في افتتاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامي
فى تمام الساعة الخامسة من بعد عصر يوم الاثنين السادس عشر من شهر المحرم عام ١٣٩٠ ه الموافق الثالث والعشرين من شهر مارس ١٩٧٠ م افتتح جلالة الملك فيصل مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامى فى قصر الضيافة بمدينة جدة بالكلمة التالية :
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الاخوة الكرام . أحييكم تحية الاسلام .
انه لمن دواعى فخرى واعتزازى أن أنوب عن شعب وحكومة هذا البلد لآرحب بكم .
ولا شك انكم لستم فى وطن غريب عليكم . فهذا وطن كل مسلم .
اننا اليوم أيها الاخوان فى هذه اللحظة التاريخية نرجو أن نكون عند حسن ظن شعوبنا وأمتنا وأن نستهدف فى كل ما نعمله الصالح العام وما يقتضيه علينا واجبنا ومسؤولينا .
قبل ستة أشهر عقد المؤتمر الاسلامى فى مدينة الرباط واننا لن ننسى ما قوبلنا به من قبل اخواننا فى المغرب العربى من حفاوة وحسن استقبال تسهيلا لاداء مهمتنا التى حضرنا من أجلها . وقد لاقينا كل ترحاب وكل عناية من قبل اخواننا فى المغرب العربى شعبا وحكومة وملكا وفى ذلك المؤتمر تقرر رأى الاخوان ان يعقد اجتماعكم هذا .
ولا شك اننى لست بحاجة الى أن أتعرض الى جدول أعمالكم فهو بين أيديكم . ولكننى أحب أن ألفت النظر الى أن اجتماعكم هذا هو محط أنظار العالم لأجمع . فان اخواننا المسلمين فى كل أقطار العالم واصدقاءهم ينتظرون من الجميع ما يبهج صدورهم ويطمئن نفوسهم فيما تتخذونه من أعمال تكون نتائجها بحول الله وقوته خيرا للجميع ومحققة لكل آمالهم .
وفى نفس الوقت فان أعداء الاسلام ينظرون الى هذا المؤتمر بكل توجس وخيفة ويسعون جاهدين لاحباط كل ما تنوون أن تعملوه وان يظهروكم بمظهر الفاشلين المتخاذلين .
وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يبطل كيدهم وأن لا يحقق آمالهم .
لا شك ان ما اتخذ فى الرباط من مقررات هو يهدف قبل كل شئ الى ربط الأمة الاسلامية وتعاونهم جميعا لما فيه صالحهم وكذلك لرفع الضيم عنهم ولرد العدوان الذى تعرضت له الامة الاسلامية من أعداء الاسلام وأعداء السلام وأعداء العدل والانصاف . وان ما تعرضت له الامة الاسلامية من استهانة لكرامتها ولمقدساتها لم يسبق فى التاريخ أيها الاخوان ان تعرضت له أمة من الأمم : ان تحطم كرامتها وتمتهن مقدساتها حتى ولو تعرضت لشئ من الحروب أو القتال أو الخصام . ولكننا مع الاسف فى هذا اليوم نتعرض فى أوطاننا ومقدساتنا لكل امتهان وكل استفزاز . ولسوء الحظ اننا نجد من العالم من لا ينظر الى هذا الامر بجدية أو من يسعى لتبرير بعض الأعمال التى يقوم بها أعداء الاسلام وأعداء البشرية أن يجدوا لها بعض المبررات .
فنحن ايها الاخوة يجب علينا أن لا ننتظر من أعداء الاسلام أى انصاف او أى اصغاء لحجتنا أو لمنطقنا . ولكننا يجب علينا قبل كل شئ أن نعود الى ربنا سبحانه وتعالى وأن نستعيد ايماننا بالله وتمسكنا بعقيدتنا والسعى بإخلاص للدفاع عن انفسنا وعن كرامتنا وعن مقدساتنا بكل ما اوتينا من قوة . فنحن لسنا معذورين ونحن لسنا ولله الحمد من الضعف الى الدرجة التى تعجزنا عن ان نقوم بواجبنا ولكننا فى حاجة فقط لقوة الايمان والاخلاص فى العمل والعزيمة على التنفيذ .
لا اجدنى فى حاجة الى أن أشرح لكم أيها الاخوان شيئا مما نحن فيه اليوم فالكل يعلم ذلك والكل يشعر بعظم النكبة والكل يرى بعينه ويلمس ما تتعرض له اليوم الامة الاسلامية من عدوان فظيع . لم يسبق أيها الاخوة فى التاريخ ان اعتدى على أمة أو على شعب فى عقر داره وطرد من بيته ومن أرضه ومزق شر ممزق ومع ذلك ينكر عليه أن يدافع عن أرضه وعن نفسه وعن أهله وعن حرماته . لم يسبق ان اعتدى على أى ديانة من الديانات بمثل ما اعتدى على الاسلام اليوم فى انتهاك مقدساته ليس فقط بالتهديم
والاحراق والتخريب ولكن بامتهانها بما يجرى فيها من افعال مخزية حتى انهم اتخذوا من حرم القدس الشريف مكانا لاستعمال الفواحش ولاظهار التحلل الخلقى وكل هذا امعانا منهم - أيها الاخوان - في اهانتنا ودوس كرامتنا .
فلهذا لا أجد اليوم لنا أى عذر أو أى مبرر لأن نتقاعس أو نتأخر عن أن نعمل ونعمل بجد على أن لا تكون اجتماعاتنا ولقاءاتنا عبارة عن خطب او كلمات رنانة أو قرارات تتخذ ولكن يجب أن تكون اعمالا وأفعالا يراها البعيد والقريب ويحس بها الصديق والعدو وان لا ينطبق علينا قوله سبحانه وتعالى : (يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم ) .
فاننى اربأ بنا جميعا ان شاء الله ان نكون من هذا الصنف فاذا قلنا يجب أن نفعل واذا قررنا يجب أن ننفذ . وكما قلت لا يجب ان ننتظر من اعدائنا اعداء الاسلام أى انصاف او أى مساعدة حتى ولو قال أحد منهم انهم يساعدوننا او يؤيدوننا فهذا لا يتعدى اللفظ فقط ولكن فى الحقيقة هم ليسوا معنا واننا فى العشرين سنة الماضية رأينا ولمسنا من كل الاطراف وكل الجهات ماذا كانت مواقفهم معنا وماذا كانت أعمالهم بالنسبة لقضيتنا .. أيها الاخوة واسمحوا لى اخوانى اذا أطلت فى هذه النقطة فان هذه النقطة اليوم هى محك أو شبه اختبار لنا فيما نعمله أو ما نقوم به من أعمال ولأننا يجب أن نقتصر كذلك على هذا الامر وأن يكون هدفنا هو ارتباطنا دائما ، وتعاوننا دائما وتماسكنا فيما بيننا على اساس من الايمان والاخلاص والعقيدة ، والتعاون ونحن فى عملنا وفى تعاوننا وفى تعاضدنا لا نقصد شرا بأحد ، لا نريد الا كل خير ولكننا فى نفس الوقت لا يمكن ان نقر الشر فينا ولا الاعتداء علينا فالدفاع عن النفس مشروع فى كل الشرائع وهذا ما فيه شك انه يعطى المجال لنا أن ندافع عن أنفسنا وان نكافح بكل ما اوتينا من قوة .
فارجو أيها الاخوان أن يكون اجتماعكم هذا فاتحة خير لتعاون المسلمين وأن لا نكتفى بهذا الاجتماع فقط بل أن تستمر لقاءاتنا واجتماعاتنا وتعاوننا ، فيما فيه خيرنا وصلاح أمرنا فى ديننا ودنيانا . واننى لأرجو لكم ان شاء الله كل توفيق وان يهيء لكم ربكم من الامر رشدا ، فتخرجوا من هذا الاجتماع بنتائج مثمرة يفرح بها الصديق ويغتاظ بها العدو وان تكون نتائج فعالة لا مجرد قرارات وتسويف وتحذير وارجو الله سبحانه وتعالى ان يوفق الجميع لارضاء وجهه الكريم وان يأخذ بيدنا جميعا لما فيه خير ديننا ودنيانا . واننى باسمكم أيها الاخوة افتتح هذا لاجتماع الذى أرجو له كل خير وكل نتائج مثمرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعد أن انتهى (( الفيصل )) من القاء كلمته السامية غادر جلالته قاعة المؤتمر إلى قاعة مجاورة مودعا بمثل ما استقبل به من المؤتمرين بالتصفيق المدوى والهتاف الحار .
وقد قام على أثر ذلك رؤساء وأعضاء الوفود بالسلام على جلالته . ثم عادوا الى قاعة الاجتماع حيث واصلوا الجلسة الافتتاحية .

