هذه ملاحظات خطرت لى فى رحلتى الاخيرة بالمانيا الغريبة ، كتبتها فى صورة أجوبة عن اسئلة صحفية . وارجو ان يكون لها نصيب من صفحات الفكر
لابد انك قمت بجولة في مدن " المانيا الغربية " . فهل لفت نظرك شئ فى هذه الجولات تريد ان تتحدث فيه ؟
أول
ما لفت نظرى من ظواهر التخطيط فى المدن الالمانية ، هو ما يسمى " الاوتوستراد " وذلك ما اصطلحنا على تسميته فى لغتنا الفصحى بالطريق السريع ، أو طريق السيارات
حيثما سرت بين بلد وبلد ، راعتك الطرق المعبدة الفساح التى تمرح فيها السيارات مرحا ، او تنتهبها انتهابا ، كما نقول على سبيل المجاز !
ولن تجد على قارعة هذه الطرق ماشيا على رجلين ، فللمشاة معابر خاصة يجتازونها اذا ارادوا الانتقال من طوار الى طوار ، وكأن هذه المعابر جسور معلقة .
وتقسيم هذه الطرق بين اتجاهات السير المختلفة ، خاضع لهندسة دقيقة ، تعطى للمواصلات طلاقة فى السير ، وأمنا من الاصطدام
ولهذا تكاد تنقطع المغازلات المشؤومة بين السيارات وخلق الله من المشاة وانت اذا وقفت على رأس طريق من تلك الطرق ، وعلى عينيك منظار مكبر ، أتيح لك أن تشهد معرضا رائعا لوسائل المواصلات الرائحة الغادية ، فى نسق بديع ، وسرعة خاطفة ، وكأنما أنت أمام ميدان سباق للمواصلات ، والناس على جانبيه نظارة يشهدون !
وقد رأيت مثل هذه الطرق من قبل فى " الولايات المتحدة " أثناء زيارتى لها ، مرة قبل خمسة عشرة عاما ، ومرة أخرى قبل عشرة أعوام . . . بيد أن الطرق الامريكية أوسع مدى ، وأوفر ضخامة ، وأكثر تفننا . .
وفى " أمريكا " قد ترى من هذه الطرق ما هو متراكب ، يعلو بعضه بعضا ، متخذا دعائمه وأسواره من الحديد الذى يبدو أنه فى تلك البلاد متوافر توافر الماء والهواء !
ماذا كان احساسك حين دخلت " المانيا الغربية "
لقد كنت قبل رحيلى الى " المانيا الغربية " أتابع فى الصحف أنباء البلاد الالمانية عامة ، وما جرت عليها الحروب من ويلات ، وطالما سمعت باسماء رقاع منها أعملت فيها الحرب الضروس يد الخراب والدمار ، ومن هذه الرقاع مدائن محبت محوا ، ومنها ما أصبح معظمه أنقاضا .
ولما اتفق لى أن أزور هذه المدائن ، عجبت أشد العجب لتلك الانتفاضة التى انتفضتها فى قليل من الزمن
لقد رأيت ما حسبناه خرائب ، قد استعاد جدته ونضرته ، وكأنه مدن جدد قد انشقت عنها الارض ، فاشرأبت الى السماء ، بسحر ساحر
وانه لما يبعث على الدهشة ، ويأخذ بالألباب ، ما طبع عليه الشعب الالمانى من حيوية خارقة ، وهمة جبارة ، اذ استطاع - فى سنوات معدودات . أن يقلب الوضع من هزيمة الى انتصار ، فلقد انتصر على نفسه ، بل لقد انتصر على هازميه ، حتى لقد اصبح له الباع الاطول فى الصناعة والتجار وفى مختلف ميادين المال والاعمال .
والمستوى الاقتصادى الذى يعيش فيه الرجل الالمانى من عامة الشعب ، مستوى ينم عن رخاء واطمئنان
وفيما سمعته هناك أن البلاد فى حاجة الى أيد عاملة ، وقد استنفدت الاعمال أيدى أهليها ، والترحيب مكفول لمن يأنس فى يده الكفاية للعمل والرزق وافر لمن يفدون على البلاد من الاجانب الذين يعملون !
و فى اثناء مقامى هنالك ، لقيت بعض الطلاب المصريين الذين يقضون اجازتهم الصيفية ، وعلمت منهم أنهم يزاولون بعض الاعمال ، لقاء كسب طيب ، ييسر لهم الاستمتاع فى اجازاتهم بعيش رخى كريم . .
أنت من رواد الاصطياف ، وقد طوفت فى مصايف شتى من بلاد العالم على مر السنين ، فما رأيك فى البلاد الالمانية ، باعتبارها مصطافا زرته أخيرا ؟
- لما نزلت بالمانيا الغربية ، قيل لى اننا سنصطاف فى " الغابة
السوداء " ، ومن يسمع ذلك الاسم لا يستبشر بما سوف يستقبل من مناظر ومرئيات . فاول ما يخطر بالبال هو الجهامة والكآية والعبوس ولكن الحق أن " الغابة السوداء " مظلومة اذ توصف بالظلام وحرى بها ان تسمى غابة النور ، او غابة الاشراق هى جانب من الارض ، فى ارجائه تتلاقى المصائف الالمانية ، أو اعلاها صيتا .
وانت من " الغابة السوداء " فى رحاب شاسعة ، تشمخ فيها بواسق الاشجار ، وتتشابك ، الى مدى بعيد . وان من ينشد الاصطياف لواجد فيها مفاتن الطبيعة ، من جو طيب فيه للجسم شفاء الى جبال زاهرة ، وانهار جارية وبحيرات رشيقة ، حولها تتألق قرى الاصطياف ، آخذة من أسباب الحضارة اوفى نصيب ، حافلة بالوان المباهج ووسائل الترفيه ، فوق ما اختصت به من مزايا العلاج والاستجمام .
والطريف من أمر تلك القرى ان فيها متسعا لجيوب الجميع . الميسورون يجدون فيها ما يرضى عندهم لذة الرفاهية والترف ، والمقلون لا يعدمون ما يوفر لهم المتعة والارتياح ، بقدر ما فى وسعهم من انفاق
اذا ذكرت " المانيا الغربية " ذكر معها " نهر الراين " فماذا لاتسم فى ذهنك مما رأيته منه ؟
- الحق أن " نهر الراين " كتاب مفتوح ، سجلت فيه خصائص الامة الالمانية ، ونقشت على حواشيه حياتها : دينا وأدبا وفنا وتاريخا .
على شاطئية اللذين يتحليان بأبهى المناظر ، تنفح القدسية الروحية من كنائس واديار وبيوت دينية عليها جلال العتق والقدم . وكذلك تشيع المهابة التاريخية من منيع المعاقل والحصون ، ورفيع القصور والدور وبينها تربض آثار وانصاب ، كأنما تركها الغابرون حراسا ايقاظا يهتفون - فى صمت - بالمجد القديم ، والفخر العظيم .
قلما تقرأ اسطورة من القصص ، او انشودة من الشعر ، او لحنا من روائع النغم ، الا وجدت " لنهر الراين " مكانا فيما تقرأ .
النوابغ والفحول من شيعة الادب والفن ، يدينون - فيما جادت به قرائحهم لهذا النهر الخالد ، فيه كانت لهم مواطن الهام ، ومنه كانت لها قبسات العبقرية والابداع .
لقد عبرت " نهر الراين " للنزهة . . . وما كنت احسب ان ستحضرنى - أثناء رهتى - هذه المحنة الطيبة من اطياف الادباء والشعراء والفنانين
فى قديم وحديث ، لتزحم النهر حوالى وترافقنى فى عبورى ، كأنما هى تكرم وفادتى على كعبة الادب والفن ، وتمجد معى لذلك النهر يده البيضاء على الوحى المقدس !
ماذا كانت ملاحظتك فى شأن شخصية المواطن الالمانى ؟
- منذ عهد بعيد ، انطبعت فى اذهاننا معالم للشخصية الالمانية ، ممثلة فى صورة القيصر " غليوم الثانى " ، مضرم الحرب العالمية الاولى ، بشاربه المسنون الطرفين وخوذته العسكرية ، وخطواته الصلبة التى تنم عن السطوة والعنف والجبروت . وليست صور اضرابه من القواد الالمان ، من قبلة ومن بعده ، أمثال " بسمارك " و " هندنبرج " باقل جهامة وعنجهية وصلفا .
وقد كان لهذه الصور رواسب فى مخيلتي . وأنا أدق باب " المانيا الغربية " مستأذنا في الدخول على ترقب ومحاذرة . . فما اقتضت زيارتنا لها ان نخالط أهلها ، وندامجهم فى المطاعم والمتاجر والاندية والمركبات ، حتى ذابت تلك الرواسب وتبخرت ، وحل محلها صورة للمواطن الالمانى الاريحى ، بمحياه البسام ، وطبعه السمح وأدبه الكبير
لا يحس زائر " لالمانية " بانه فيها غريب ، فكل من فيها كأنما بينك وبينه أواصر ود او تعارف ، يخدمك اذا طلبت خدمته ويسرع الى نجدتك اذا احس بحاجتك الى النجدة ، ولا يظن عليك بشئ فى مستطاعه أن يبذله .
وحسبى أن أذكر أنى ما كنت فى تنقلاتى بين البلاد الالمانية أهم بركوب القطار ، او النزول منه ، الا وجدت بين رفاقى من الركاب من يتطوع ليكون حمالا معى ، بلا اجر ، بلا طلب ، بلا انتظار لكلمة الشكر
ومرات ، كنت أسأل عن بعض أمكنة ، منها ما هو بعيد الشقة ، فاذا المسؤول يرافقنى وربما ركب معى ، حتى يبلغنى المكان المنشود ، أو يهدينى طريقى اليه !
