) نحلى جيد هذا العدد من " المنهل " بتسجيل الخطاب التاريخي الخالد الذى القاه حضرة صاحب السمو الملكي الأمير " فيصل " المعظم فى شهر المحرم ١٣٦٨ بمنظمة الأمم المتحدة بباريس ، دفاعا مجيدا من سموه العظيم عن عروبة فلسطين التالدة الخالدة
حضرة الرئيس _حضرات المندوبين المحترمين :
كنت أود أن يكون بيننا اليوم المأسوف عليه الكونت برنادوت ليسمع بنفسه انتقادنا لمشروعه ، ولنسمع منه ما لم نستطع ان نفهمه من تقريره ولكن شاء القدر ان يكون ضحية لأولئك الاشرار المعتدين الذين لا يشبع اطماعهم شىء " ان المهمة التى القيت على عاتق الوسيط الراحل مهمة سهلة وعسيرة فى وقت واحد . . سهلة إذا كان الحق والعدل هو الضالة المنشودة ، ولكن الوسيط
ليس قاضيا ولا حكما ، حتى يتحرى العدل والحق فى حكمه ، ولذا فان المهمة
التى عالجتها بريطانيا خلال ثلاثين عاما والتى فشلت فى حلها - وهى الدولة المشهورة بحل المشكلات وتذليل العقبات لا يدهشنا ان يفشل الكونت برنادوت في حلها فى اسابيع
" ان هذا المشروع الذي امامنا ما هو الا محاولة للتوفيق بين المعتدى المغتصب وصاحب الحق ، وهذا لا يتم الا بتنازل صاحب الحق عن حقه كله او بعضه ، وهو ما تحاول بريطانيا وامريكا اغراء العرب بقبوله ، ولكن العرب لم يقبلوا ولن يقبلوا التنازل عن شبر من بلادهم فالبلاد ليست ملكا لهذا الجيل الحاضر بل هى لجميع الاجيال القادمة . . لقد سمعنا بعض مندوبى الدول الذين اتعبهم طول النقاش فى هذه المسألة يقولون ان تقسيم فلسطين هو أمر واقع وان اسرائيل المزعومة موجودة بالفعل كما سمعنا ممثل اليهود يصرخ بان اليهود قد ضحوا كثيرا بقبول مشروع التقسيم انهم يرون أن على العرب أن يشكروهم على هذه التضحية كما يشكر اللص على سرقة بعض محتويات البيت اذا فشل فى سرقة كل ما فى البيت ! ان موقف البلاد العربية السعودية من هذا المشروع هو نفس موقفها من مشروع التقسيم الاول فهو تقسيم فى صورة أخرى . إن الجمعية العمومية للامم المتحدة لا تملك هذا الحق ، وقد راينا فى السنتين الماضيتين دولا كبرى وصغرى تهمل توصيات الجمعية العمومية بل وتحتج عليها فكيف تريدون ان نقبل التنازل عن قسم من اراضينا لقوم اجانب اجتمعوا من اقطار وتواطؤا فيما بينهم على غزو بلاد غيرهم بتشجيع من بعض الدول الكبرى على هذا الاعتداء الاثيم إنه لن يقت فى عضدنا ولن يثنينا عن عزمنا ولن يضعف من مقاومتنا انضمام بريطانيا اليوم الى معسكر الباطل المغتصبين ، إن الباطل باطل مهما كثر جنوده ومؤيدوه ، والحق حق وان قل ناصروه "
" اننا لا نزل نثق فى الضمير الانسانى وبان نشر السلام واستتباب الامن لا يكون بفرض الظلم على الامم والشعوب . . تذكروا ايها السادة أنكم تشتغلون بوضع حقوق الانسان فى الوقت الذى تحرمون الشعوب من حقوقها الشرعية وتجبرونها على انتزاع بلادها منها ! . . إنه ليدهشنا ان تقف بريطانيا الموقف الجديد بعد ان صرح مندوبها المرة بعد الاخرى انها لا تقبل تقسيما أو حلالا يرضى به الفريقان ، فما بالها قد غيرت خطتها اليوم ؟ نعم انه ليدهشنا ان تقف بريطانيا هذا الموقف فى بلد ليست لها بعد ان زرعت هذا السرطان فيها ، وبعد ان اصابها هى نفسها من شره ما أصابها ، فهل هذه هى خاتمة العهود
والوعود الدولية ؟ وهل فى صك الانتدب القديم ما يجيز التقسيم ؟ لقد كادت بريطانيا بالامس تشن الحرب على جمهورية هندوراس لانها طالبت بهندوراس البريطانية وخصوماتها مع شيلى والارجنتين على بعض جزر القطب الجنوبي لا تزال عالقة بالاذهان ؛ فلماذا الغت بريطانيا وازبدت حين طلبت هذه الدول ما طلبت مع ان هذه البلاد لا يسكنها عدد يذكر من البريطانيين ولقد كان العالم وما يزال معجبا بالبريطانيين والروس والامريكان لانهم لم يحنوا رؤسهم لهتلر ولم يقبلوا الصلح مع المعتدى وموقف العرب اليوم لا يختلف عن موقف هؤلاء بالامس . . ان العرب يرفضون تقسيم فلسطين على اى صورة كانت لانهم يعتقدن ان وجود دولة اجنبية فى عقر ارضهم خطر عليهم جميعا ، وقد ابتدأ اليهود اعمالهم بتشريد اكثر من نصف مليون ، من السكان ، مما خلف للبلاد العربية المجاورة مشاكل اقتصادية وسياسية . . ويؤسفى أن أقول إن الوسيط لم يتناول فى تقريره ما ارتكب اليهود من فظائع فى ( دير ياسين ) وغيرها من قتل النساء والاطفال وحرق القرى والمزارع ، وهذا لا يعتبر انصافا للحقائق إذ يجب ايها السادة ان تعرفوا من هؤلاء الذين تريدون ان تؤسسوا لهم دولة . ؟ وانه ليدهشنا ان يحاول بعض من لهم مصالح أن يقنعونا بان اقتراح الوسيط فى صالحنا ! . ماذا يكون موقف أحدكم إذا اقتطع قسم من داره وأعطى للغير ، ثم طلب منه ان يرضى ويقنع بهذا الاقتطاع أيوافق على ذلك ؟ ليست فلسطين هى البلدة الوحيدة فى العالم التى توجد فيها أقليات فكل بلد من بلادكم أيها السادة كبر او صغر يحوى أقليات ، فهل تسمحون لتلك الاقليات ان تقتطع قسما من بلادكم لتكون لها دولة مستقلة ؟ إن العرب لم يكونوا معتدين فى التمسك بحقوقهم أما التنازل عن قسم من فلسطين فلم يولد العربى الذى يقبل هذا التنازل .
" حضرات المندوبين : ماذا فعلت الامم المتحدة فى قتل وسيطها ؟ أليست هذه الطعنة طعنة فى قلب الامم المتحدة ؟ مالنا لا نسمع مندوب امريكا يتحمس لمقتل هذا الرجل البرئ وقد كان يتحمس بالامس لاقل شىء ؟ ماذا يحدث لو أن قتلة هذا الرجل ) لا قدر الله كانوا من العرب ؟ لوحدث هذا لرأينا العالم يقوم ضدنا ويتهمنا بالوحشية اما اليوم فلم نسمع الا نفرا قليلا تأخذهم الحمية على هذه المؤسسة . أى كرامة بعد هذا للامم المتحدة ؟ ولماذا تطلبون من العرب بعد هذا احترام القرارات ؟ !
لقد فرضت الهدنة فى فلسطين من هذه الموسسة رغبة فى حقن الدماء ، ولكن هذه الهدنة ، لم تحترم ( من جانب اليهود ) فى وقت من الاوقات بل اتخذها هؤلاء ستارا لجلب الاسلحة والذخائر والطيارات والمدمرات من تشكوسلوفاكيا وغيرها من دول اوربا الوسطى . . إنه لم يصبح سرا الاتصال الوثيق بين تشيكوسلوفاكيا التى أصبحت الجسر الموصل بين شرقى أوربا وبين تل أبيب ، فقصة الطيار الامريكي الهارب من تل أبيب قد نشرتها الصحف ، فاين هذا من السلام الذي ينشده العالم ؟ وهل بهذه الأساليب يراد نشر السلام فى فلسطين فإنه لم يعد خافيا بعد تصريح وزير الصحة التشكوسلوفاكى أن حكومته تمد اليهود بالسلاح والمهمات الحربية وهي تعلم تمام العلم بقرار مجلس الامن الذى فرض الهدنة فى فلسطين . فهل بهذه الامدادات الحربية والمساعدات التى ترسل تباعا على مشهد من الدول الكبرى ومراقبي هيئة الامم يستتب الامن والسلام ؟ وأين أمريكا اليوم أمريكا التى كانت تريد فرض العقوبات على العرب وتتهمهم بشتى التهم مالنا نراها ساكتة اليوم ! . . إذا كنتم أيها السادة تريدون نشر السلام فى بلد السلام فقاوموا التقسيم على صوره المختلفة ، فان التقسيم هو الذي سينشر الخصام ويزعزع أركان السلام
هذا ايها السادة موقف العرب اليوم ، وموقفهم غدا . . وللقوة أن تفعل ما تشاء " .
