فى الحفل العلمي التكريمي الذي اقامه فضيلة الشيخ محمد حسين نصيف بجدة لفضيلة الشيخ محمد البشير الابراهيمي ارتجل فضيلة الشيخ البشير خطابا اسلاميا رائعا جامعا واستمر فى القائه زهاء الساعة . وقد استهل فضيلته الخطاب الباهر بالقول : " إن هذه الحفلات التى تقام لتوديع الاصدقاء او لاستقبالهم ، وغير هذا من المناسبات الاجتماعية هي من دواعي الفطر السليمة والنفوس الكريمة ، وان الصداقة تخمد ، والمودة قد تركد ، وانما يصقلها ويجددها مثل هذه الحفلات . وعطف على ذلك مشيدا بان اقامة هذه الحفلات ليس من ابتكار المدنية الغربية ، وانما قد سبقتهم اليها مدنية الاسلام ، وان الذين ابتكروها هم الاسلاف من اهل الاندلس ، وقد سموها ( صنيعا ) . وافاض الاستاذ الجليل فى اشتقاق هذه الكلمة فاوضح انها من الاصطناع ، واستطرد من هذا المعنى الى معانى الصنيع الآخر ، وافاض فى تحليلها تحليلا ممتعا عميقا رائعا ،
وانتثنى بعد ذلك الى تقسيم " رؤوس الاموال " الى نوعين ، احدهما مادى والآخر معنوى ، ونوه بانه لو خير الرجل الموفق بين هذين النوعين لما اختار المادة وان تعرضت بزخارفها ذلك فى الاغلب الاعم ، وانما يختار العاقل الموفق اقوات الأرواح ، لأن الموفقين يدركون ان رؤوس الاموال المادية كرؤوس الشياطين ترتفع قرونها للفساد والشر والفتنة غالبا . وقال : ان رؤوس الاموال الضخمة فى عصرنا اصبحت مصدر شقاء عام .
وأثنى على من حضروا هذا الاحتفال البهيج ، لانهم انساقوا اليه تحت عامل واحد هو عاطفة الصفاء والمودة الخالصة من شوائب المادة الرعناء .
وتسرب من هذا المعنى الى تحليل معاني الصداقة فقال : انى افهمها امتزاجا فطريا تسببه أسباب خفية المأرب الى الجبلة الأولى ، ولذلك فان الصداقة الصادقة لا تنتهي بعداوة ، فاذا رأينا صديقين انتهت صداقتهما الى عداوة فهمنا انها ليست بصداقة ، انما هي تجارة تتأثر بالربح والخسارة .
ومضى فضيلته يقول : لقد سمعت كلمات من بعض خطباء هذا الحفل وانا غير راض بها ولا عنها : وانا كنت ومازلت احارب هذه الالقاب ، وقد سمعنا من شوقى قوله : ( إذا كثر الشعراء قل الشعر ) وعلى هذا الوزن يصح ان نقول : ( إذا كثر المجاهدون قل الجهاد ) . . ان المجاملات لا تكون الا حيث يكون الضعف ، وان هذه الالقاب لا تتمكن الا حيث تفقد المناعة الخلقية المتينة ، ولذلك لا نجدها عند اسلافنا الذين قوى فى نفوسهم سلطان الاخلاق ، وما نبتت هذه المجاملات الا فى العصور الاسلامية المتأخرة حينما وقف تيار العلم والخلق ، وضعفت دولة السيف والقلم ، فادتهم هذه الحالة الى التمجد الاجوف بالكلمات الضخمة الجوف ، ولذلك كثرت الألقاب وصرنا نسمع هذه ( الطغراء ) : " الكاتب الكبير ، المجاهد العظيم ، الزعم الكبير "
انني لم اكن مجاهدا ، واذا كنته ففي شئ واحد هو محاربة البدع والضلالات ومحو الامية ، وتعليم الامة ، وهذه الامور عادية لا ترفع القائم بها الى مستوى الجهاد
وحقا ان الالقاب التي اعتدنا استعمالها انما هي ( طغراءات ) جوف لا تحقق امنية ، ولا تؤدى الى غاية شريفة .
ثم ترحم الشيخ على الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله ، وقال : انه كان اماما فى العلم والتواضع ومع ذلك فما كان اخوانه يخاطبونه بشئ من ألقاب الزعامة الفضفاضة واهاب بالحاضرين ان يتواصوا بحمل امانة العلم بحقها ومستحقها ، واهاب بهم ان يتحدوا وان يوحدوا الخطط والاهداف ، وان يكون سعيهم منصبا على ترقية الروح والمعنويات . . وقد انتقد فضيلة الخطيب المفوه اولئك العلماء الذين يعنون بتعليم الكبار ويهملون امر الصغار ، وقال : ان الكبار خشب جف ، وان الصغار قابلون للتعلم فعلينا ان نعلمهم اذا اردنا شمول الاصلاح فى بلادنا المتخلفة . واشار الى الشيخين الحاضرين : محمود شويل ، حسونة البصطي وقال : انهما صديقاي القديمان ، وقد تعارفنا منذ اربعين عاما فى المدينة ، وتنازعنا كؤوس الأدب مترعة ، وكنا نزجى حياة الأمل للمسلمين ، ولكن ما استيقظنا الا ونحن اشتات متفرقون حتى اجتمعنا بعد طول الغياب ، لقد كنا قبل شبانا ، واجتمعنا شيبا الآن .
هذا وقد استحسن فضيلة الخطيب ان يتخاطب المسلمون فيما بينهم بكلمة " الأخ " أخذا من قوله تعالى : ( انما المؤمنون اخوة ) .
ثم شكر فضيلته فضيلة الشيخ محمد نصيف على اقامته هذا الحفل الزاهر ، وقال فى هذا المعنى : " ومن غير الشيخ محمد نصيف يجمع عالما فى دار ؟ ومن كان مثله لا يجمع كنزا فى جدار وان دار الشيخ نصيف العامرة لم تبرم بنا ولم تضجر فاعانك الله على هذا الجند ايها الشيخ الحصيف الكريم " .
ثم قال : ولا ريب ان اخانا وشيخنا محمد نصيف هو بركة الحجاز وموئل الحجاز ، وهو الذي نشر السلفية بما اتفق من مال وكتب ، رضي البال . . وجمعية العلماء بنفسها مدينة له ، فان الكتب السلفية لم تصلنا الا عن يده .
وقال : انى كنت قلت فى الشيخ نصيف ابياتا منها :
قل للذى عاب الحجا ز وجانب المثل الحصيفا
هيهات لست ببالغ مد الحجاز ولا ( نصيفا )
واختتم خطابه النفيس الجامع بشكر الحاضرين ، من علماء وصحافيين واعيان وفضلاء
