الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

خطاب اسلامي جامع

Share

فى الحفل العلمي التكريمي الذي اقامه فضيلة الشيخ محمد حسين نصيف بجدة لفضيلة الشيخ محمد البشير الابراهيمي ارتجل فضيلة الشيخ البشير خطابا اسلاميا رائعا جامعا واستمر فى القائه زهاء الساعة . وقد استهل فضيلته الخطاب الباهر بالقول : " إن هذه الحفلات التى تقام لتوديع الاصدقاء او لاستقبالهم ، وغير هذا من المناسبات الاجتماعية هي من دواعي الفطر السليمة والنفوس الكريمة ، وان الصداقة تخمد ، والمودة قد تركد ، وانما يصقلها ويجددها مثل هذه الحفلات . وعطف على ذلك مشيدا بان اقامة هذه الحفلات ليس من ابتكار المدنية الغربية ، وانما قد سبقتهم اليها مدنية الاسلام ، وان الذين ابتكروها هم الاسلاف من اهل الاندلس ، وقد سموها ( صنيعا ) . وافاض الاستاذ الجليل فى اشتقاق هذه الكلمة فاوضح انها من الاصطناع ، واستطرد من هذا المعنى الى معانى الصنيع الآخر ، وافاض فى تحليلها تحليلا ممتعا عميقا رائعا ،

وانتثنى بعد ذلك الى تقسيم " رؤوس الاموال " الى نوعين ، احدهما مادى والآخر معنوى ، ونوه بانه لو خير الرجل الموفق بين هذين النوعين لما اختار المادة وان تعرضت بزخارفها ذلك فى الاغلب الاعم ، وانما يختار العاقل الموفق اقوات الأرواح ، لأن الموفقين يدركون ان رؤوس الاموال المادية كرؤوس الشياطين ترتفع قرونها للفساد والشر والفتنة غالبا . وقال : ان رؤوس الاموال الضخمة فى عصرنا اصبحت مصدر شقاء عام .

وأثنى على من حضروا هذا الاحتفال البهيج ، لانهم انساقوا اليه تحت عامل واحد هو عاطفة الصفاء والمودة الخالصة من شوائب المادة الرعناء .

وتسرب من هذا المعنى الى تحليل معاني الصداقة فقال : انى افهمها امتزاجا فطريا تسببه أسباب خفية المأرب الى الجبلة الأولى ، ولذلك فان الصداقة الصادقة لا تنتهي بعداوة ، فاذا رأينا صديقين انتهت صداقتهما الى عداوة فهمنا انها ليست بصداقة ، انما هي تجارة تتأثر بالربح والخسارة .

ومضى فضيلته يقول : لقد سمعت كلمات من بعض خطباء هذا الحفل وانا غير راض بها ولا عنها : وانا كنت ومازلت احارب هذه الالقاب ، وقد سمعنا من شوقى قوله : ( إذا كثر الشعراء قل الشعر ) وعلى هذا الوزن يصح ان نقول : ( إذا كثر المجاهدون قل الجهاد ) . . ان المجاملات لا تكون الا حيث يكون الضعف ، وان هذه الالقاب لا تتمكن الا حيث تفقد المناعة الخلقية المتينة ، ولذلك لا نجدها عند اسلافنا الذين قوى فى نفوسهم سلطان الاخلاق ، وما نبتت هذه المجاملات الا فى العصور الاسلامية المتأخرة حينما وقف تيار العلم والخلق ، وضعفت دولة السيف والقلم ، فادتهم هذه الحالة الى التمجد الاجوف بالكلمات الضخمة الجوف ، ولذلك كثرت الألقاب وصرنا نسمع هذه ( الطغراء ) : " الكاتب الكبير ، المجاهد العظيم ، الزعم الكبير "

انني لم اكن مجاهدا ، واذا كنته ففي شئ واحد هو محاربة البدع والضلالات ومحو الامية ، وتعليم الامة ، وهذه الامور عادية لا ترفع القائم بها الى مستوى الجهاد

وحقا ان الالقاب التي اعتدنا استعمالها انما هي ( طغراءات ) جوف لا تحقق امنية ، ولا تؤدى الى غاية شريفة .

ثم ترحم الشيخ على الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله ، وقال : انه كان اماما فى العلم والتواضع ومع ذلك فما كان اخوانه يخاطبونه بشئ من ألقاب الزعامة الفضفاضة واهاب بالحاضرين ان يتواصوا بحمل امانة العلم بحقها ومستحقها ، واهاب بهم ان يتحدوا وان يوحدوا الخطط والاهداف ، وان يكون سعيهم منصبا على ترقية الروح والمعنويات . . وقد انتقد فضيلة الخطيب المفوه اولئك العلماء الذين يعنون بتعليم الكبار ويهملون امر الصغار ، وقال : ان الكبار خشب جف ، وان الصغار قابلون للتعلم فعلينا ان نعلمهم اذا اردنا شمول الاصلاح فى بلادنا المتخلفة . واشار الى الشيخين الحاضرين : محمود شويل ، حسونة البصطي وقال : انهما صديقاي القديمان ، وقد تعارفنا منذ اربعين عاما فى المدينة ، وتنازعنا كؤوس الأدب مترعة ، وكنا نزجى حياة الأمل للمسلمين ، ولكن ما استيقظنا الا ونحن اشتات متفرقون حتى اجتمعنا بعد طول الغياب ، لقد كنا قبل شبانا ، واجتمعنا شيبا الآن .

هذا وقد استحسن فضيلة الخطيب ان يتخاطب المسلمون فيما بينهم بكلمة " الأخ " أخذا من قوله تعالى : ( انما المؤمنون اخوة ) .

ثم شكر فضيلته فضيلة الشيخ محمد نصيف على اقامته هذا الحفل الزاهر ، وقال فى هذا المعنى : " ومن غير الشيخ محمد نصيف يجمع عالما فى دار ؟ ومن كان مثله لا يجمع كنزا فى جدار وان دار الشيخ نصيف العامرة لم تبرم بنا ولم تضجر فاعانك الله على هذا الجند ايها الشيخ الحصيف الكريم " .

ثم قال : ولا ريب ان اخانا وشيخنا محمد نصيف هو بركة الحجاز وموئل الحجاز ، وهو الذي نشر السلفية بما اتفق من مال وكتب ، رضي البال . . وجمعية العلماء بنفسها مدينة له ، فان الكتب السلفية لم تصلنا الا عن يده .

وقال : انى كنت قلت فى الشيخ نصيف ابياتا منها :

قل للذى عاب الحجا          ز وجانب المثل الحصيفا

هيهات لست ببالغ            مد الحجاز ولا ( نصيفا )

واختتم خطابه النفيس الجامع بشكر الحاضرين ، من علماء وصحافيين واعيان وفضلاء

اشترك في نشرتنا البريدية