الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

خطاب، ممتع ، قيم

Share

" فيما يلى ننشر الخطاب القيم الجامع الذي امتع به الاسماع والأذهان حضرة الأستاذ المربى عبد العزيز سلامة ، رئيس بعثة الأساتذة الجامعيين المصريين ، وذلك في الحفل البهيج الذي أقامه أعضاء البعثة الجامعيون ، والأزهريون بفندق مصر في مكة المكرمة ، تكريماً للدكتور طه حسين رئيس المؤتمر الثقافي لجامعة الدول العربية "

سيدى الأمير الوزير - سيدى الدكتور حضرات السادة

حبيب إلى نفسى أن أقف بينكم لأعبر عن شعورى ، وشعور زملائى أعضاء البعثة التعليمية المصرية ، بالمملكة العربية السعودية ، نحو ضيوفنا وأساتذتنا أعضاء اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية ، وعلى رأسهم الدكتور طه حسين .

وإني فى موقفى هذا أشفق على نفسى إذا تحدثت عن أستاذ الأساتذة بكلماتى وعبارانى المتواضعة ، وإنما يقلل من هذا الإشفاق ، ظنى أنه سيعتذر عني لنفسه . إن جف قلمي أو قصر تعبيري.

أستاذي أحمل اليك والى أصحابك الأمجاد تحياتى وتحيات إخوانى أعضاء البعثة التعليمية المصرية فى هذه البلاد وإنها لفرصة سعيدة اذ نتحدث اليكم فى هذا البلد الأمين ، حيث نؤدى رسالة اعتقد جازما أنها من صميم رسالتكم ، واعتقد جازما انها تلتقي وأهدافكم التى تعملون لها طوال

حياتكم ، فنحن جنودكم الدائمون ، الموكول اليهم تعليم النشء تعليما عربيا شرقيا ، يجمع بين العروبة العامة والبيئة الخاصة ، ويسعدنا أن نتحدث هنا إلى نشء هذه البلاد وإن يتحدثوا إلينا ، ويسعدنا أن نلتقي بشباب البلاد الناهض فنبادلهم الرأى ويبادلوننا ، ويسعدنا ويسرنا أن القائمين بأمر الثقافة والتعليم عنا يقدروننا قدرنا ، ويحمدون لنا عملنا ويهيئون لنا الظروف التى تساعدنا

على آداء رسالتنا . ويبذلون قصارى جهدهم لينهضوا ببلادهم نهضة علمية مباركة ، ونحن معهم إخوان وأعوان ، نهدف إلى ما يهدفون ونشعر بما يشعرون

ونحن إذ نؤدى رسالة ثقافية موفدين لأجلها من جانب الحكومة المصرية نلتقي بعملنا هذا والمجهودات التى تبذلها لجنة الثقافة بجامعة الدول العربية ، فنحن جميعا نؤدى رسالة متحدة الاهداف ونحن اذ نؤدى هذه الرسالة فى المملكة العربية السعودية فأنما نؤديها كاملة غير منقووصة ، ما شعرنا بأننا نقلنا من بلد الى بلد ، بل شعرنا وأحساسنا أننا لا نزال فى موطننا نتعامل مع أبنائنا ومع إخواننا وهذا الشعور وهذا الإحساس يدفعنا دفعا إلى أن نهب أعمالنا قلوبنا . . وأرواحنا وإخلاصنا ، والله معنا يسدد خطانا . .

هذه رسالتنا أيها السادة فى هاته البلاد وأرانى لست بحاجة الى تفصيل مجهودات أستاذ الجيل ، الدكتور طه حسين في هذا المضمار فقد رأيناه يهدف الى تعاون عربي غربى ، يسبقه اتحاد ثقافى عربى ، ثم هو أولا وقبل كل شئ يهيئ نفسه لهذا الهدف ، فقد بدأ حياته طالبا ، ثقافته دينية ، قرآنية ، عربية ، وهى فى ذلك لا تتصل بالثقافة الاجنبية ، لا من قريب ولا من بعيد ، ولكنه لا يكتفى بهذا القدر من الثقافة كغيره من طلبة العلم ، بل يضيف إليها ثقافة جامعية مصرية ثم ثقافة جامعية غربية بكل ما تحتوى من مزايا .

هذه الدراسات المتماوجة في ذهن الدكتور طه حسين ، كونت شخصيته وثبتت مبادئه ، فتلقاها تلامذته الكثيرون فأذاعوها ونشروها .

رأيناه أستاذا جامعيا ، فعالما شرقيا ثم أديبا عالميا ، تتمنى جامعات الشرق محاضرة من محاضراته ، وتفخر جامعات الغرب إذ تفوز بحديث من أحاديثه أو درس من دروسه

حبه لمصر وإخلاصه لوطنه ، لم ينسبه أن الثقافة لا وطن لها ، فلم يقف عند حدود مصر ، ينشر ما ينشر ويكتب ما يكتب ، بل تعدى هذه الحدود ليكون النفع به أتم ، والتعاون العربى أقرب .

وكثيرا ما دعا وهو أستاذ   فى الجامعة المصرية إلى الأخذ بنصيب من الثقافات الأجنبية العالية حتى يتسنى للشرق متابعة النهضة الحديثة ، ولا يتسنى له الانتفاع بتلك الثقافة الغربية إلا إذا سبقتها الخطوة الاولى ، وهي توحيد الثقافة ونشرها فى البلاد العربية .

فإذا سنحت له الفرصة ، وكان  الامر بيده ، بدأ بتنفيذ فكرته عملا لا قولا ، نراه فى الجامعة - عميدا ومديرا - يحطم القيود الكثيرة المضروبة حول كليات الجامعة المصرية ليقبل طلاب البلاد الشرقية بالكليات التى يرغبون فيها مهما أخطأتهم أو تخطتهم شروط القبول .

ويتولى الإدارة العامة للثقافة بوزارة التربية والتعليم ، ثم يصبح مستشارا فنيا لهذه الوزارة ، ثم وزيرا لها ، فاذا بنا نرى الثقافة لا تقف عند حد

التعاون الشرقي ، بل يدخل فى حسبانها ونطاقها التعاون الغربي

وتنتهز هذه الفرصة الدول العربية فتنهال عليه بطلبات لا عد لها ، ترغب فى إيفاد مدرسين إلى تلكم الاقطار ، فيجيب الرغبة كاملة - بالغة ما بلغت - بل يزيد على ذلك تكليف الحكومة المصرية أن تتحمل مرتبات المدرسين أو بعضها ، فى بعض الدول

ويعتب عليه العاتبون فى تصرفه بالجامعة ان آثر أبناء الاقطار الشقيقة على أبناء مصر ، فما يزيده ذلك إلا سيرا حثيثا نحو غاية من الروابط الثقافية ، كان يراها العاتبون وهماً أو خيالا ، وكان يراها هو بثاقب نظرته حقيقة واقعة .

واليوم قد صدقت فراسته ، وأصابت نظراته ، وتحققت رغبته ، ويخالفه المخالفون فى إعارة المدرسين ويجادلونه فى أن مصر بحاجة إليهم ، فكيف نعير والمدرسة المصرية أولى وأحوج ، فيجيب بلسان الحال : أننا تؤثر على أنفسنا ولو كانت بنا حاجة لأن المدرس المصرى الذى يعمل بوطنه يؤدى عملا ، والذي يعمل في غير وطنه يؤدى عملين ، وسترد إلينا فى يوم من الأيام ، الفائدة فائدتين والنفع نفعين ، والجميل جميلين والبضاعة بضاعتين .

ولم تقتصر جهوده فى هذا السبيل إلى هذا الحد ، بل تلك كتبه بين أيدينا وفى أيدى طلابنا ، نقرؤها فى مصر وفى غير مصر - هذه الكتب تعطينا صورة واضحة عن الدكتور طه حسين أدبه ومبادئه - تعطينا صورة عن ثقافته العربية الصرف ، وعن ثقافته

الغربية الصرف ، وعن ثقافته التى لا هى شرقية ولا غريبة ، بل مزيج من هذا وذاك .

تجد طلبتك من كتبه أينما كنت ، وحيثما كنت ، تستطيع أن تقرأ له أدبا عربيا مصريا ، وتستطيع أن تقرأ له أدبا عربيا شرقيا ، وتستطيع أن تقرأ له أدبا يونانيا او إنجليزيا او فرنسا ، وهو فى كل ذلك كاتب يارع فذ .

سادتى ما هذه الاجتماعات الكبرى التى تعقدها اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية في عواصم الأقطار الشرقية توحيدا للثقافة ، وتدعيما للوحدة ، وتوجيها وإرشادا - ما هى إلا تجاوب لهذه الأفكار التى طالما نادى بها المخلصون وأولهم وأولاهم الدكتور طه حسين

سادتى : حياكم الله وأمدكم بنور من عنده ، ووفقكم فى حلكم وترحالكم وسدد خطاكم فى تدعيم أواصر المحبة والإخاء بين أبناء العروبة ، فأنتم رجال اللغة والأدب ، والعلم ، الذين نعقد عليهم الآمال الواسعة فى هذا السبيل ولنا ولكم أسوة حسنة ومثل عال فى قائد هذه البلاد وراعي نهضتها جلالة الملك سعود بن عبد العزيز ، حفظه الله وأبقاه ذخرا للعروبة والإسلام

وأن النهضة الطيبة المباركة الميمونة التى نراها فى المملكة العربية السعوية الآن فى شتى نواحيها - إنها مدينة بوجودها لجلالته وجلالة والده العظيم رحمه الله - إذ هي وليدة توجيهات سامية وإرشادات خالصة من قلب

عامر بالإيمان ، وأن أنظار المسلمين فى كافة الأقطار لتتوجه إلى جلالته مؤملة على يديه الخير والإسعاد للأسلام والمسلمين.

وإنه بفضل رعايته الحكيمة لشعبه وحبه لوطنه سوف تصل بلاده فى القريب العاجل إن شاء الله إلى ما تصبو إليه نفوس العرب جميعا من عز وتقدم وسلام.

وإن حكومة هذه البلاد الموقرة بما جمعت من أمراء ووزراء وعلى رأسها صاحب السمو الملكى الامير فيصل ولى العهد ، تبذل فى سبيل النهوض بهذه البلاد جهدا مشكورا وتضحيات كبيرة ، ويتعهدها سموه بما عرف عنه من ثاقب الرأى ، وبعد النظر وواسع الخبرة ، واتساع الافق ، وهى بحمد الله بما فيها من تعاون وثيق بين أصحاب السمو الأمراء والوزارء تسير بخطى واسعة موفقة نحو التقدم والعلا ،

وحيا الله حضرة صاحب السمو الملكى الأمير فهد بن عبد العزيز وزير المعارف . وألهمه السداد والتوفيق فى مشروعاته التعليمية التى سوف تنهض بالتعليم فى المملكة العربية السعودية .

وأن إيمانه القوى بأن التعليم هو أولى الدعائم التى عليها يبنى مجد الوطن . . يجعله دائم التفكير فى كل ما يسير به قدما نحو الأمام.

واني بلسان أعضاء البعثة التعليمية المصرية أقدم . لسموه جميل الشكر وعاطر الثناء ، كما أتقدم بالشكر الى رجاله العاملين في وزارة المعارف

وتحياتنا الخالصة نزجيها إلى وفد مصر وعلى رأسه أستاذنا الجليل امين الخولى المدير العام للثقافة بوزارة التربية والتعليم ، وندعو له بالتوفيق فى هذا المنصب الجديد الذي يعتبر الدعامة . .

وإنى أختتم كلمتى بتقديم تحياتنا إلى وفد المملكة العربية السعودية وعلى رأسه الأستاذ ناصر المنقور ، وإلى وفد سوريا وعلى رأسه الدكتور عبد الهادى هاشم ، وإلى وفد الأردن وعلى رأسه الأستاذ سعيد دره وإلى وفد لبنان وعلى رأسه الاستاذ غالب الترك . . وإلى وفد اليمن وعلى رأسه الأستاذ أحمد زبارة

والله نسأل أن يوفق الجميع إلى ما فيه رقى البلاد العربية حتى تتبوأ المكانة الرفيعة التى تستحقها بين دول العالم والسلام عليكم ورحمة الله

اشترك في نشرتنا البريدية