ألقى جلالة الملك فيصل المعظم خطابا اسلاميا هاما فى الحفل الكبير الذي أقامته مؤسسة النقد العربى السعودى مساء يوم الثلاثاء الماضى بمناسبة تقديم تقريرها السنوى السابع للفيصل . . فيما يلى نصه :
اخواني وضيوفنا الكرام ، احييكم تحية الاسلام وادعو الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا جميعا في اعمالنا واقوالنا لما يرضى وجهه الكريم وما فيه صالحنا جميعا .
ايها الاخوة : لقد تفضل سعادة المحافظ وطلب مني القاء كلمة وفي الحقيقة ان سعادته في كلمته لم يترك لى اى شئ يمكن ان اضيفه على ما ورد في خطابه ولكنني احب أن ابين اننا اذا وفقنا بنعمة من الله سبحانه وتعالى الى سلوك السبل المؤدية إلى الخير لديننا وامتنا ووطننا فانما نعتبر ذلك كرما منه سبحانه وتعالى وفضلا انعم بهما علينا اذ وفقنا إلى ان نسير فى السبل الصحيح الذي يستهدف خير المجموعة وجلب الرخاء والاطمئنان والحرية والكراهة لمواطنينا الاعزاء ولكل فرد من ابناء الامة العربية الاسلامية .
واننا في نفس الوقت الذى ندعو فيه امتنا الاسلامية الى ان تتكاتف وتسعى الى ما فيه خيرها وعزتها وكرامتها فاننا لا نقصد من وراء ذلك ان نضمر عداء لاحد او نريد سوءا باحد وانما نريد الخير لانفسنا ولمن يريد الخير من غيرنا
ان الاحوال التى مرت على الوطن العربي بما يزيد على السنة هي في حقيقتها نكبة لابناء العروبة وان كنا نرى انه يجب علينا " ان تكون فى هذه النكبة او في هذه المصيبة موعظة ودرس لنا للعودة الى الخط السليم والى العمل المثمر والصالح والى الايمان والعقيدة الراسخة والتعاون فيما بيننا كما ندب الى ذلك ديننا وشربعتنا ونبينا صلوات الله وسلامه عليه فالواجب علينا في مثل هذه الظروف وهذه الاحوال ان لا نخفي رؤوسنا في التراب وندعى اننا مجردون
او منزهون عن الاخطاء ويجب علينا ان نعترف باخطائنا ونواقصنا وان نستفيد بما حل بنا للرجوع عن هذه الاخطاء ولاكمال التقصير الذي فعلناه حتى يكون مستقبلنا بحول الله وقوته زاهرا مبشرا بالخير لما إذا لا سمح الله ركبنا رؤوسنا وتجاهلنا كل شئ وادعينا اننا لم نخطئ ولم نقصر وسرنا في طريق غير معروف مجهول النتيجة فاننى اخشي ان يكون مستقبلنا اسوا من ماضينا فالواجب علينا اليوم ان نعيد النظر في انفسنا افرادا وجماعات وشعوبا وحكومات وقادة ونحاسب انفسنا لنتعظ ولنعتبر بما مر علينا ولنكرس كل جهودنا فى بناء انفسنا وفي محاولة رد كرامتنا وتحرير اوطاننا من المغتصبين اللئام واعادة اوطاننا من المغتصبين اللئام الذين انتهزوا هذه الفرصة من فرقتنا وتناحرنا وتباين اتجاهاتنا وسبلنا فاوقعوا بنا ما اوقعوه من عدوان غاشم ظالم ، وليس لهم اى حجة في هذا العدوان الا رغبة التسلط واظهار الجبروت والتنكب عن كل مبادئ العدل والحق والانسائية حتى في معاملتهم لابناء الوطن الذين شاء لهم القدر ان يكونوا تحت سلطتهم وسيطرتهم فانهم يعاملونهم اسوا معاملة لم يسبق مثلها فى التاريخ حتى في العصور المظلمة وحتى لما كانت شريعة الغاب هي التى تحكم بين بني البشر ولكننا لا نزال نأمل ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا فنحاسب انفسنا ونصلح اخطاءنا ويعود بعضنا الى بعض ، عودة مؤمنة مخلصة لا يشوبها شك ولا غرض ولا حسد فربما ان الله سبحانه وتعالى اذا علم منا النية الخالصة والايمان الثابت الراسخ والعودة اليه سبحانه وتعالى ان يجعل لنا مخرجا من هذه الطامة الكبرى وان ينصرنا على من يريد سوءا بنا وان يوفقنا الى تخليص اوطاننا من الغزاة الغاصبين الذين دنسوا مقدساتنا ودنسوا اوطاننا وهتكوا حرمات أبناء وطننا العزيز : فلسطين الجريحة . لمن نلجا ؟ والى من نمد حبال آمالنا وامنياتنا ؟ اذا لم نلجأ إلى ربنا الخالق سبحانه واتعالي المدبر القادر على كل شئ هل نلجأ إلى الدول العظمى ؟ ماذا فعلت فينا الدول الكبرى ؟ هذه نتائج سياساتها ومقرراتها واتجاهاتها نحصدها اليوم وماذا نريد منهم اذا كانوا يروننا لانهتم بمصالحنا ولا نتعاون فيما بيننا ولا يخلص بعضنا لبعض . فماذا ياتري هم يأملون فينا ؟ او يحترمون كرامتنا او استقلالنا وحريتنا . وفي هذا المعنى يقول الشاعر القديم :
اذا كان هذا فعل مرء بنفسه
فمن ذا له من بعد ذلك يكرم
اننا إذا لم نحافظ على كرامتنا وتعاوننا واخوتنا ونثبت وجودنا بالعمل لا بالخطب والتصريحات والتهديدات فمن ذا الذي يلتفت البنا او يهتم لامرنا . . ما حك جلدك مثل ظفرك . . ولهذا السبب فنحن عندما نكرر فى كل مناسبة اننا يجب ان نجعل العقيدة الاسلامية حينما نكرر قولنا بان نجعل العقيدة الاسلامية هي الركيزة التى يجب ان ننطلق منها لتحرير انفسنا ولرد الظلم عنا وعن ابناء مواطنينا في كل الانحاء وفي كل الاقطار هذا هو الذي يدعونا الى ان نجعل هذه الدعوة هي ديدننا ونرجو الله سبحانه وتعالي ان يمن على اخواننا في كل اقطار الامة الاسلامية بان يتفهموا هذه الدعوة على حقيقتها وان لا يلتفتوا الى مما يحاوله بعض المغرضين من الصاق بعض التهم او الشوائب بهذه الدعوة . فالدعوة ليست دعوة فيصل ولا دعوة اى كان . هذه دعوة ربنا سبحانه وتعالي ابلغها الينا نبيه صلوات الله وسلامه عليه فمن يدعي بان هذه الدعوة هي دعوة فيصل او دعوة اي كان من الناس فمعنى هذا انه لا يعرف الدعوة وانه يحقرها ، اذ اخرجها عن اتجاهها الصحيح ففيصل وغيره فيصل ما هم الا افراد من امم وشعوب ليس لهم حول ولا قوة ولا قدرة الا اذا وفقهم ربنا سبحانه وتعالي ومن عليهم بان يكونوا دعاة للخير في سبيل الله دعاة للتعاون دعاة للتآخي دعاة للاخلاص والايمان الراسخ فاذا كان هذا ما يعيبون علينا به فتلك لعمرى توبة لا اتوبها . . لن نتوب عن هذا . . والله لن نتوب عن هذا ولن نتراجع وسنسير بحول الله وقوته نحن واخواننا الذين يدينون بهذا المبدأ ويسعون له من رؤساء وزعاء وشعوب وحكومات في كل البلاد الاسلامية فاذا كان القصد هو الخير لشعوبنا ولانفسنا ولامتنا فيجب ان نسلك
سبل الخير وان نصرف كل جهودنا لان ننمي هذه العقيدة وهذه الروح بين ابناء الامة الاسلامية التى تقوم على العدل والحق ورد الظالم وانصاف المظلوم والتي لا تتوجه ضد أى عنصر او ضد أي أحد من الناس وانما نريد خير انفسنا قبل كل شئ وخير غيرنا اذا اراد هذا الغير منا أى خير . ولا احب ان انهى كلمتي قبل ان اقدم شكري وامتناني لسعادة المحافظ لما تفضل به من بيانات وايضاحات هى فى الحقيقة تبشر بالخير وانا كفرد وكمواطن في هذه البلاد ونيابة عن مواطني البلاد اهنئ سعادة المحافظ ومؤسسته على ما وصلوا اليه من توفيق واهنئ نفوسنا جميعا كمواطنين بما انعم الله علينا به من نعمه الوفيرة التي يجب علينا ان نشكرها له سبحانه وتعالي عقيدة وعملا وقولا وليس مجرد كلام باللسان . يجب ان نتجه اليه سبحانه وتعالى بكل جوارحنا وبكل مانشعر به من ايمان واخلاص لنشكره على ما انعم به علينا من هذه النعمة التي ليست لا بقدرتنا ولا بحولنا نحن لسنا أطيب الناس ولسنا احسن الناس ولسنا اغنى الناس ولا اقوى الناس ولكن الله سبحانه وتعالي هو الذي انعم علينا بهذه النعمة فيجب علينا شكرها . وما تلفضل بذكره سعادة المحافظ من بعض الهزات التى انتابت اقتصادنا او مواردنا بسبب الاحداث في السنة الماضية وبعض الالتزامات التي التزمنا بها لبعض اخوتنا في البلاد العربية فنحن حينما نلتزم بهذه الالتزامات لاخوتنا فلا نشعر ولا يمكن ان نشعر باننا نمن عليهم بذلك وانما هو واجبنا المفروض علينا ان نشارك اخوتنا في السراء وفي الضراء اكثر لان المشاركة في السراء سهلة ان الانسان يشاركك في سرائك لكن المهم ان يشاركك في ضرائك فاذا قمنا ببعض ما يجب علينا فهذه اشياء يجب ان لا نشكر عليها لانها اشياء طبيعية واشياء لا يمكن ان تتخلى عنها بأي حال من الاحوال . . ففي الوقت الذي ندعي اننا على استعداد بالتضحية بدمائنا هل يمكن ان نبخل على اخواننا ببعض المساعدات ؟لا يمكن والذي نرجوه من الله سبحانه وتعالي ان يزيل هذه الغمة عن امتنا العربية والاسلامية وان يوفقنا جميعا لان نسعى حثيثا لازالة كل ما علق باوطاننا من ظلم واضطهاد وبمقدساتنا فانني كفرد مسلم ادعو كل اخواني المسلمين وان كنت لست في حاجة الى دعوتهم الانهم في الحقيقة يشعرون بما نشعر به ، ويألمون لما يؤلمنا ويسرون لما يسرنا . . انني ادعوهم جميعا الى ان يعتصموا قبل كل شئ بحبل الله وان نخلص جميعا لله سبحانه وتعالى مؤمنين بهذا الاخلاص وان نتكاتف ونتعاون فيما بيننا لاسترداد كرامتنا ومقدساتنا التي لوثها شذاذ الآفاق من الصهيونيين حتى بلغت بهم الجرأة الى انهم والعياذ بالله يفتحون ابواب المقدسات الاسلامية والمسيحية لعمل الاخلاق الفاسدة والمنحلة داخل المعابد وداخل المقدسات كل هذا زيادة في النكاية بنا وبمقدساتنا ومعتقداتنا وهذا لم يسبق له مثيل والتاريخ يشهد على ذلك فالمسلمون فتحوا بلدان العالم كلها ولم يتعرضوا المقدسات الآخرين والمسيحيون كذلك حينما دخلوا كثيرا من البلدان الاسلامية واستعمروها لم يتعرضوا المقدسات المسلمين ولكن هؤلاء الفجرة اللااخلاقيون ، يتجاوزون في نكايتهم الى ان يعتدوا على مقدساتنا ويهينوها ظنا منهم ان الله سبحانه وتعالى غافل عنهم ولكن الله سبحانه وتعالى حي لا يموت وهو يمهل ولا يهمل وسوف ينتقم بحوله تعالى من كل ظالم ولكن المهم ان نجرد انفسنا من الشهوات ومن الميول الشاذة ومن الترهات ونكرسها كلها للايمان بربنا والاخلاص له سبحانه وتعالى حتى يعيد الينا كرامتنا وعزتنا وقواتنا اما إذا تمادينا في طغياننا وعدم الاكتراث بمقدساتنا او بمعتقداتنا فانى كما قلت اخشى ان تطول هذه المحنة وارجو الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا جميعا مع اخوتنا جميعا الى سلوك سبيل الرشد والهدى والاعتماد عليه سبحانه وتعالي في كل ما نعمل وكل ما نتجه اليه وان يأخذ بيدنا جميعا الى ما فيه خير ديننا وامتنا ووطننا جميعا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

