هى هادئة هدوء المقبرة وساكنة سكون الموت . لا حركة . كان ذلك عندما استقبلت صباح حضارتها . بين الفجور والتقوى . منحتها الطبيعة من السنوات العجاف ما حرمها برد السقيا ونعماها ، ووهبتها الخلاء في عز الربيع . لا فاكهة وأبا ولا خصب في أرحام الارض . فهى عاقر جحود .
روى عن الكاهن الهندى راماى جواهر آل يلدز قوله : " عندما دخلت مدينة أبى نصر ، أخذتني وحشة ورهبة كأني آجتاز معبدا حراما . فكأن خراب بيوتها واندثار معالمها موصول بخراب النفوس واندثار الروح . هندستها تشويه لقداسة الكون فى جلال توالده . فالعالم رحب رحب دون أسوارها وهى كالرئة السقيمة ضيقا وتسويسا ."
قال الكاهن الهندى : " ... وهكذا انعدمت الطفولة وغار الينبوع الوحيد وظمئ القوم ، وأقمت بالمدينة ليلة نالنى بها أرق وأحسست باغتراب ، وعهدى بكل بلاد الله لي وطن ومستقر . وعند مطلع الفجر غادرتها والناس نيام ... "
قال أبو نصر الفارابي : " لقد أسستها على الفضيلة والمعرفة . فالفضيلة دون معرفة مغبة والمعرفة دون فضيلة جهل . وما ترون من خراب ليس من
فعلى أو تفكيري إنما فشل البناؤون . وما من مجتمع فاضل إلا برئيس فاضل ."
قال الراوى وكان من حاشية سيف الدولة والمقربين إلى مجالسه : " لما زار أبو مسعدة بيت أبي نصر ، لقى من إهانة أم عبيدة ما أخرجه عن طوره . فكان أن سألها عن حالها . قالت : " جائعة محرومة ، كحال سائر أفراد القوم . لكنكم تنقلون للأمير خاطئ الاخبار ومنحرف الانباء . تقولون له الرعية بخير تنعم بخيركم وتبارك سعيكم وتلهج بذكركم ونحن كقطيع بلا راع . كل شاة فى طريق . أعوذ بالله منك يا أبا مسعدة ومن حاشية الامير . "
حدث احد شعراء سيف الدولة وقد أهملت كتب التاريخ آسمه قال :
" عندما دخل ابو نصر على الامير قال له : إن أمر الرعية اصبح موكولا للجوارى والخصيان والاشباه . فأصلح فساد مدينتك واحكم بالعدل اصلحك الله تعالى وجعلك نبراسا للاسلام ..."
قال ابو نصر الفارابي في ساعة من ساعات يقظته ووعيه : " انا برئ من هذه المدينة ... انا برئ من هذه المدينة ... "
وقالت له آم عبيدة وهى خادمة قائمة بشؤونه : " يا آبا نصر أنت حكيم وبائس وأنا جاهلة وبائسة ... فما قيمة الحكمة وما فضل العلم والسعادة لا تدرك كهذا السراب .. "
وبات الفارابي ليلته تلك محموما يهذي .
كانت المدينة خرابا بلقعا . شمسها باردة لا تقوى آسوارها خرافية . حدث (بودربالة) مجنونها قال بلهجة المدينة :
" هي جبانة أمواتها يمشون وقبورها متفاوتة الاحجام فيها كوى وابواب : امواتها يتناسلون . آه ما أغبن العقلاء وما أحط همة أولى الحجى . "
قال المجنون وهو يفر كالحمر المستنفرة فرت من قسورة : " هى الذبذبة بين الشك واليقين ... هي الضلال . فما استطاع العيش فيها من آحل الحلال وحرم الحرام . ولذلك كشفت ما ستر الناس من عورة ورقصت في الشارع . حتى قالت العرب : "والله إنه لمجنون ... "
قا أبو هارون وكان من قطاع الطرق : " السيف يأخذ ما عند الاغنياء ويوزعه على الفقراء ... "
قرأ ( بودربالة ) عنوانا ضخما فى جريدة مدينة الفارابي جاء فيه " " وزير المدينة يصرح : السماء زرقاء والماء لا لون له ولا طعم ولا شكل والخبز يعد ليؤكل والبيوت تؤسس لتسكن ..."
وقال بودربالة : " إنما هى حقائق الكون الاولى وما احتاجت مدى الدهر لتصريح " وترك الجريدة جانبا واستقل عربة " البيس " إلى غير ما اتجاه .
قالت أم عبيدة لابى نصر : " كيف تدعي صلاح سيف الدولة ونباهته وعدله وهو الذي يوزع نصف بيت مال المسلمين على شعراء يمدحونه ؟ "
قال أبو نصر :
" إنما يكرم العلم "
قالت أم عبيدة : " لا رحم الله علما يكرم بأرزاق الرعية ويمدح الحاكمين .. "
قال الراوى : " جاء الليل . وكانت المدينة فى مطلع الشتاء . لا شئ سوى القطط الجائعة والكلاب الضالة ومعلقات الافلام الرديئة ولا صوت سوى صوت هذا الطفل الواقف أمام حانة يقول :
" قليبات ... قليبات ... قليبات سخان ... سخان .. سخان .. " قال صاحبي يسألني :
" وأين الحريق الذي أعلنت عنه فى عنوان هذا الخبر .. فإني لا أراه .. "
فقلت له : " إنما هى حيلة لجلب اهتمام القارئ واستدراجه لمطالعة ما أكتب ... فلهب الحرائق يغرى ويدفع للاعتناء ... "
وضحك صاحبى وسمعنا صفارات عربات المطافئ تعبر الشارع بسرعة .
2 مارس 71
