حمص - سورية
لا يكاد شهر من اشهر رمضان المباركة على طول السنين والاعوام يأتى الا وأتذكر فيه خالتى " مبروكة " .
و " مبروكة " ليست خالتى تماما ، ولكنها كانت خالة جميع الناس الذين أحبوها .
كانت تسكن فى منزل قديم فى آخر الحارة ، قرب مصلى أبى الهول .
ولم أكن أعرف - عندما كنت حدثا - اى شئ عن أبى الهول ، لكننى عرفت فيما بعد انه كان رجلا من رجال الله ، زاهدا فى الدنيا متعلقا فى الآخرة بقلبه وروحه ، تقيا ورعا ، يساعد الفقراء وتهفو نفسه لمساعدة المحرومين ، يخدم الايتام ويعطف على الارامل ، ويحمل للبيوت الفقيرة والبعيدة اوعية الماء ، حيث لم تكن يومها تصل المياه الى كل تلك البيوت
وفضلا عن كل هذا فقد كان " أبو الهول " ضليعا فى علوم الدين ، متفقها فى أصول الحديث ، وكان له تلاميذ يجتمعون اليه كل ليلة يسألونه فى أمر من أمور الدين فيجلس اليهم الساعات والساعات ، يشرح دون ملل ويتلقى الاسئلة ولا يترك احدا دون جواب بعد اقتناع .
حتى اذا ما انقضت الايام والاعوام وانتقل الشيخ " أبو الهول " الى جوار ربه ، أقام له أهل الحى فى مكان منزله مصلى ، وتبرع كل واحد بجزء من متاع المصلى حتى صار يعرف المكان بمصلى أبى الهول " ، وعرف الحي بكامله بحى " أبى الهول " .
ولم أكن أعرف من قبل اسم حى " أبى الهول " القديم . . منهم من قال كان الحى يسمى بحى الاربعين ، والاربعون هم الشهداء الذين استشهدوا
ولا احد يعرف متى او اين . . منهم من قال فى زمن العثمانيين ، ومنهم من قال بل قبل . . وآخرون يظنون ان اسم الاربعين لم يكن الا دعابة ونسبة للاربعين حرامي في القصة الشعبية المعروفة بعلى بابا والأربعين حرامي
ومهما يكن من امر ، فالحى يعرف الآن ومنذ وقت قصير بحى أبى الهول " نسبة " لأبى الهول " الرجل الانسان والتقى الورع
اما خالتى " مبروكة " فكان منزلها بالقرب من المصلى ، وجدار منزلها القديم يلامس جدار المصلي تماما ، ويكاد يكون جزءا ممتدا منه .
كان أمر المصلي طبيعيا بالنسبة لها ، اما في شهر رمضان فقد كان الامر يختلف عندها اختلافا كبيرا .
فقد كانت تذهب الى المصلى قبيل ايام من حلول شهر رمضان ، وتنشط فى عملية الغسل والتنظيف وما الى ذلك
تغسل الجدران وتمسح الارض وتخرج البسط والسجاد والارائك الى صحن المصلى ولا تترك ذرة تراب واحدة تعشعش فى زاوية من الزوايا
حتى اذا كان اول ايام شهر رمضان المبارك ، زحف الناس الى المصلى وامضوا فيه جل ساعات النهار يقرأون القرآن ويسبحون باسم الله العظيم ويصلون
اما فى الليل وبعد العشاء ، فقد كان المصلى يشهد اروع الليالي واصدقها واصفاها ، فبعد صلاة التراويح تحضر جوقة الانشاد وعلى رأسها الشيخ الضرير " أبو محسن النورى " وتظل الفرقة تنشد حتى الامساك ، وبعد ذلك ينصرف الجميع وتهدأ الحركة فى المصلى تماما ولا تعود هناك حركة لقدم ، عندها فقط تبدأ خالتى " مبروكة " فى العمل .
تنظف المكان وتشطف الارض وصحن الفناء وترش ماء الزهر فوق الارائك وتكثر من الرش عند الضريح
وكان كل سكان الحي يعرف ان خالتى " مبروكة " انسانة فقيرة معدمة
فهي تعيش فى منزلها القديم وحيدة لا أنيس لها ولا رفيق . . وكان كل أهل الحى يتصدقون عليها بالطعام والمال والكساء
وكانت النسوة تتسارع الى دعوة خالتى " مبروكة " ، فكانت تحضر الى كل منزل ليلة ، من ليالي رمضان . . وكانت تتعشى مع الاسرة المغتبطة بمقدمها ، وبعد العشاء كانت تتأبط صرة كبيرة تحوى من اطايب الطعام للسحور .
وفى يوم من أيام رمضان ، ومنذ سنوات بعيدة وكنت ما ازال حديث السن ، قالت لى أمي
- اذهب الى خالة " مبروكة " وذكرها بأنها مدعوة للعشاء عندنا الليلة فذهبت واحضرتها معى
وكانت فرحتنا بخالتى " مبروكة " لا توصف و لا تحد ، جلست خالتى مبروكة " عند الشباك الخارجى المطل على الحي . وراحت ترقب الناس وهم فى حماس آخر النهار ، يسرعون ويتزاحمون لانهاء أمورهم قبل ان يدركهم أذان المغرب وساعة الافطار
كانت خالتى " مبروكة " تراقب هؤلاء جميعا . . وكانت البسمة ترتسم على وجهها الدقيق النحيل باتقان رائع . لم تكن تنطق بحرف واحد ، ولولا عيناها اللتان تتابعان الناس بحركاتهم المتباينة لظننت انها تمثال قد من حجر
لم يكن قد بقى على أذان المغرب سوى لحظات قصيرة . . خفت الحركة في الحى وتباطات وتباعدت الاقدام ، اللهم الا حركة ضئيلة كانت تنبعث من فرن الحاج " محروس " عند آخر المنعطف . . بعض الاولاد يحملون صواني اللحم أو الخبز أو السمك ويسرعون لئلا يفوتهم الأذان وهم متأخرون
كانت مائدتنا قد تجهزت تماما ، وكانت عادة والدى ان نجلس كلنا قرب المائدة ننظر الى الطعام ونحن نقرأ وراءه بعض آيات القرآن ، وكان يقول : - ان فى هذا الثواب الكبير
خرجت والدتي الى خالتى " مبروكة " لتناديها من جلستها الطويلة عند الشباك ، فلم تجدها . بحثت عنها فى كل اركان الدار فلم تعثر عليها .
فانطلقت تنادينا انا واخوتى ان نخرج لنبحث عنها فى الحارة او فى منزلها .
كل منا ذهب فى اتجاه ، وكل واحد كان يبغى ان يعثر عليها قبل أخيه ليفوز بفرحة الجميع
لكننا عدنا إلى الدار بعد العشاء دون ان نهتدى اليها
وجلسنا تلك الليلة ونحن فى عجب من امرها ، ترى اين ذهبت . . ولماذا لم تخبرنا بذهابها ؟ .
واخذنا نتناول العشاء وكأننا فى ماتم ، وان هى الا لحظات حتى سمعنا طرقا متواصلا على الباب ، فانطلقنا كلنا معا نفتح للطارق الباب
كانت خالتى " مبروكة " وراء الباب ، تقف صامتة وقد رسمت دمعتان حارتان خطا على وجنتيها
امتدت اليها يد أمي ، لكن خالتى " مبروكة " انزوت بأمي وهمست فى اذنها طويلا ، فانطلقت أمي تسرع الى صحون وأوعية الطعام المرصوصة على المائدة وتضعها كلها فى صرة كبيرة وتناولها لخالتى " مبروكة " . . التى ما ان صارت خارج الباب حتى اطلقت ساقيها للريح واختفت مع الظلام
عدنا الى أمى نسألها فى الحاح - ما امر خالتنا " مبروكة " . . ولماذا لم تبق فتتعشى معنا . . فقالت أمي تسكت فينا كل سؤال
. - عندما كانت خالة " مبروكة " ترقب الناس من الشباك ، شاهدت صبيا صغيرا يخرج من فرن الحاج محروس وهو يحمل صينية من اللحم . ما كاد الصبى يمشى خطوات حتى تعثرت قدمه ، فوقع على الارض وتناثرت
الصينية بما فيها ، فوقف الصبى يبكى ، واخيرا حمل الصينية فارغة ومشى و وادركت الخالة " مبروكة " ، ان اهل هذا الصبى سيبيتون الليلة دون عشاء ، فتركت مكانها عند الشباك وانطلقت وراء الصبى لتتعرف على منزله
عندئذ عادت الينا مسرعة تسألني ان تحمل الطعام الى ذلك البيت الذي حرم من عشاء الليلة
تلك كانت خالتى " مبروكة " . . الانسانة التى لا يمكن ان انساها ما حييت ، وتبقى ذكراها حية فى خاطرى . . حتى إذا ما حل شهر رمضان من كل عام ، اتخيلها بقامتها النحيلة ووجهها الضئيل تعمل فى مصلى " أبي الهول " تنظيفا وترتيبا ، ترش الارض والارائك بماء الزهر وتكثر منه عند الضريح ، ويقبل يديها النحيلتين كل اولاد الحى وهم يرددون
- الدعاء يا خالتى " مبروكة " . . الدعاء . وأتخيلها كذلك وهى تقول بكلمات هى أقرب الى الصمت - اسعدكم الله يا اولادى . . اسعدكم الله وابقاكم لمثل هذه الايام المباركة .

