الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

خضره

Share

كان جالسا وكانت جالسة وكان بينهما يفصل طلبة... بحر من الطلبة رؤوسهم منكسة عيونهم تلامس الاوراق

هي فى أول القاعة وهو فى آخرها ينفث دخان سجارته بينما كانت هي تمارس تمارين رياضية لشدقيها عن طريق علكة الشوينفوم ، قال في نفسه :

- ليتها أعارت جسمها شيئا من تلك التمارين . كان جسمها قد ترهل وتمدد بكل حرية وسط فستان ويالة من فستان ! لا شكل له وان كان له لون وكل مهمته تنحصر فى أن يحيط بهذا الجسم اللامحدود

لعن الحظ العاثر الذى جمع بينه وبين هذه الاطنان من اللحم الملفوفة وسط فستان . كانت حبات العرق تتلألأ على الجباه الشابة وفى اعماقه كانت تسيل حبات من العرق او الدمع لا يعلم ولكنها تسيل فى استسلام مقيت يبعث السامة والنفور أطل من النافذة أطال النظر حتى يتجنب ذلك الشعور ونسى

كانت الاشجار هناك في الفناء قد علت أغصانها خضرة . اغصان مشذبة بعناية بستاني ماهر واخذت الاوراق تتألق فوق الاشجار العارية والسماء البعيدة البعيدة كانت بحرا متجمدا من الفيروز أما الشمس فقد كانت ترسل اشعتها فى توثب فتصل الى القاعة الفسيحة وسرعان ما تلامس الاجساد الشابة فتنبعث رائحة العرق .

وقفت خلفه وطلبت منه بصوت هامس

- قلم من فضلك

التفت وقد مد يده الى جيبه يبحث عن القلم . وتوقفت الاصابع فى بحثها عن القلم بين الاوراق وحافظة النقود

- قلم من فضلك

ابتلع ريقه بشئ من الصعوبة كان الجسم أهيف والعينان فى خضرة الاوراق الغضة التى نبتت حديثا فوق الاغصان . عينان لهما شكل غريب بين الدائرى واللوزي والانف صغير مذيب أما الابتسامة فقد كانت برعما يتفتح . فوق حدود الوصف ليس فيها شئ مما عرف عن الابتسامات الساحرة الجذابة ولكنها كانت رغم ذلك ساحرة سحرا غير محدود غير معروف لم يتعود على مثله ولا ألفه ولكنه ألفه فجأة وخفق قلبه له وأحس بقطرات العرق تنضح فى أعماقه . أخرج يده من جيبه أدخلها فى جيب آخر أخرج منديلا مسح قطرات العرق فوق جبينه وفوق شاربه

كانت الابتسامة ما زالت ممدودة اليه ورن الصوت في عذوبة اللحن الموسيقى النادر او الابداع النغمى الذى لا يتكرر

- قلم من فضلك

- قلم - أ - قلم

حركت رأسها وترجرجت خضرة عينيها فى نزق الثدى البكر فأحس باهتزاز باطني . أسرعت اليد تبحث عن القلم وبرز بعد لحظات من التيه فى خضرة لا محدودة ولا ملموسة ولكنها مرئية تحفر فى الاعماق خضرة وترسم على الشفاه خضرة قال :

- أنت معنا فى القاعة ؟ _نعم منذ مدة ؟ . قبلك

قبلى ؟ وبعدك وبعدى

أخذت القلم من يده ولم تتحرك من مكانها بل وقفت تنظر اليه وتنقل بصرها بين خضرة الاشجار وزرقة السماء وشرعت أناملها تخط شيئا ما على الورق . مدت اليه بالورقة ظل مشدوها يتأمل الخضرة ...

وقف عمر بن الفارض فى ثوب من الصوف قد اشتد بياضه اشراقا وهو يقطع الارض عند سفح جبل المقطم وقف هنا وعيناه ما زالتا عالقتين بربى مكة وظلال الكعبة ينظر الى سماء القاهرة التى اشتدت زرقتها فاستحالت الى قطعة من الفيروز لا يعيرها الشيخ المديد القامة أى اهتمام فاعرض عنها ، وتاهت عيناه هناك وسمع صوته فى تهدج الذكر والوجد :

شربنا على ذكر الحبيب مدامة            سكرنا بها من قبل ان يخلق الكرم

قال وهو يحاول أن ينجو بنفسه من تلك الخضرة التى أخذت تغزوه فلا يستطيع منها مهربا فاستسلم لها فى رفق واستعذاب . وشعر بشمس المقطم تطوقه بأشعتها فتفرز من جمسه عصارته فيتأرجح بين الحلم واليقظة وهو فى حالة ليست بحالة النائم ولا اليقظان بل هى حالة بين الحالتين

- هون عليك يا ابا حفص فان لم تجاز بالكشف فقد كشفت عن خير ما فى النفس التى براها الرحمان

فوضع ابن الفارض يده على صدره وكانه يصد دماء فوارة لطعنة طائشة وترقرقت الدموع فى عينيه ثم انسابت فى غزارة على خديه حتى اختلطت ببياض لحيته وأشرق بالدمع .

قال : عفوا أبا حفص ما قصدت

رفع ابن الفارض يده عن صدره فاذا سائل أحمر يتدفق فوق عباءة الصوف وأتى على سمعه صوته واهنا متكسرا تمتزج فيه القوة بالضعف قوة الامواج الهادرة وضعفها وهي تتكسر على الصخور الصلدة

صفاء ولا ماء ولطف ولا هواء   وانوار ولا نار وروح ولا جسم

وتعالت خطاه وهو يهرول هاربا الى من لا مهرب الا اليه ، نظر الى ابن الفارض وتماوجت فى باصريه صحراء قاحلة جرداء ثم انطلقت من داخله فجأة خضرة أخذت تسيطر على الرمال المحرقة وامتدت الخضرة فكسست المفاوز والفيافي والقفار عشبا نظر الى ذات العينين الخضراوين اللوزيتين وضم الصورة الى صدره فى شوق وعشق اتجه الى الطلبة انحني عليهم جمع الاوراق واتجه الى النافذة . فتحها وأطل من الطابق الثاني كشف أبو حفص من صدره فاذا الدماء تتدفق كالسيل العاتي فتروي الرمال والبيد وتكسو العشب فاذا لونه لا هو بالاحمر ولا بالاخضر بل هو مزيج من هذا وذاك ونمت الاعشاب سريعا وارتفعت على سوقها

حقل سنابل غريبة حبلى بحبات غريبة . أحاطت به فكادت توارى عنه قرص الشمس المنداحة فى الافق فصاح جزعا :

- ادركني يا أبا حفص

والق بنفسه من الطابق الثائر والأوراق تحت ابطه أسرع الطلبة يطلون من النافذة وألقوا بأنفسهم فتلقفتهم شباك خضر أخذت ترتفع وترتفع بها نحو ذلك البحر المتجمد من الفيروز حتى اختفوا خلف اموجة الزاخرة وسال صوت ابن الفارض واهنا حزينا منقطعا جدولا صغيرا تائها شريانا مصفودا

وعندى منها نشوة قبل نشأتى    معي ابدا تبقى وإن بلى العظم

والسيدة ما زالت هناك على المنضدة تطل بعينيها الكبيرتين من وراء زجاج نظارة سميك . وجسمها المترهل الذى ملأ الفستان أخذ يتمدد ويتمدد حتى ملأ القاعة . ودق الجرس فدخل المشرف على الامتحانات بجسمة النحيف وعينيه الناتئتين وبدلته الانتيقة بارز الاسنان كوحش من ورق يثير الضحك ولا يبعث الرعب فغرق فى الامتلاء الذى غمر القاعة وأصابته اغماءة فحملته السيدة الوقور بين ذراعيها فتحت الظرف الكبير ووضعته مكان الاوراق واحكمت الغلق عليه بالغراء وتهادت تحمله وتنزل به الدرج وجسمها يترجرج وعلت أصوات كالجوقة آتية من بعيد لها :

- مسحة خضراء متشابكة كتشابك الاغصان :

شربنا على ذكر الحبيب مدامة       سكرنا بها من قبل ان يخلق لكرم

اشترك في نشرتنا البريدية