تدق الطبول وتختلط أطباق النحاس ضربا موقعا . وتتكمش لها وجوه السامعين ثم يترتبح الجميع في وقفتهم استعدادا للحلم . ويتجول القصاص في الساحة يكيف هدوءها ليدخل الخرافة خرافة خبر مدينة النحاس ويقول : كانكم ما كان :
كان سلطان له سبعة أولاد ذكور . وشاخ السلطان يوما واتصل به وحي القبور وراجعته بطالة دماغه ارادة قوية يابسة فى اقامة أعمال شاسعة . ونام ليلته على تلك الارادة فانقلبت في دماغه أحلامه وانقسمت جنازات . جنازات يصحبها تهليل عظام القبور وانوار المقابر وتعنت الحفارين على الارض وطار في دماغه آذان محترق
جائع مختنق فاندلع يقظة وضرب فى يديه وصاح : آتوني بالصباح
وجاءه الصباح وصاح : آتونى بالجنازة . فضربت كلمة الجنون كل حيطان القصر ورجعت إلى السلطان تصلح شفتيه حتى قال : آتوني بالامراء . فأتى بهم واوقع عليهم ارادته : " زفافكم غدا . " فاحتلهم الابتسام حتى تمدد منهم وسار فى القصر هزجا وتهليلا .
وأبي السلطان على نفسه النوم وأكل نوم جواريه سلوى ثم جاءه صباح الزفاف بعد الحاح أليم وانتشر الفرح في كل أهل القصر وتجمع اليه عند دخول الازواج واتصال البعض بالبعض وغار الفرح في سمعه وعاوده تهليل عظام القبور وتعنت الحفارين على الارض وطار منه أمر رده إلى احلامه : " احرثوا أزواجكم وسأزرعهن " وعاودت حيطان القصر كلمة الجنون ضربا
وغاب القصر عن السلطان فدخل نوما فارغا ثقيلا كالدوار واوقعته الدورة الاخيرة على ساحل بحر اسود كشعر بنات القيروان ودارت له فى البحر عيون تشع سوادا وقام فيه نهيق حمار تفرقع فى دماغه فوقف يابسا لوحا وصاح في وزيره " اقتلوا حمير الوطن كلها واقطعوا حلوقها واملؤوها اجتاصا وترابا ولوحوا بها فى البحر الأسود . "
وجاءه أولاده فامرهم : " آتوني برؤوس ازواجكم مقطوعة مخضبة . " وانحنى الاولاد تحت شظايا السلطان إلا ابراهيم أصغرهم . فقد عاودته لذة البارحة تنشط لها عروقه ويذوب عن بصره أبوه فى وعشة لحم زوجته ثم جرب الخدعة فابتسم وانحنى .
واقتطع الامراء الستة رؤوس ازواجهم وتقد موا إلى أبيهم ولم ير السلطان ابراهيم فعاد دماغه نهيق الحمار في البحر ويبس موتا .
تدق الطبول . ويختلط النحاس وتترجرج ظهور السامعين نملا
" هي الآن أحدوثة ابراهيم " ويلوح القصاص بنظرة على السامعين فيراهم مستبسلين . فيامرآن يلح دق الطبول حتى عاد الناس إلى جلدتهم وكان ما كان . ويعود القصاص إلى القصة نافضا عينيه عجبا :
" ونام ابراهيم وزوجته وسيفه وخادمته فى قصر من مدينة وقعوا فيها هربا . والقصر خلاء . لم يمت في أثاثه حر اللمس ولا النفس البشري . بل رسخ على كل شئ كما تتمرد الروح عندما يموت عنها الجسد قسرا
ولم يأت فى سمع ابراهيم الليلة الاولى سوى هدير متقارب من احلام السلطان وملأ ابراهيم الهدير حتى قام فى الصباح زاخرا . وخرج إلى المدينة وجال ولم يلق نارا ولا انسا بل صمتا وطنينا . وعاود السير فيها على السطوح حتى أكله العي وكان يصحبه سيفه . ثم رأى عن بعد بعض المئات من السطوح
دخانا متلعثما لا يذوب . فقفز اليه قفزات جائعة تريد الأنس حتى وصل ونظر من السطح فرأى عجوزا تحضر طعاما كثيرا وقد طلعت في وجهها نار الحطب وراى شفتيها فارتعش سمعه
وتنفس يقول : " أمي الكبيرة " فرفعت العجوز وجهها وفمها وقالت : " بشر هنا ! إنس ؟ ماذا تصنع يا ابن السلطان " فنزل ابراهيم . واذا دمدمة تنفثها أرض الدار وتترقرق وترتعد العجوز وتدك ابراهيم في مخبإ وتعاود الطبخ وتعلو الدممة وتتقلل فى عروق العجوز ويدخل سبعة أوهام كاشباح السعالى ويرتمون على الطعام لما . الا أصغرهم فقد دار شمه في الدار وقال : " أمي الكبيرة فى الدار واقع " فقالت العجوز : " لا يابنى الواقع أنا . " بل أنت وهم مثلنا يا أمي الكبيرة قالها وادار شمه من جديد في الدار
حتى التصق منه فى كل جدار ودخل بعضه وتبخر فى مخبإ ابراهيم حتى ثقل عليه فوق جلدته يتلبد وفي دماغه يختلج فخرج فى سيفه واعترته الاوهام الستة الاولى فى عيون متسعة كالبحار السود ومزقها السيف . وشرد عنه الوهم الاصغر فجرى عليه يقطع منه أشلاء حتى ضعف وغار فى بئر عميقة . ثم عاد ابراهيم إلى العجوز واخذها من دار الدمدمة إلى بيت يعيش فيه حر الإنس وطلب اليها خبر المدينة . فقالت العجوز : هى مدينة النحاس سوف تلقي قصتها كل يوم .. فقد أكلت قومها الاوهام التى قتلت . فاسكتها وعانقها ثم خرج ليلقى زوجته . وبثها قصته . فارتعد لحمها عند سقوط الوهم الاصغر فى البئر العميقة ونامت نوما سحابا قطنا لذيذا وقد اندك رأس ابراهيم في صدرها راحة ونوما وأنسا .
وقام في نوم الزوجة الخفيف صباح سريع
وهزت نفسها إلى المدينة تدور قلقا ولهفة وجوعا . ولم تر آ آبارا وتدور وتدور فى نفسها وفي المدينة وفي قلقها تريد الوهم الذى غار فى البئر حتى خوى صدرها وفرغت منها العظام وفشلت أعصابها ولم تر آ آبارا فقد استوت الارض فى عينيها حتى أخذها الدوار وقرعت في دماغها الحيطان وقعا قنا وعنا فناء وصخرا عناء ودارت الارض فى دماغها ورابت واحتوى الحيطان وبر مثقوب وتحركت في لعاب فمها سهام حتى تراجع منها اللعاب وابيضت عيناها وسقطت على الارض على شفا بئر عميقة يلمع ماؤها بعدا وهما وسمعت زفير الوهم الاصغر فرجعت إلى نفسها كأنها لم تكن ورمت إليه حبلا متينا فانقلب إليه الوهم غولا وصعد فملات بصرها من وهمه الغزير وقلبها من وجهه العسير ولحمها من نفسه المرير وساقته إلى وحشتها
بينما كان ابراهيم غيبا عنيدا يطلب خبرا شاردا ويزرع سؤاله فى كل مكان
ولذ لزوجته الغول ليلا ونهارا توفى ابراهيم ابتساما جزيلا والغول عروقا ولحما حتى كرهت زوجها وطلبت من غولها موت ابراهيم
وخاف الغول ثم اراد وارتد ورفض واحتدا حتى اكله الحافها واشتد واشتبك الحيل وخابت واصطدمت بحب ابراهيم لزوجه حب اليقين للقلوب . حتى أوحى الغول إلى الزوجة ان تسأل ابراهيم خبر مدينة النحاس ودان لها ابراهيم واندلع فى الخلاء يسأل الجدار والباب والهواء والريح والسهل والغاب والارض والسماء ويسائل الصمت والنخيل وزوجته تآكل الغول جسدها ودماغها الشارد في بحرها الاسود وابراهيم يدور فيه السؤال عن خبر مدينة النحاس
ويقع ابراهيم إلى نهاية المدينة ويدك نفسه فى غار يطلب الوحى والقرار وأهله والمستقبل حتى تحتد فيه عروقه ثم تعلوها سحب وتشتبك وتقع منها نخلات ثلاث مزروعة فى عينيه تدعوه أن يسألها وقد انفصلت عنه عروقه تعبا وضنى وشوقا إلى يقين الخبر وبقى كالسؤال كالسؤال المتعنت المرتعش
وتولد عن نخلة من النخلات الثلاث طير يحمل مفاتيح فى منقاره ويوحى إلى ابراهيم أن يقتل الطير لتفتح فى وجهه الابواب وتوجس وتردد حتى ابتلعته الارض حقدا إلى حد ركبتيه حتى راجعه العزم على اليقين واسقط الطير والمفاتيح فلقي بصره بابا عريضا دك فيه نحاس قوي لامع يضيء الدنيا ككبريت المقابر
ويفتح الباب فيضربه باب جديد فيفتحه حتى ضربته أبواب سبع التأمت وراءها جثث مستحيلة البعث
ورأى إلى يمينه بهوا كأنه بيت صلاة فقد ماتت الجثث على دين حنيف وفطست أنوفها على المحراب ايمانا ويتثاءب ابراهيم ويوحى اليه انه يسمع من يقول : " جارت على المدينة من نفوس أهلك أوهام سبعة امتصت ماهية اهلك الزاحفة حتى دلهوا ووقعوا إلى ظهورهم ولم يبق غير رجل عقل وعلم وشعر ازعجت ثورته الاوهام ولما أحاطت به قسرا ابى وانقلب طير واقفل على الجثث أبوابا سبعة قتلا للاحدوثة فدونك يا ابراهيم الجنون أو المحراب والراحة أو دونك العقل والعلم والشعر واليقين والحياة "
وتقلص ظل الصوت .
وقامت ريح نتنة . فاندفع ابراهيم يفتح الجثث فتحا حتى بخر الريح النتنة وتبخرت أوهامه
وماضيه ، ماضى السلطان والزوجة
وجرى إلى العجوز ، إلى امه الكبيرة مقطع الاوصال ووقع إلى نوم ثقيل كاكداس لياليه الماضية إلى صباح اليوم الثالث والعجوز لهااث وحيرة حتى تكلم فقال : " أ . ب . ت ابتدأ الكون " فيستقيم ظهر العجوز ويدق النحاس ويحل المضارع
