في جلسة افتتاح مؤتمر وزراء الخارجية الاسلامي
قال الله تعالى فى كتابه العزيز : ( لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) . صدق الله العظيم
أصحاب المعالى والسعادة :
انه لتشريف عظيم ، استشعره في هذه اللحظة المباركة ، أن أرحب بكم باسم المملكة العربية السعودية ملكا وحكومة وشعبا ، فى بلادكم ، وبين اخوانكم واهليكم في جوار بيت الله العتيق ، ومهبط وحيه ومثوى رسوله الكريم .
وانه لما يهز وجداننا ويملأ نفوسنا بالعزة والفخر ، ان نرى الارض التى أنبتت
محمدا عليه صلوات الله وسلامه واحتضنت رسالته السماوية الخالدة ، وتسلمها ابناؤها المؤمنون ، ليحملوها راية خفاقة تنشر العدل وتدعو الى الخير وتنشد السلام ، تفتح اليوم صدرها رحبا لتستضيف ، بالسرور والغبطة ممثلي خير أمة أخرجت للناس ، وقد تقاطروا من سائر اصقاعهم ليجتمعوا على كلمة فى الحق سواء ، تهدف الى تحقيق عزتهم والعمل على ما فيه خير البشر جميعا .
أصحاب المعالى والسعادة :
ولا ريب ان التاريخ الاسلامى سيفرد فى صحائفه الغر مكانا ، متميزا ومتألقا , لليوم التاسع من شهر رجب ١٣٨٩ الموافق الثانى والعشرين من شهر سبتمبر ١٩٦٩ - عندما شاءت عناية الله وارادته ان يجتمع ولأول مرة فى التاريخ شمل ملوك ورؤساء الدول الاسلامية المجيدة ، التى تمثلونها ، فى رحاب جلالة الملك الحسن الثانى المعظم وفى عاصمته الغراء الرباط , وليس اجتماعنا اليوم الا بعض ثمرات ما وفقوا اليه جميعا من تفاهم مخلص واخوة اسلامية صادقة ، وما اتخذوه من مقررات بالغة الاهمية وجليلة الشأن .
كما سيذكر التاريخ بالفضل والاعتزاز ، جميع القادة المخلصين الذين وفقهم الله لحمل لواء الدعوة لتضامن المسلمين وتوحيد صفوفهم ، وحشد طاقاتهم وامكاناتهم الروحية منها والمادية للنهوض بالامة الاسلامية ذات التاريخ المجيد الى المستوى المناسب وما قدمته للتراث الحضارى الانسانى ، وتطلعاتها السامية نحو حياة
مثلى ، تتكامل فيها الروح مع المادة ، لخدمة الانسان الذى كرمه الله سيدا على مخلوقاته وهم اولئك القادة الذين تضافر ايمانهم مع ارادتهم ، وصحت عزيمتهم وصدقت , فى المضى بهذه الدعوة الكريمة قدما غير مبالين بكل ما اعترض طريقهم من عقبات وصعاب ، متأسين فى ذلك بسيرة أنبياء الله ورسله ، عليهم جميعا صلواته وسلامه .
أصحاب المعالى والسعادة :
عندما يصل الامر بهذه الامة ، التى قرر بارؤها انها كانت خير أمة أخرجت للناس ، الى أن تتجرأ فئة باغية ظالمة وطاغية على انتهاك مقدساتها وحرماتها والعدوان على أولى قبلتيها ، ومثوى خليل الله وهدم مساجدها وتدنيس حرمة أرضها وطرد أبنائها من أرضهم في فلسطين العربية موئل رسل الله ومهبط أقداسه ورسالته
متحدية بذلك جميع الشرائع والمبادئ الانسانية والارادة الدولية ، عند ذلك كله ليس هناك من سبيل تسلكه هذه الامة الاسلامية العظيمة غير طريق واحد لا ثانى له .. طريق التضامن والتكاتف امتثالا لهدى الله سبحانه فى كتابه العزيز وعلى لسان رسوله الكريم .. واننا لنحمد الله العلى القدير أن وفق هذه الامة العظيمة ، بأشخاص قادتها الى سلوك هذا الطريق السليم على النحو الذى عبر عنه اعلان مؤتمرهم فى الرباط .
أصحاب المعالى والسعادة :
ولقد كان من سوء الطالع ، ان الامة العربية وهى فى مستهل تاريخها الحديث
ومسيرتها الكبرى الى تحقيق استقلالها وصولا إلى الحياة الفضلى والسيطرة على مقدراتها ، والاستجابة لمطالب العصر والمشاركة فى التقدم البشرى - قد رزقت بالتآمر الصهيونى العدوانى المنظم والبعيد المدى ، لسلبها بقعة مقدسة عزيزة هى منها بمكان القلب ، متعاونا فى ذلك مع قوى متعددة فى هذا العالم بغيا على الحق العربى الاصيل فى فلسطين ، وتشريد العرب اصحابها الشرعيين ، ولتكون مركزا لشذاذ الآفاق يقيمون عليها دولتهم (( اسرائيل )) رأس الحربة الصهيونية التى تعتبر التجسيد الحى لمؤامرتها على الانسانية جمعاء .. وارجو - أيها الاخوة - ان أصور لكم ، فى لمحة سريعة الابعاد الحقيقية للمؤامرة المنقطعة النظير فى التاريخ البشرى كافة والصورة الحقيقية للدولة الصهيونية التى كنا نعلم حقيقة أهدافها قبل قيامها ثم خلال اثنين وعشرين عاما من حياتها الآثمة .
اسرائيل هى امتهان المقدسات العزيزة على قلوبكم ونفوسكم جميعا وافتراسها من قبل الصهيونية .
واسرائيل هى تشريد اخوانكم الفلسطينيين الذين تكرس حقهم الشرعى فى بلادهم عبر الآلاف من السنين .
واسرائيل هى الطموح الجامح لما هو أكبر من رقعة فلسطين وذلك بما قامت به من التوسع فى احتلال أراضى ثلاث دول عربية والتخطيط أبدا ودائما لمزيد من الاحتلال والتشريد والسلب ، تحقيقا لحلمها الذى أعلنته رسميا دون تحرج أو حياء .
واسرائيل هى الصلف المتمرد على سائر قرارات
المنظمة الدولية الكبرى التى أعطتها اساسا شهادة ميلادها ظلما وعدوانا وزورا ، فانطلقت تستهين علنا بالارادة الدولية والقانون الدولى والمبادئ الاساسية للعدالة وقواعد السلوك الخلقى ، وهى النشاز والتناقض الصارخ ، والتجسيد البشع للتعصب العنصرى والتفرقة والتناحر الدينى ، وهو ما كافحت الانسانية قرونا عديدة ، وبذلت تضحيات غالية فى سبيل الخلاص منه .. فجاءت الصهيونية لتعيده من جديد ، فى أبشع وأفظع صورة عنصرية عرفها العالم قديمه وحديثه .. وتمالؤه وتغذيه فى كل بقعة ما زالت تشكو وجوده وتئن من آثاره المدمرة . . مالأته فى روديسيا حيث يتحكم ربع مليون من الدخلاء فى مصير ورقاب أحد ومناصرته فى جنوب افريقية حيث الصورة لا تقل ظلما وبشاعة ، ثم ساندته فى الحركة الانفصالية المجرمة التى دعت نفسها (( بيافرا )) والتى كلفت شعب نيجيريا الشقيق من التضحيات البشرية والمادية ما نعرفه جميعا ، ضخامة وهولا وفظاعة . وهى العابثة بكل القيم والمفاهيم ، اذ تتخذ القرار تلو القرار الآخر لاجبار كافة يهود العالم على الولاء لها أولا وقبل الولاء لأوطانهم .. وباستطاعتكم تصور مدى الكارثة التى ستحل بكل وطن يضم أقلية يهودية ، نتيجة لازدواجية الولاء لاسرائيل أولا ثم لهذا الوطن ثانيا ، ومدى ما يصيب مؤسساته القومية ونظمه وأسلوب حياته واقتصادياته من تخريب وتدمير تدبر له اسرائيل وترسخ جذوره هنا وهناك ارضاء للحقد الصهيونى الاعمى على التراث الحضارى لا انسانى دون ان تكتفى بما يهيئه لها يهود العالم من دعم مادى وأدبى .
وسياسى واقتصادى ، وما يمارسونه بوسائلهم المختلفة من ضغوط سافرة على حكوماتهم وبما تناله من دعم هذه الحكومات ، التى تخضع وتنقاد للضغط الصهيونى المنظم وتغض النظر عن ازدواجية ولاء مواطنيها وعن ابتزاز أموالهم وأموالها لصالح اسرائيل ، غير مكترثة لما تفرط به من سياستها وسلامتها .
اسرائيل هى أسطورة السلام الذى يستبح لنفسه قتل المدنيين الابرياء يوميا من أطفال وشيوخ ونساء فى فلسطين والبلاد العربية الاخرى وليس آخرها جريمتها الاخيرة فى قذف مصنع بضواحى القاهرة والفتك بالابرياء فى القرى اللبنانية الهادئة المسالمة أو اعتداءاتها السافرة على الاردن الشقيق وهى أسطورة الوطن القومى لليهود المضطهدين ، بينما ابعدت عن ذهن الرأى العام الدولى لسنوات طويلة ما لقيه شعب فلسطين من اضطهاد بز وفاق وكل ما مارسته النازية من أفعال يراد للعرب الابرياء منها أن يدفعوا ثمنها من أرضهم ودمهم ورزقهم .
وأخيرا فان قيام العدوان الاسرائلى وتصاعده وتصعيده منذ ١٩٤٨ حتى الآن قد أوقع منطقة الشرق الاوسط بكاملها فى أتون القلاقل والصراع الشامل . مما ادى الى أن تصبح هذه المنطقة ميدان صراع مكشوف بين القوى العالمية الكبرى . يخشى منه أن ينتهى الى مواجهة كبرى ومباشرة بين تلك القوى قد تقضى على الانسان وحضارته فى ساعات معدودة . . ما لم توقف الجريمة الصهيونية عند حدها ويقطع داؤها من
أصحاب المعالى والسعادة :
هذه هى اسرائيل وهذه حقيقتها التى تنبهت لأبعاد مؤامراتها الشعوب العربية فبذلت ، من دمها وأرضها وخيراتها دفاعا عن حقها فى الحياة - التضحيات تلو التضحيات .. على أن الأمر فى الواقع لا يتصل بالعرب وحدهم فاذا كانت فلسطين هي من العروبة بمكان القلب فانها للمسلمين كافة أولى قبلتيهم وموطن مقدساتهم ، كما أنها للمسيحيين أيضا موطن مقدساتهم العزيزة التى قام المسلمون العرب بحمايتها والحفاظ عليها فأدوا الامانة طوال ثلاثة عشر قرنا خير ما يكون الاداء .. وهذه الحقيقة واضحة تماما وغنية عن كل دليل .
كانت الدول العربية تشكل خط المواجهة المباشرة مع العدو الصهيوني المتمثل فى اسرائيل وخط الدفاع الاول ضد انتشار وبائه كما هو مخطط له فان المملكة العربية السعودية تعتقد مخلصة بأن اغلاق أبواب آسية وافريقية فى وجه التجارة والنشاط الاقتصادى الاسرائيلى من شأنه أن يزعزع الكيان الاقتصادى الاسرائيلى ويجعله غير قادر على الصمود تلقائيا ويضع اسرائيل فى حجمها ووضعها الطبيعى ، كيانا لا تتوفر له أسباب الحياة الصحيحة والبقاء الطويل ويحمل فى تكوينه عناصر انهياره كما ان مقاطعة كهذه تضيع على اسرائيل فرص التغلغل والتسلط الذى تسعى اليه كمقدمة للسيطرة السياسية دوليا وتوسيع مناطق نفوذها لخدمة أغراضها الآثمة فى مختلف مناطق العالم .
أصحاب المعالى والسعادة :
ليس بخاف على فطنتكم عظم التحديات التى ينوء بها كاهل عصرنا هذا ، ووعورة الطريق التى تجتازها أمتنا الاسلامية المجيدة .. ولست هنا فى مجال التعداد والسرد فالشواهد ماثلة فى شتى أركان المعمورة من مبادئ هدامة ملحدة ، الى تحلل وانفكاك عن جميع ما جاءت به الشرائع السماوية من فضائل وقيم خلقية أصيلة الى قلق واضطراب فى نفوس الملايين من الأجيال الصاعدة ، الى ما أوصلتهم اليه التيارات المادية المعاصرة فى الشرق والغرب من تردد وتناقضات ، الى تحديات علمية صارخة وانجازات تتطلب من أمتنا كل الجهد والعزم للاستفادة منها والمساهمة مع الآخرين فى تطويرها وشمولها .
وانى لعلى يقين تام بأن مؤتمركم الموقر يتوفر له كل الادراك لسائر أبعاد هذه التحديات ، تتوفر فيه الحكمة والقدرة الأكيدة على وضع حجر الاساس والمنطلق الذى يمكن للأمة الاسلامية العظيمة من مجابهة هذه التحديات الكبرى بفعالية وقدرة كفيلتين بتحقيق الآمال التى تجيش بها صدور أبنائها فى كافة أقطارهم . واذا كنا نجتمع اليوم فى نطاق وحدة العقيدة ، والتراث الدينى والتاريخى المشترك فمن الخطأ الزعم بأن مؤتمرنا هذا مجرد اجتماع
دينى ، يكرس اتجاها واحدا أو يتحجر على مفهوم تعصبى ضيق أو يشكل تمييزا دينيا أو عنصريا .
ذلك بأن العقيدة التى جمعتنا انما تقوم أساسا على الانفتاح والنظرة الواسعة الشاملة وقبول كل ما هو طيب ونافع ومفيد كما تفرض على أبنائها احترام الآخرين من أصحاب الديانات السماوية الاخرى ، وتشدد على التآخى الانسانى الشامل ..
واذن فهو اجتماع للبناء الخير غير المتعصب ، للتقدم لا للتقهقر لخير الانسانية جمعاء لا لتكريس ديانة أو عرق واحد .
كما يهمنى ان أؤكد لكم استعداد المملكة العربية السعودية للسير قدما وبالتعاون مع سائر شقيقاتها الدول الاسلامية ، تعاونا لا تحفظ فيه ولا تردد ، لتحقيق كل ما من شأنه توطيد الروابط الاخوية الاسلامية فى كافة المجالات الروحية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية وفى تنفيذ كل ما ينبثق عن مؤتمركم الموقر من قرارات وتوصيات بروح اسلامية أخوية صادقة .
والله أسأل أن يوفقنا الى خير العمل وسبيل الهدى راجيا لكم طيب الاقامة فى وطنكم هذا بين أخوانكم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

