لست أدرى هل تتضايق مثلي كلما حدثوك عن شاعر فاكتفوا قولا بأن حياته ليست حياتنا المعهودة ، وان تأمله فى الوجود يرتفع به احيانا الى حيث لا ندركه فإذا الذى يقوله عين الصدق والعمق واذا بك تنظر الى اللفظة من كل وجه وجانب وتضيف اليها مما تملك أغزر المعاني حتى تخلق ما تدرى من حيث لا تدرى ثم أنت تهب الغير ما أنتجت وتشتريه بالاجلال والتقدير .
لاجل هذا كان أبسط شاعر من فسر شعره لانه يوقف ركب العاملين لصالحه ، ويعطل الخلق عندهم ، فتجمد الالفاظ حيث وضعها ولا تتسع الى ما كان بالامكان الاتساع اليه لو أطلقها تسعى . لان ألفاظ الشعراء كتلك الحبة الصغيرة من الثلج تتعاظم كلما طالت مسافة سيرها فوق جبل من جيد . وهذا ما يجعلهم يميلون الى لون من الغموض يتهافت على سبر غوره الناقد فإذا به الدفائن وما لم تأت به الاوائل .
ولقد يباغتك من تسأله التوضيح منهم فيكتفى بهز الكتفين أو تقطيب الحاجبين ، لا لشىء الا لانه يخشى أن يجرد هذا الغموض مما أحطته أنت به من تأويلات وافتراضات .
ان هذا ليدركه كل من انتبه الى رأى الكثيرين من نقاد الشعر ، أولئك الذين يكاد الواحد منهم يضع الكلمة فى مخبار لا ينصهر . ثم هو بعد التحليل والتعليل يستنتج مالا صلة له بالواقع ، ولقد سألت " شاعرا " عن سر علاقته بهذه التى قال عنها ناقد عندنا شهير انها الشعاع الوحيد الذى يستمد منه البصر وسط حياته المظلمة وانها لابد أن تكون ذات أثر بعيد في حياته الملاى بأعمق التجارب
الإنسانية وابعدها ، أجابني في شيء من بساطة - وهو شاب لم يجرب غير تفاعل الحديد مع الحموض - : الحق انني ما احببت يوما . ولكني وجدت نفسى مضطرا لان أقول شعرا فى موضوع كهذا ، فما وجدت عسرا فى أن أخلق ليلاى . ثم انى لا أخفى عنك اننى - وانا أصفها - ما اهتجت ولا عشت الحالة وانما هى مجرد ألفاظ أسوقها فتجذب الواحدة الاخرى فى شىء من تلاؤم وانسجام . وكثيرا ما لا أشعر بالجملة الا وقد انفصلت عنى تماما دون سابق علم ، فأجد العسر فى تهذيبها ان لم ترضى حالها .
ان قولا كهذا يؤكد لى ولك أن دربة الشاعر اللغوية تجعل بعض ألفاظه سابقة لمعانيه . وبالتالى فهو لا يعى بعض ما يقول . هو يرهف سمعه لموسيقى شعره فتغمره النشوة التى لا يقدر معها على أن يتخلص من لحظته النفسية ليشرف على الوجود اشرافا يمكنه من التعمق والنظر البعيد الشامل .
لهذا كله كان أول خطإ يرتكبه ناقد الشعر ان يضني نفسه في البحث عن المعانى وكأنها كل ما فى القصيد ، اذ هو غالبا ما يجدها ضئيلة هزيلة فيسىء الظن بنفسه ، وينفخ فيها من روحه . وان عهد الدراسة ليذكرني بأستاذين كان أحدهما لا يرى بأسا من أن نعمض أعيننا ونستتمع اليه يلقى القصيد حتى اذا ما انتهى منه اكتفى قولا : تذوقوا . هذا شعر لا يفسر . افرضوا انفسكم امام قطعة موسيقية عذبة تمتلىء بها نفوسكم وكفى . اما ثانيهما فقد استنتج من بيت لطرفه أن عنق ناقته طويل جدا .
وان عدم تعرضى إلى أمثلة مدققة ايمان منى بأنها ميسرة لديك . اما لم خص الشعر بما ذكرت ، فذاك لان شعورى بهذه " الخواطر " يزداد اتضاحا وتركزا كلما كنت معه وجها لوجه .

