الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

خبر، حريق فى مدينة ابى نصر الفارابي

Share

هى هادئة هدوء المقبرة وساكنة سكون الموت . لا حركة .  كان ذلك عندما استقبلت صباح حضارتها . بين الفجور والتقوى .  منحتها الطبيعة من السنوات العجاف ما حرمها برد السقيا  ونعماها ، ووهبتها الخلاء في عز الربيع . لا فاكهة وأبا ولا  خصب في أرحام الارض . فهى عاقر جحود .

روى عن الكاهن الهندى راماى جواهر آل يلدز قوله : " عندما دخلت مدينة أبى نصر ، أخذتني وحشة ورهبة كأني آجتاز معبدا حراما . فكأن خراب بيوتها واندثار معالمها موصول بخراب النفوس واندثار الروح . هندستها تشويه لقداسة الكون فى جلال توالده . فالعالم رحب رحب دون أسوارها وهى كالرئة السقيمة ضيقا وتسويسا ."

قال الكاهن الهندى :  " ... وهكذا انعدمت الطفولة وغار الينبوع الوحيد وظمئ القوم ، وأقمت بالمدينة ليلة نالنى بها أرق وأحسست باغتراب ، وعهدى بكل بلاد الله لي وطن ومستقر . وعند مطلع الفجر غادرتها والناس نيام ... "

قال أبو نصر الفارابي :  " لقد أسستها على الفضيلة والمعرفة . فالفضيلة دون معرفة مغبة والمعرفة دون فضيلة جهل . وما ترون من خراب ليس من

فعلى أو تفكيري إنما فشل البناؤون . وما من مجتمع فاضل إلا برئيس فاضل ."

قال الراوى وكان من حاشية سيف الدولة والمقربين إلى مجالسه :  " لما زار أبو مسعدة بيت أبي نصر ، لقى من إهانة أم عبيدة ما أخرجه عن طوره . فكان أن سألها عن حالها .  قالت : " جائعة محرومة ، كحال سائر أفراد القوم . لكنكم  تنقلون للأمير خاطئ الاخبار ومنحرف الانباء . تقولون له  الرعية بخير تنعم بخيركم وتبارك سعيكم وتلهج بذكركم ونحن كقطيع بلا راع . كل شاة فى طريق . أعوذ بالله منك يا أبا  مسعدة ومن حاشية الامير . "

حدث احد شعراء سيف الدولة وقد أهملت كتب التاريخ آسمه قال :

" عندما دخل ابو نصر على الامير قال له : إن أمر الرعية اصبح موكولا للجوارى والخصيان والاشباه . فأصلح فساد مدينتك واحكم بالعدل اصلحك الله تعالى وجعلك نبراسا للاسلام ..."

قال ابو نصر الفارابي في ساعة من ساعات يقظته ووعيه :  " انا برئ من هذه المدينة ... انا برئ من هذه المدينة ... "

وقالت له آم عبيدة وهى خادمة قائمة بشؤونه :  " يا آبا نصر أنت حكيم وبائس وأنا جاهلة وبائسة ... فما قيمة الحكمة وما فضل العلم والسعادة لا تدرك كهذا السراب .. "

وبات الفارابي ليلته تلك محموما يهذي .

كانت المدينة خرابا بلقعا . شمسها باردة لا تقوى آسوارها خرافية . حدث (بودربالة)  مجنونها قال بلهجة المدينة :

" هي جبانة أمواتها يمشون وقبورها متفاوتة الاحجام فيها كوى وابواب : امواتها يتناسلون . آه ما أغبن العقلاء وما أحط همة أولى الحجى . "

قال المجنون وهو يفر كالحمر المستنفرة فرت من قسورة :  " هى الذبذبة بين الشك واليقين ... هي الضلال . فما استطاع العيش فيها من آحل الحلال وحرم الحرام . ولذلك كشفت ما ستر الناس من عورة ورقصت في الشارع . حتى قالت العرب :  "والله إنه لمجنون ... "

قا أبو هارون وكان من قطاع الطرق :  " السيف يأخذ ما عند الاغنياء ويوزعه على الفقراء ... "

قرأ ( بودربالة ) عنوانا ضخما فى جريدة مدينة الفارابي جاء فيه "  " وزير المدينة يصرح : السماء زرقاء والماء لا لون له ولا طعم ولا شكل والخبز يعد ليؤكل والبيوت تؤسس لتسكن ..."

وقال بودربالة :  " إنما هى حقائق الكون الاولى وما احتاجت مدى الدهر لتصريح " وترك الجريدة جانبا واستقل عربة " البيس " إلى غير ما اتجاه .

قالت أم عبيدة لابى نصر :  " كيف تدعي صلاح سيف الدولة ونباهته وعدله وهو الذي يوزع نصف بيت مال المسلمين على شعراء يمدحونه ؟ "

قال أبو نصر :

" إنما يكرم العلم "

قالت أم عبيدة : " لا رحم الله علما يكرم بأرزاق الرعية ويمدح الحاكمين .. "

قال الراوى : " جاء الليل . وكانت المدينة فى مطلع الشتاء . لا شئ سوى القطط الجائعة والكلاب الضالة ومعلقات الافلام الرديئة ولا صوت سوى صوت هذا الطفل الواقف أمام حانة يقول :

" قليبات ... قليبات ... قليبات سخان ... سخان .. سخان .. " قال صاحبي يسألني :

" وأين الحريق الذي أعلنت عنه فى عنوان هذا الخبر .. فإني لا أراه .. "

فقلت له : " إنما هى حيلة لجلب اهتمام القارئ واستدراجه لمطالعة ما أكتب ... فلهب الحرائق يغرى ويدفع للاعتناء ... "

وضحك صاحبى وسمعنا صفارات عربات المطافئ تعبر الشارع بسرعة .

2 مارس 71

اشترك في نشرتنا البريدية