الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

خبر، اعلان ضياع

Share

حدث ابو السرائر قال :

فتنت بها وكنت فتى جموحا لا أستقر بأرض حتى أسأمها واتوق للرحيل فتنت بها عشقا كعشق الاشجار تتناجى فى الافق صامتة يائسة . كنت لم أعرف بعد أخلاق النساء ولا قوانين الكون ، أسيرا لجهلى فلم يكن لى من الحكمة غير ما علمنيه شيوخ الحى وبعض النكبات .

كانت تسعى كل ضحى بين بيت والديها وبيت اهل لها فى الضواحي تمشى كانما تترفق بالارض شفقة وحنانا فلا تقع الا كوقع الهواء ولا تتحرك  الا كالطيف ، فازددت شغا بهذا الحسن وقلت الشعر عجزا وتعويضا عن  عجز .

ولم يكن يعجب بشعري في البنت سوى رجل اعمى يقال له أبو عمر السقاء .

تداولتنى الايام فأيفعت وأينعت هي فأصبح لجسدها عبير كعبير التفاح واتقدت نظراتها بما يضارع نور الفجر ألقا وانبجاس حياة .

وكنت أقول لأبى عمر السقاء : حياك الله ابا عمر ، اننى عاشق فكيف ترى الخلاص :

فيقول الرجل : انا وانت من طينة الصبر واللعنة ، فتعال نضرب فى الارض بحثا عن لرحمة . ان معشوقتك لمن سراة القوم ، عزة وجاه ومال وضلال وانت شاعر لا تملك من دنياك الا الكلمات تقدها قدا عجيبا ، وانا لا املك الا اطلال ايامي . فتعال تعال نطلب المعنى والمتعة فى التجوال .

وكان ذلك أمره معى حتى طاب لى معه الرحيل فارتحلنا

حللنا فى عشى اليوم الاول بارض جرداء بلقع ليس فيها من علامات الحي الا اصوات الطيور الكاسرة . فملنا الى حرش من الاحراش نصب به مأوى قال أبو عمر :

انها المفاوز والبيد تانس لها قلوبنا لشبه بيننا وبينها . فنحن فى جوهرنا اصقاع من الارض مهجورة مجهولة وليس اشق على النفس من اكتساحها واكتشافها فتلك المخاطرة الحق وما عداها قصور ونسيان

اكلنا وشربنا من زادنا ما سد رمقينا وجاء الليل أغبش ساكنا رهيبا موحيا بالفزع وشىء كالحلم فى اليقظة فأسندت رأسى الى ذراع ابى عمر السقاء وقلت له كما يتحدث المرء الى نفسه :

ما الناس ؟ قال : مرض عضال اصاب قشرة الارض وكانت من قبل كوكبا سليما قلت : ما الحياة ؟ قال : نشدان المطلق نسعى اليه فلا نبلغه قلت ما الموت والحياة معا ؟ قال الصوت والصدى

وعلمت فى رحيلى من بعض تجار القوافل ان معشوقتى فرت من بيت  أهلها مع فتى يهودى يحترف الغناء . كما اعلموني ان القاضى اباح دمهما وحكم برجمهما لكنه لم يظفر به او بها .

واصل ابو السرائر حديثه فقال كانت عشرتى مع ابى عمر السقاء صفو الدهر ، نعيما وانسا ، فنشأت على مودته كما اعتاد هو تهذيبى ورعايتى ، وذات يوم قال لى :

انظر طيور البحر ، فهي طليقة ، تسعى لرزقها وتغنى ، لا تملك اعشاشا ثابتة فهى غير مشدودة الى الارض بشئ

قلت ما أشقاها .

قال بل ما ارغد عيشها ، هي حرة لانها لم تجن بحب التملك ولم تصنع  لها مستقرا فى الارض اليابسة حتى تخشى ان يفتك منها او يضيع . الحرية المطلقة يا ولدى هى ان لا نملك شيئا ، وماساتنا الكبرى ان نسعى نحو   العبودية باقدامنا خطوة خطوة نستلذها فتصبح قدرنا الاوحد

قال أبو السرائر : عدت مع أبى عمر بعد غربة عامين الى وطني ، فوجدنا ثلاثة هياكل بشرية مريعة ، احدها لرضيع ، كانت الكلاب تنهشها والدود يعلوها اردت ان  اواريها التراب سترا لها واحتراما لمن كرم الله ، فمنمعنى بعض العسس  واخبرتنى امراة ان هذه الهياكل هي كل ما تبقى من جثمان معشوقتى والفتى  اليهودى وطفلة انجباها فى المفاوز البعيدة ، قتلهم الناس فى الشتاء الماضى وأبوا دفنهم . . .

ولما علم أبو عمر السقاء مثلما علمت بالذى حدث قال : ما أشد بؤسك يا ابا السرائر ، تقبل على الحياة شاعرا بريئا لم تدنسك حقائق الكون ، فاذا بك فى صميم اللعبة طيرا كسير الجناح ما اشد بؤسك  وما اشفقني عليك .

اما بقية الخبر فرواها ابو عمر قال : بكى الفتى وبكيت من الهلع والحزن ثم نظر إلى الطريق الطويلة الممتدة فى الصحراء وهمس فى اذني يا أبا عمر ما العدل ؟

أجبت : هو السراب ، نطلبه فلا ندركه ، رواه فى الوهم وعطش فى الحقيقة .

صدر فى جريدة تلك المدينة خبر هذا نصه :

اعلان ضياع

يعلم المسمى أبو عبد الله عن ضياع ابنه المسمى ابى السرائر ، وقد غادر منزل والديه منذ زمن طويل مرتديا سروالا أزرق وقميصا من نفس اللون الرجاء ممن يعثر عليه ان يخبر اقرب مركز للشرطة والله لا يضيع أجر المحسنين .

اشترك في نشرتنا البريدية