الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

خطبة الجمعة

Share

ما من شخص يجهل قيمة هذه الخطبة فى حياة الجماعة المسلمة . فهى ايقاظ وتوجيه فى ثوب من وعظ يقسو تارة ويلين اخرى ، ينذر مرة ويبشر مرة اخرى . فالقلوب فى شغل عن امر ربها حتى يأتى يوم الجمعة فتنتبه بعد طول سبات وتبصر الحق حقاً فتتمثله والباطل باطلا فتتجنبه - ولو درسنا تاريخ خطبة الجمعة منذ اربعة عشر قرنا حتى الآن لألفينا مقدار ما طبعته يد الاحداث السياسية والاجتماعية فى اسلوبها ومعانيها والفاظها . ففى الصدر الأول من الاسلام حيث يرسل الرسول ﷺ فيها من بلاغة وروحه المتسامية الفذة كانت وضاءة الجبين مشرقة الاسلوب مرتبطة بما فى ذلك العالم من اوضاع وبما يختلج فى قلوب المسلمين من درجات العقيدة وكانت وسيلة من وسائل ترسيخ الايمان ودحض حجج مشركى العرب ، وكانت احدى دعامات صرح الامبر طورية الاسلامية . ولما انقطع خبر السماء لم ينضب ذلك المعين بل بقيت هذه الدعامة تؤدي رسالتها فى عهد الخلفاء لراشدين .. وعندما اندلعت اول فتنة فى الاسلام وتمخضت عن مقتل سيدنا عثمان وتلاه الأمام على وامسك الامويون بناصية الخلافه وجدنا اثر ذلك فى اقحام الطعن فى الامام علي ، على المنابر . ثم تطورت الحياة السياسية فى الدول الاسلامية بانتقال الخلافة للعباسين م تجزأت وحدة المسلمين الى دويلات متناثرة بين المحيط الاطلسي غربا والصين شرقاً ركان حال الخطبة فى خضم هذه التقلبات غير ثابت حتى اطل على العالم الاسلامى عهد الدولة العثمانية وكان يظن ان فى الأفق فجراً جديداً ، واذا بجو اللغة العربية يتلبد بغيوم من العجمة وضباب كثيف طوى فى احضانه لغة القرآن وخيف حينذاك انه سيكون ذلك اخر عهد العرب بلغتهم وسيفقدونها للأبد . ونلاحظ صورة جلية لهذه الغمة الاجتماعية فى غور ينبوع البيان

فى رؤوس القوم والتجاء خطبائهم الى كتب قديمة دونت فيها خطب من سبقهم ونقلوا صورتها مشوهة الى الناس وكانت اللباقة تفوت معظم خطباء الجمع فبعضهم اخذ يكرر الموضوعات حتى ملتها الناس والآخر اقتصر على صورة واحدة يرددها طيلة جملة من الاشهر حتى شعر العامة ان خطابتهم هى فى احط مراحلها وتضاءلت فائدة الخطبة وفقد الناس لذة الوعظ ذى التأثير القدسي فى النفوس وهكذا تمثلت الخطابة فى طقس دينى مفرغ .. كانت هذه حال الخطبة او اخر دولة آل عثمان ؛ ولا أقول اوائل العهد السعودى بل استمرت سنوات عديدة حتى قدر ان ترسو هذه الدولة العظيمة وبدأ الاصلاح يحف مرافق الحياة . والآن وقد انبثق نور النهضة واخذ يضيء طريق هذه الخطبة لتلحق بموكب التطور فقد بدأنا نسمع من مكة والمدينة خطبا تشف عن خطوة مباركة فى تقدم خطابتنا الدينية - وهذا لا ينفى ان اذكر ان الاسلوب التجديدى وملائمة الوعظ لمستوى الثقافة ومعالجته لمشاكل المجتمع عامة والشباب خاصة كل هذا لا اكاد المسه فى خطبة الجمعة بل ما زلت اسمع نتفاً من السجع الذى يتعلق به الخطيب بغية التأثير فى السامعين واستمالتهم مع ان الخطيب يمكن ان يستحوذ عليها لوارسل كلامه طليقاً من قيود المحسنات مع تغيير فى النغمة بين الحين والآخر حسب ما يرد فى الخطبة من الفاظ النذير والتبشير والتوجيه وينبغى ان يوفق الخطيب الناجح بين توجيه كلامه للعامى والمتعلم ، فلا ينتقى مثلا الالفاظ العربية العسيرة على العامي ولا ينزل باسلوبه لمستوى مبتذل فيثير بذلك سخط المتعلم .. ومن الخير ان يطرق خطيب الموضوع الذى يشغل الاذهان ليقبل عليه الجمهور بتليهف وانصات تامين

والشاب اليوم بحاجة الى من يفسر له مشكلاته النفسية والجنسية على ضوء من العقيدة لأنه من النادر حدا أن نجد شابا ما ، يسأل عالماً دينيا عن موقف الدين من مشكلة من مشاكله مثلا ، وما اكثر ما تعترض هذه المشاكل طريق الاحداث الذين شبوا عن الطوق او كادوا .. فاذا تعمد الخطيب عرض هذه المشا كل وتوخى التفصيل فى شرحها فانه سيوفر على كثير من الشباب ، الاضطراب الذهنى والجهد الذى يبدله ليعرف حلولها فى كتب الشريعة

هذا وانى لأشعر ان الحياة الحاضرة فى حاجة الى مدها بتيار من الدعاية القوية وينبغى لنا ان نندمج فى هذا التيار . فمثلا تنظر وفود الحجاج لهذه البلاد كمنبع للغة العربية ولا تصح تلك النظرة بل سنفقد ذلك التقدير الروحى ان لم نحققها عملياً فيما للقيه عليهم فى خطبة الجمعة لأنها المؤتمر الوحيد بيننا وبينهم واللحظات الوحيدة التى يصل فيها صوت بلادنا لأذن كل حاج ممثلا فى شخصية خطيب الجمعة ومدى نجاحه فى مهمته .

المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية