الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

خصائص العامية فى أدب البشير خريف

Share

نسبت العامية الى العامة ، وفى استعمالنا لهذا المصطلح حكم نصدره على اللغة وعلى مستعمليها فنصنفهم ضمن قسم من الناس هو " الدهماء " أو " عامة الناس " بالمقابلة الى " النخبة " أو " علية القوم " أو " الخاصة " ذلك ان اللغة ، كحدث اجتماعى تصنف الناس من حيث انتماؤهم الطبقى وتميز بين فئاتهم ، كما تتصنف هى ذاتها بانتمائها الى هذا الصنف البشرى أو ذاك . والدليل على ذلك ، ما يتواجد على الساحة اللغوية من صراع بين اللهجات العامية الذى هو صراع بين طبقتين أو فئتين من الناس ، وهذا ما نلمسه من عمليات التخاطب اليومى ، ومن الاعمال المسرحية الساخرة المستعملة لهذه اللغة .

والعامية لسان التواصل بين الناس فى حياتهم اليوم اليومية ، وغايتها عملية نفعية وذلك يجعلها دقيقة الاداء ، مقتصدة العبارة فى وضوح . والتزام بالمواضعات اللغوية الاجتماعية ، ورغم صفتها العملية فان العامية لا تخلو من مظاهر بلاغية ، وطاقة تعبيرية وشاعرية . . من مجازات وحكم وأمثال .

ولئن اقتصر عملنا هذا على رواية البشير خريف " الدڤلة فى عراجينها " وهى أهم آثاره فان بقية ما كتب لا يختلف عما سنقول حول استعماله العامية

مواضعها :

توزعت العامية على أصناف الكلام ، فكانت مدرجة بالسرد : وأخذ " حكته " وشم " نفة " ومسح أنفه فى " محرمته " ( 1 )

وأما الحوار فقد كان كله عاميا : - واش عملت بيه ؟ [ عمرك ] . - شاهى نظل على رأس الدنيا ونزرع فيه بردڤانه ( 2 ) .

علاقتها بالفصحى :

★ أدرجت العامية فى الفصحى :

" طلع العربى من البئر " ينهج " وقال - هيا نعملوا درجيحه تو . . وفى لعبة . . " ( 3 )

فكانت وظيفتها فى هذا الموضع رواية الكلام كما صدر عن الاشخاص ، ويتميز الراوى حينئذ عن أشخاصه اجتماعيا ، عن طريق اللغة فينسب لهم العامية وينسب لنفسه الفصحى دون شعور بالتعالى ، ذلك أنه لا يتحرج من استعارة كلمة عامية يضمنها فصحاء ( الدرجيجية ، عوضا عن الارجوحة ) .

★ وأحيانا تتراوح العامية والفصحى :

- نظر اليها المكى باستنكار وقال - ايه ! المجنونة ! وانتهز مؤاخذة أمه . . .  - قال له يخلينى أديجة . . ( 4 )

وفي هذا النمط تبقى وظيفة العامية فى التراوح هى نفسها فى الادراج ويحافظ الراوى على تميزه عن الاشخاص لكنه يقلل من حضوره ( حضور

الفصحى ) بحيث يصبح دوره التنسيق بين أقوال الاشخاص والكشف عن مناسبات القول وخفاياه ، وبذلك يقضى - شكليا - على تراصف جمل الحوار

★ وفى مواقع أخرى من الرواية تدمج العامية فى الفصحى :

- واندفع على الزبيدى يخنقه " ويلزه " الى الحائط ( 5 )

والغاية من ادماج العامية فى الفصحى مسايرة من طرف الراوى للعبارة المحلية وتخفيف للتباعد الاجتماعى بين الراوى كمنتم للخاصة ومستعمل للفصحى وبين الاشخاص كعامة يتكلمون لغة " السوقة " ، وفيه كذلك تخفيف للحكم على هؤلاء بأنهم رعاع وأن لغتهم تنم عن اخلاقهم . فهى ساقطة فى هوة اللحن والتحريف .

وفى ادماج العامية فى الفصحى التصاق بمرجع الرواية : بيئة الجريد ، وتخفيف لتضاريس المجتمع فليس هناك من تفاوت عظيم بين فئات مجتمع هو أقرب الى البداوة منه الى التحضر ، وليس من موارد مالية تكرس هذه الطبقية ، فالمورد يكاد يكون واحدا هو الفلاحة او بعض الحرف ، والفلاحة بسيطة متواضعة ومردود الحرف ينفقه العمال فى الحانات والمحل العمومى . . وهكذا فان المجتمع قد انبسط فاضمحل التنافر بين الممارسات اللغوية لمختلف فئاته ، وتوحدت اللغة أو كادت بتوحد مستوى المعيشة وموارد الرزق .

مراجعها :

مصادر اللغة الحياة ، وما يتولد عنها من حاجات وأفكار وعواطف تفرض أن توجد لها فى القاموس اللغوى مصطلحا يسهل استعمالها واندماجها فى ثقافة المجتمع : ولا تبالى الحاجة اللغوية من أين تستمد مصطلحها ولا تتحرى فى ذلك سوى الوضوح والاقتصاد لذلك فالمصادر متنوعة والاصول مختلفة وطرق ايجاد المصطلح متعددة ولغة الاستعمال ذات طابع دياكرونى دائب التطور . الا أن اهتمامنا بها فى نطاق هذا البحث يعتمد لمحة سنكرونية واحدة هى اللغة العامية على حال وجودها فى رواية " الدڤلة " .

فقد كانت هذه اللغة متنوعة المراجع اذ نجد من بينها :

★ العربية الفصحى : - ممن ( ص 38 ) ، أ ( حرف النداء ) ص 39 ، تخدمنا العبيد ص 59 ، من قبل ص 59 .

★ بعض اللغات الاجنبية : - الفاصمة ، الفاقو ، الكبانية . .

★ العامية التونسية : أغلب الالفاظ منها غامضة اضطر المؤلف لشرحها اعتمادا على قاموس المرحوم مصطفى خريف ، ونسوق من ذلك : مبعطط ( مصفر من علة ) يبخ ( يبجس الماء ) المطوى ( كيس التبغ ) .

خصائصها الصوتية : تتصرف العامية فى الحركات تطويلا وتقصيرا وتسكينا ، وفى الحروف قلبا وحذفا ، وغايتها فى كل ذلك النزعة الى المجهود الادنى الصوتى مما يمنحها عملية أكثر ويجعلها لغة التخاطب المقتصدة العبارة ، وتخالف العامية القاعدة الفصيحة القائلة بأن العربية لا تبدأ بساكن ، من ذلك :

الفصحى :  العامية :             التغيير : • نحن  حنا  تأخر المقطع الطويل ، واسقاط حرف النون - ن                 • - • متاع  انتاع  اطالة المقطع الاول ، قلب الميم نونا ن

موقف العامية من النحو : مصادر العامية توحى لاول وهلة أن بينها وبين الفصحى اتفاقا فى قواعد اللغة ، الا أن هذا الاتفاق لا يحترم باطراد فكثيرا ما تخالفه العامية وقليلا ما نتفق فيه مع الفصحى .

والملاحظ أن العامية تسقط من حسابها أمرين : - علامات التأنيث البارزة مثل النون والتاء : ( تشربى : ( المخاطب المؤنت ) . - علامات التثنية : أنتم الاثنين ، يتقاتلوا ( هما ) . وبذلك يتقلص عدد الضمائر ، فيستعمل بعضها مكان بعض :

فى الفصحى أنا انت نحن انت انتما انتم انتن هو هى هما هما هم هن

فى العامية أنا أو نحن أنت أو أنت انتم هو هى هم

وهكذا نلاحظ أن من بين أحد عشر ضميرا ( باستثناء المذكر والمؤنث المفردين الغائبين ) تحتفظ العامية بأربعة تنوب المتكلم بقطع النظر عن جنسه وعن عدده أحيانا فيستعمل المتكلم المفرد ضمير الجمع ، والمخاطب بقطع النظر عن جنسه اذ يستعمل المخاطب المفرد المؤنث مكان المذكر ، وخاصة فى لغة البرجوازية ( انظر أقصوصة محفظة السمار من مجموعة " مشموم الفل " ) وينوب الجمع المذكر المخاطب بقية ضمائر الخطاب والجمع المذكر الغائب بقية ضمائر الغائب .

وقد تكون العامية اعتبرت فى عملية الانابة :

- العدد اذ نرى للمتكلم ضميرين فى الفصحى وضميرا واحدا فى العامية : وللمخاطب خمسة فى الفصحى واثنين فى العامية وللغائب اربعة فى الفصحى وواحد فقط فى العامية ملخصا أربعة . . . فبقدر ما يرتفع العدد فى الفصحى يرتفع فى العامية ، وقد تكون اعتبرت الاهمية والحضور فى عملية التخاطب . اذ أن تقلص عدد ضمائر المخاطبة يجعل من العامية لغة تحاور وتخاطب أكثر منها لغة رواية وسرد ، فهى لغة الحاضر والآتى وما يحدث للانسان من الحاجة ، يعبر عنها لطرف موجود ماديا ، وليست لغة الذكريات والعواطف والمناجاة والمونولوغ والتدقيق والتفرقة بين الجنسين والاعداد ، بل هى لغة مختزلة مقتصدة العبارة والاسلوب .

وختاما نلاحظ أن نظام الازمنة فى العامية هو نفسه فى الفصحى ، ماض ومضارع وأمر ، ولا تغير العامية الا بعض المظاهر الشكلية كحذف النون فى المضارع المرفوع من الفعل المنسوب للجمع المخاطب والغائب .

اشترك في نشرتنا البريدية