- تصبح على خير يا سى مبروك - تصبح على خبر يا مخنشل - اياك أن تنسى ما أوصيتك به - اذهب الى سود وبوذراع وقل لهما أن يأتيانى باكرا . - طيب - لا تنس الحبال والاوتاد - طيب - من بالزريبة وتفقد المواشى ، واياك ان تعطى الثور هذه الليلة ماء او علفا . . اربطة بعيدا عن البقرات . شد وثاقه جيدا . - حاضر يا سيدى . . تصبح على خير . - ألا تبقى للعشاء معى ؟ لنتحدث معا ! - والجماعة من الذى سيدعوهم ؟ - بعد السهرة اتصل انت بهم - طيب جلسا متقابلين حول صفرة وطيئة يأكلان كسكسسا مخلوطا بالسمن وعليه قديد العيد ونصيب من الفول والحمص .
الملعقة مشطوب عليها بالاحمر فى حياة المخنشل ، لم تدخل بعد فى عاداته ، تسمعه دائما فى مناسبات الاكل يفتخر بكفه العريضة وباصابعه التى لا تختلف عن أظلاف القتب ويقول : " لم يخلق الله هذه الكف عبثا . ويرفس أمامه الكسكس بالقرع جيدا ويبعث اللقمة مكورة كالقذيفة بمساعدة ابهامه حتى اذا غص استنجد بمشرب اللبن . وعندما يفرغ فمه يقول : " والله انه لذيذ . . لست أدرى أكنت جائعا حقا أم كان شهيا . . زوجتى هشم الله يديها لا تطبخ مثله . كأنها تخلط الطعام برجلها رغم ما اشترى لها من توابل وخضر . . أجرة العام تصرفها قبل انتصافه ونقضى الباقى بالتداين . . أليس كذلك يا سى المبروك ؟ ما أسعدك بخالتى صالحة . رحم الله والديها والجوف الذى تخبطت فيه . "
لكن سى مبروك كان سادرا شارد اللب ، يمضغ حيرة مريرة خاصة عندما تتراءى له فعلته فى الذهول فتجتاحه قشعريرة قوية حتى يصر بأسنانه كأنه يكتم صرخة تريد الانفلات قائلا فى نفسه : " كيف أجرأ على شل حركة ذكر ، يصول ويجول ، ينجب أحسن الانواع من جنسه ، وتتبختر بين البقرات كالملك فى مملكته . "
ويبحث بين زوايا عقله وفى ظلمات باطنه ليجد مبررا فيقول : " القتل أنفى للقتل كما يقال قتل خصية الثور أحسن بكثير من قتل أرض يكمن فيها قوت أولادى . . أنا أحق بالحياة منه لانى أنتفع من خدماته أكثر مما ينتفع هو من نفسه . وجودى ليس أثمن منه ولو يتلف ثلث العالم أو كله . . " ولكنه يتراجع وينهزم أمام صور ناطقة حية فيقول : " ماذا سيقول ثورى غدا عن نفسه عندما تغازله البلقاء ، وتتشممه ، وتتمسح به . . تعترض سبيله فتوقفه .. تنظر اليه طويلا وهو لا يجرأ على رفع رأسه من التراب . ويطول انتظارها فتبصق فى وجهه ولسان حالها يقول : " ما أغباك !. . أين أحاسيس الجنس التى كانت تملأ حياتك . . أيام كنت سيد هذا الوادى تفيض أنفة وعنجهية . . تأتيك العذارى عاشقات مفتونات بجمالك وببهجتك وفتوتك وبالتالى بمعاشرتك . قل ماذا دهاك ؟ ماذا اصابك ؟ تكلم . . لقد مزقت قلب وحطمت أملى . . ماذا يكون موقفك يا عضروط غدا عندما يداهم حرمتك وحرمك أجنبى ؟ "
فيجيبها الثور بصوت مخنوق وعين دامعة : " لبتنى مت قيل هذا يا بلقاء.. ليتنى ما خلقت ذكرا . . ليت العماء يصيب عينى والصم مسمعى حتى لا أرى
لا أسمع ما يدور حولى . . لقد أخرسوا صوتى الى الابد . . لن يهز بعد اليوم أفئدتهم ، ولن يزلزل الارض تحت أقدامهم ولن يطرد النوم عن اجفانهم . . سيطربون غدا لنعيق البوم ونقيق الضفادع ونهيق الاحمرة . . ما أغبى الحياة يا بلقاء ! وما اضيع الشهام فى سوقها ! فقولى بربك هل كان لى غير الطريق التى سلكتها ؛ هل كنت تحبيننى لو مشيت فى طريق العجول التى تخور فى جلودها ؟ هل كنت تحبيننى لو هربت يوم داهمنا ذلك الثور الاسود الذى ظن أن أمه ما انجبته الا هو وسيده لم يعلف الا اياه ؟ لا شك أنك تذكرين كيف مرغت أنفه فى التراب وأطردته صاغرا ذليلا . . وليلة أراد السارق ان يغتصبك منى فى منعطف الوادى ورغم ما أغرانى به من شعير وتبن لم ادعه يقترب منك لانى أحبك وساحبك حتى ولو كنت خصيا . "
فعانقته البقرة طويلا وأمطرته قبلا وهى تقول : سأحبك أكثر يا حبيبى . . اطمئن سيبقى صوتك يرشق الآذان ويهز الاجسام هزا . . وستتقيأ الوهاد والآكام ما ادخرته منه براكينا يجرف السمان والعجاف ويرمى بها فى واد سحيق . . طب نفسا واهنأ بالا سيبقى اسمك فوق الوجود . تنظر الى الاقزام نظرة احتقار واستهزاء . لقد كنت بيننا عزيزا وستظل عزيزا شهما كالنسر فوق القمة الشماء " .
ولم ينتشل مبروكا من شروده وتصوراته الا صوت المخنشل الاجش : ايه . ايه . . باسى مبروك اشرفت القصعة على الفراغ وانت لم تأكل شيئا . "
وفى رأى اغلب سكان تلك المنطقة أن المخنشل لم تلده امرأة وليس فى وسع حواء ان تلد مثله لما يتميز به من ضخامة فى الجسم وغلظة فى الاطراف , وكبر فى الرأس ، وامتلاء فى العنق ، وعرض فى الصدر حتى يخيل الى الرائى أنه قد من جبل . لكنه كان رعديدا جبانا يخشى الظلام ، وتتسلط عليه الاوهام فيتصور كل شئ . وكم قص على شبان الدسكرة أقاصيص غريبة .
حدث مرة قال : " كنت عائدا من السوق ليلا وكانت الطريق خالية ولما بلغت فهم " الخنفة " أعمى عينى شرر نارى يدور امامى ويتدحرج وانا اجرى واصيح حتى سقطت فى جرف ولم افق الا عندما تراجع الظلام ."
" وفى مرة أخرى ارسلنى سى المبروك الى دار ابنته فى ليلة اشتد ظلامها وغابت كواكبها ونزل مطرها رذاذا ولما اجتزت الوادى رأيت شبحا منتصبا أمامى كالطود . فتسمرت فى مكانى ، وحبست الصيحة فى حلقى وبقى فمى مفتوحا ، أريد أن أتكلم ولا أقدر على ذلك وجف حلقى وشاح ، ثم رأيته يطول ويطول الى أن بلغ رأسه السماء ثم أقلع . . فعدت أدراجى اهذى هذيان المحمومين ولا أدرى أين أضع قدمى حتى بلغت الدار . فاسرعت زوجتى وبخرت البخور وهى تحوقل وتبسمل تم أدارت الرحى سبعا فوق رأسى حتى ثاب لى رشدى" - وغيرهما كثير - قال المبروك بعد صمت طويل مخاطبا المخنشل : " هل أخرجوك اليوم من المكمن أم كنت مضربا عن الاكل ؛ "
- " وجدته لذيذا يا سيدى " . - " يا مخنشل هل سمعت بمن قام بالخصاء غيرنا ؟ " - كثيرون هم الذى قاموا بذلك . الشيخ رضوان ومحمود البرادعى وبلقاسم بوسنه وغيرهم ، وهم الان يعيشون فى بحبوحة ورخاء" ثم اردف قائلا : " العملية بسيطة يا سيدى لا تدوم الا لحظات فقط وبعدها ينتهى كل شىء "
- كيف تقول انها بسيطة وأنت يخيفك مواء قط ؟ كيف تستطيع ان تصرع ثورا مثل هذا وتخصيه ؟ " - " بو ذراع يا سيدى ماهر فى كل شئ " ولم يقطع النقاش الا صوت زوجة المخنشل بدعوه الى العودة - " انها تنادينى يا سيدى " - قم واذهب اليها . . " - " الظلام حالك يا سيدى . . لا نجوم ولا قمر . " - ماذا تريد أن أفعل : - قل لعلى يخرج معى من فضلك يا سيدى - يا على أوصل هذا البغل الى مربضه .
وفى الصباح الباكر جاء الجماعة ودقوا الاوتاد وأضجعوا الثور بعد صراع مرير . ولم ينج المخنشل من لكزة قرنية فى جنبه الا بأعجوبة ، ذلك انه لما عم الثور بالهرب كان المخنشل قريبا منه فوخزه بقرنه وخزة طرحته أرضا ولم تسفر الا عن جرح خفيف .
ربط بوزدراع خصيتى الثور بخيط من الوبر ربطة وثيقة حتى كادتا تثقبان لجلد . ثم جاء بسكين خاصة وبمهارة فائقة فلقهما .
ما أفظع تلك الصيحة التى أرسلها الثور !!! وما أشد تأثيرها على النفوس !!. انها تفتت الاكباد . . وما أبشع منظره وهو يقف ويسقط والبقرات من حوله تخور خوارا متصلا كالنادبات فى المآتم !
وصادف أن مر فى تلك الساعة فريق من جمعية الرفق بالحيوان ولاحظوا الثور على تلك الحال فأسعفوه بما أمكن اسعافه وقدموا شكوى ضد مبروك . يوم الجلسة نودى على المتهم "
الرئيس : قدم بطاقة تعريفك للمحكمة . المتهم : المبروك بن عمر الطويل الرئيس : متى ولدت المتهم : عام الروز الرئيس : متى كان الأرز ؟
المتهم : لا أدرى يا سيدى الرئيس : ماذا تمتهن ؟ المتهم : الفلاحة يا سيدى بجبل " اشهيد " نائب الحق العام : اين يقع جبل " اشهيد " الرئيس : انت ضعيف فى الجغرافيا . نائب الحق العام هامسا فى اذن الرئيس : بالله عليك أين يقع ؟ الرئيس : دعنا من هذا الموضوع
الرئيس يخاطب المتهم : قلت انك فلاح بجبل " اشهيد " يعنى هذا انك تحرث الجبل اليس كذلك ؟ المتهم : نعم يا سيدى الرئيس : أليست لك أرض منبسطة تفلحها ؟ المتهم : لقد كانت لجدى ثم لابى رحمهما الله أرض غنية لا تبخل أبدا تعطى اكثر مما تأخذ افتكها الاستعمار واسكننا الجبل الذى حدثتكم عنه
الرئيس : لقد رحل الاستعمار واسترجعت الدولة كل الاراضى التى كان يملكها المعمرون بموجب قانون 12 ماى . المتهم : سيدى الرئيس اسمحوا لى بأن أقص عليكم قصة طريفة . ضيع أحدهم نعجة وكان لصاحبه بها علم فلما التقيا قال الصاحب : لقد افتككت نعجتك الضائعة من الذئب صاحب النعجة : اين هى ؟ الصاحب : أكلتها . صاحب النعجة : ما الفرق بينك اذا وبين الذئب .
الرئيس : ان اختياراتنا السياسية الكبرى فى ميدان التنمية الاقتصادية والتى هى فى الحقيقة اختيارات الامة بأسرها تقر تعايش ثلاثة قطاعات . وهذه الاختيارات هى التى ستمكننا من الاقلاع الاقتصادى يعنى هذا اننا سندفن الخصاصة والفقر الى الابد . المتهم : اخشى يا سيدى ان يقلع الناس كلهم وأبقى أنا مشدودا الى جبل " اشهيد " . الرئيس : عد بنا الى الموضوع الذى عقدت من اجله الجلسة ، أتعرف ما هى التهمة الموجهة اليك .
المتهم : لا يا سيدى . الرئيس : انها من أخطر التهم ، جريمة وطنية كبرى لا تغنفر . . لقد قمت بخصاء ثورك بتاريخ كذا . . ونتيجة هذا العمل اللانسانى انك ستعرض البلاد بعد عام او عامين الى خصاصة فى ميدان اللحوم وستضطر البلاد الى توريد كميات من اللحوم من أوربا .
المتهم : بينه وبين نفسه : من يخصى ثورا يحاكم ومن يخصى انسانا يجازى (1) الرئيس : ماذا تقول يا رجل فى هذه التهمة ؟
المتهم : سيدى الرئيس لم أكن أعرف ما يترتب عن عملى هذا وقد غابت عنى أبعاده نظرا لمستواى الثقافى الهزيل . لكن يا سيدى اننى كنت مضطرا الى ذلك - حيث ان أرضى صلبة لا يحرثها الا ثور قوى ، انها جبلية كما اسلفت, والثور ان لم يخص ليقوى لا يقدر على جر المحراث فى أرض كأرضى . هذا من ناحية ومن ناحية ثانية هذا العمل مألوف لدينا . . فلاحو منطقتنا كلهم يقومون به وليس فى ذلك حرج .
الرئيس : عملك اجرامى ، وادانتك ثابتة وهذا يكفى فى نظر القانون . " رفعت الجلسة "
وبعد استراحة خاد المحلس الى الالتئام واستمع الحاضرون الى حبثيات لحكم الذى جاء مبررا لساحة مبروك من كل اتهام ، فعاد الى حضيرته يخصى الثيران الواحد تلو الآخر .
