن الامراض المستعصية والمتفشية . . والتي ستأخذ فى الاختفاء من عالم هذه الجزيرة كلما ازدادت العناية الصحية وأخذت سبيلها الى الطفل ساعة ولادته وإلى الشاب وقت اكتمال رجولته والى الشيخ وقت عجزه وضعفه واشتداد وطأة الزمن عليه .

لا شك أن هذه اللمحة العابرة عن جدة تعطينا فكرة واضحة عما يجرى فى كافة أنحاء البلاد من اصلاح وتطور ونهوض . . وهذه الصورة الحية السريعة التى يسمح لنا بها نطاق هذه المجلة الغراء انما هى نقطة من بحر ما يجرى حقا وصدقا فى هذه البلاد من اصلاحات يحتاج المؤرخ المدقق الى سجل ضخم ليستطيع ان يحوى بين دفتيه مفاخر وأمجاد هذه الأمة وهذه الحكومة المتعاونين معا للوصول الى الآمال المنشودة من العزة والمنعة والسؤدد والمجد . .

واذا كنا سنعرج على الزيت فى ختام هذه الكلمة لا بد لنا أن نذكر أنه شريان هام حيوى كان ولا يزال مدار رحى كل تطور وحضارة بين الأمم . . وإننا فخر بجدة بمصنع الصفيح الذى هو أثر من آثار الزيت . والذى كان واسطة لنقل احد منتجات الزيت الى كافة الأقطار والأمصار فى المنطقة الغربية من البلاد . . واننا لنشعر شعورا صميميا أن علاقاتنا بكل من نعمل معهم كانت متميزة دائما بحسن النية والرغبة الصادقة التى كانت لنا خير معوان على أن نسير قدما متشابكى الأيدى فى مجال الانتاج والتفاهم . .

حقق الله الآمال وحيا الله هذا الملك الساهر على مصلحة شعبه وتقدم بلاده . .

اشترك في نشرتنا البريدية